دراسات هامة

 

مظاهر من التاويل النحوي في سورة الكهف الجزء الثاني

معمر العاني



المبحث الرابع: التضمين

دأب النحويون و المفسرون على تضمين الأفعال والحروف معان مغايرة لها تماشيا مع المعاني القرآنية ، ووضعوا لذلك قواعد خاصة أدخلت ضمن قواعد النحو العربي ، وقد عرف هذا الباب بـ ( التضمين) قال ابن جني " وقد عرفت من هذا الفن شيئاً كثيراً لا يكاد يحاط به ، وقد عرفت طريقته فإذا مر بك شيئاً منه فتقبله وانس به ". وحده أن تؤدي كلمة مؤدى كلمتين ، وهو زيادة بتغيير الوضع و من وسائل التعدية . و التضمين سماعي لا قياسي وانما يذهب إليه عند الضرورة ، أما إذا أمكن إجراء اللفظ على مدلوله فإنه يكون أولى "81 . ويرى الدكتور احمد حسن حامد أن الغرض من التضمين النحوي أن تؤدي الكلمة وضيفتها في التركيب بغض النظر عن القيمة الجمالية لهذا التركيب.  ويشمل على قسمين : أحدهما التضمين في الأفعال و الآخر التضمين في الحروف .

      1-      التضمين في الأفعال :-

ذكر ابن جني أن " الفعل إذا كان بمعنى آخر و كان أحدهما يتعدى بحرف و الآخر بأخر، فأن العرب قد تتسع فتوقع أحد الطرفين موضع صاحبه إيذانا بان هذا الفعل في معنى ذلك الآخر، فلذلك جيء معه بالحرف المعتاد مع ما هو في معناه". وأشار أحد الباحثين إلى أن الزمخشري لما عرض في تفسيره في قوله تعالى ] وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [(طـه: من الآية71) ، أن الفعل صلب  لا يتعدى ب(في) بل يتعدى بـ ( على ) فأخترع شيئاً سماه التضمين البياني ، وتعريفه أن تعدي كلمة بغير حرفها فيكون الجار والمجرور متعلقاً بحال محذوف يشير إليها السياق، وكأن الكلمة أصلا و لأصلبنكم موجورين، أي: متكلبين في جذوع النخل".

ويلحظ أن التضمين يدخل في النوعين اللازم والمتعدي بحيث يجعل اللازم متعدياً و المتعدي لازماً ، وبعبارة أخرى إن الفعل المتعدي قد يتضمن معنى الفعل اللازم فيأخذ حكمه " . وأهم الأفعال التي ضمنت معنى فعل آخر في سورة الكهف:

 

 

جعل :- في قوله تعالى ]إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا [(الكهف: من الآية7)، اختلف النحويون في معنى الفعل (جعل)، مما ترتبت عليه اختلافهم في إعراب (زينة). فبعضهم يرى أن تكون "زينة مفعولاً ثانياً لـ (جعلنا) لأنه بمعنى صيرنا"[1]ويرى الآخرون أن زينة مفعول من أجله لأنّ جعلنا بمعنى خلقنا فيتعدى إلى مفعول واحد"[2]،وهو قول حسن عند النحاس[3]. وذكر أبو حيان رأيا آخر هو "انتصابها  على الحال إذا كان الفعل بمعنى خلقنا أو وجدنا[4]".

والرأي الأول هو الأظهر و جعله مفعولاً من أجله ضعيف، ووجه الضعف فيه عند الدرويش أن الفعل ليس قلبيا، لأنها من أعمال اليد وذلك لا يكون مفعولاً له إلا بتقدير فعل الإرادة أي: إرادة الزينة، ولكن هذا التكلف لا يجوز ،  والأظهر مفعول من أو حال،ويستعبد كون (زينة) مفعولا من أجله، لأن الله تعالى ذكر علة الجعل بقوله ((لنبلوهم)) فلا يجتمع تعليلان في الآية.

ومنه أيضاً  قوله تعالى ] وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً[(الكهف: من الآية52)، نص بعضهم على اسميه (بينكم) أي "تواصلكم"[5]. فيكون مفعولا أولا لجعلنا والفعل بمعنى صيرنا أي: "وصيرنا وصلهم إهلاكا لهم"[6]. وان جعل الفعل بمعنى خلق كان ظرفا متعلقا بالمفعول، أو بمحذوف وقع صفة لمفعوله قدم عليه لرعاية الفواصل فتحول حالاً.

قوله تعالى ] فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء[(الكهف: من الآية98)، إن جعل الفعل بمعنى صير يكون (دكاء) مفعولا ثانيا للفعل، وإن جعل الفعل بمعنى خلق ينصب دكاء على الحال[7]. وهذا بعيد جداً عند أبى حيان، لأن "السد  إذ ذاك موجود مخلوق ولا يخلق المخلوق لكنه ينتقل من بعض هيئاته إلى هيئة أخرى"[8].

ويبدو أن الفعل، كما يرى أبو حيان، بمعنى صير يناسب سياق الآية والله تعالى يصير السد دكاء وليس يخلق السد دكاء. لأن الخلق بمعنى الإيجاد والسد موجود.

اطلع: في قوله تعالى ]ِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً [(الكهف: من الآية18)، "ضُمن معنى الإشراف فتعدي بـ (على)، ثم استعمل مجازا مشهورا في رؤية الشي الذي لا يراه أحد"[9] . قال في اللسان "أطلع رأسه إذا اشرف على شيء وكذلك إطلع"[10] .

أعثر: في قوله تعالى ]وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَق[(الكهف: من الآية21) ،فالفعل "ضمن معنى اطلعنا، فيتعدى بـ (على[11]) قال في اللسان "عثر على الأمر يعثر عثراً وعثورا اطلع، واعثرته عليه اطلعته…"[12]

تنازع في قوله تعالى ] إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُم[(الكهف: من الآية21)، فقد تعدى الفعل بنفسه، لأنه على أصله في المعنى. ولم يتعدى بـ في، لأنه لم يضمن معنى التخاصم كما في قوله تعالى ] فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [(النساء: من الآية59)[13] ، ولم يتعد هذا الفعل بنفسه إلا في هذا الموضع من القرآن الكريم. وذكر في اللسان (يتنازعون)، أي: بمعنى يتجاذبون، والمنازعه المجاذبة في الأعيان والمعاني[14].

اصبر: في قوله تعالى ]وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَه[(الكهف: من الآية28)، الصبر في قولك صبرت على كذا معناه حبست نفسك عليه وجستها عنه، ولذلك تعدى (اصبر) في الآية الكريمة بغير واسطة، لأن المعنى "احبس نفسك"[15]، وقال في اللسان "صير عن الشيء يصبره صبرا جسه....[16]"

تعد : في قوله تعالى ] وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا[(الكهف: من الآية28)، "ضمن تعد معنى تنصرف، فعُدي ب(عن) أي لا تنصرف عيناك عنهم، أولا تقتحمهم عيناك مجاوزتين إلى غيرهم"[17] . فأن قلت أي غرض في هذا التضمين، وهلا قيل: ولا تعدهم عيناك؟  أو لا تعدل عيناك عنهم، قلت :الغرض فيه إعطاء مجموع المعنيين، وذلك أقوى من إعطاء معنى نذر، ألا ترى كيف رجع المعنى إلى ذاك[18]. أي "رجع معنى ولا تعد عيناك عنهم إلى قولك ولا تقتحمهم عيناك مجاوزتين إلى غيرهم"[19]. وذكر أبو حيان أن ما ذكره الكشاف من التضمين لا ينقاس عند البحريين وإنما يذهب إليه عند الضرورة، أما إذا أمكن إجراء اللفظ على مدلوله الوصفي فإنه يكون أولى[20]. وزعم بعضهم أنّ "حق الكلام لا تعد عيناك عنهم لا تعد متعد بنفسه"[21].

أغفل:- في قوله تعالى ] وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا[(الكهف: من الآية28)، قرأ "عمرو بن فائد وموسى الأسواري (أغفلنا قلبه)، على معنى أهمل ذكرنا وتركه"[22]. وقال ابن جني: "فكأنه قال ولا تطع من ظننا غافلين عنه"[23].

وقال أبو البقاء فيه وجهان: "أحدهما وجدنا قلبه معرضين عنه، والآخر أهمل امرنا عن تذكرنا"[24].

رأى:- في قوله تعالى ] إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَداً[(الكهف: من الآية39)، قرأ الجمهور (أقل) بالنصب على المفعول الثاني لـ (ترني)، والرؤية علمية لا بصرية. ويجوز أن تكون الرؤية بصرية و (انا) توكيد للضمير في (ترني) المنصوب، ويكون (اقل) حالاً[25]. وعلى قراءة الرفع في (اقل)، يكون (انا) مبتدأ و(اقل) خبره والجملة مفعولا ثانيا لترى. هذا إن كانت الرؤية علمية، وان كانت بصرية فهي في موضع الحال[26].

قوله تعالى ] فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ[(الكهف: من الآية49)، (مشفقين ) مفعول به ثانٍ والرؤيا هنا علمية.  و"لك أن تجعلها بصرية فيكون حالاً"[27]. وجعل الفعل على معنى البصرية أولى، لأنها مشاهد يوم القيامة التي سيراها العباد بالبصر.

غادر: في قوله تعالى ]فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً[(الكهف: من الآية47)، "تعدى الفعل، لأنه بمعنى نترك أو بمعنى نبقى[28] .

منه قوله تعالى ]ِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا[(الكهف: من الآية49)، جملة إلا أحصاها في موضع المفعول الثاني ،لأن الفعل بمعنى يترك، ويترك يتعدى لأثنين كقول الشاعر

أمرتك الخير فأفعل ما أمرت به               فقد تركتك ذا مال وذا نسب

 ظن : في قوله تعالى ]فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا [(الكهف: من الآية53)، المعروف أن الظن نقيض اليقين فمعناه الشك، وقد وقع هنا موقع اليقين قال الزركشري: "ويقرب من التضمين إيقاع فعل موقع أخر كإيقاع الظن موقع اليقين في الأمور المحققة كقوله تعالى (( فظنوا أنهم مواقعوها...))، فحصل اليقين في ظنهم، لأن جزاء المجرمين المحقق هي النار".

أتى : في قوله تعالى ] آتِنَا غَدَاءَنَا [(الكهف: من الآية62)، (غدائنا) منصوب بنزع الخافض (الباء)،وعلى هذا فإن الفعل بمعنى جئنا وليس بمعنى أعطنا، لأنه يتعدى بغير واسطة[29].

 قوله تعالى ]آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ [(الكهف: من الآية96)، "قرأ أبو بكر عن عاصم أتوني، أي جيئوني"[30]. وأنتصب زبرا بآتوني على إسقاط حرف الجر، أي: جيئوني بزبر الحديد"[31]، لأنه ضمت معنى فعل لا يتعدى إلا بواسطة وهو (جيئوني).

سوى: في قوله تعالى ] ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً[(الكهف: من الآية37)، "قال: الحوفي (رجلا) نصب بـ(سوى) أي جعلك رجلاً، فظاهره أنه عدى سوى إلى أثنين"[32]. فيكون مفعولا ثانياً له.

ركب:- وذلك في قوله تعالى ] حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا [(الكهف: من الآية71)، "تعدى بحرف الجر في، لأنه ضُمن معنى الدخول"[33]. ودخل يعدى ب(في) في أغلب ما ورد منه في كتاب الله العزيز.

جاء: وذلك في قوله تعالى ] لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً[(الكهف: من الآية74)، أي أتيت شيئا، إن ضمن معنى الفعل (آتى) فهو يتعدى، وإن جاء على معناه فـ"(شيئاً) منصوب بنزع الخافض، لأن الفعل لا يأتي متعدياً"[34].

ترك: في قوله تعالى ]وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْض[(الكهف: من الآية99)، يجوز ان تكون جملة (يموج في بعض) في مجل نصب مفعولا ثانياً لـ (ترك) فيتضمن الفعل معنى جعلنا، أي جعلنا يأجوج و مأجوج يومئذ مضطربين بينهم فصار فسادهم قاصراً عليهم ودفع عن غيرهم[35].

2- التضمين في الحروف

اضطربت أقوال النحويين وتشعبت آراؤهم في هذه المسألة. فالبصريون ومن تابعهم يرون في الأماكن التي ادعيت فيها النيابة أن الحرف باق على معناه، وأن العامل ضُمن معنى عامل يتعدى بذلك الحرف، لان التجوز في الفعل أسهل منه في الحرف، أما الكوفيون فيرون أن تأدية الحرف معنى آخر هو حقيقة لا مجاز[36].

 وصرح ابن جني بأن "العرب قد تتسع فتوقع أحد الحرفين موقع صاحبه"[37]،وعدّ السيوطي التضمين من باب المشترك اللفظي[38]. ويرى د إبراهيم أنيس أن العرب لا يكادون يحررونها (أي الحروف) من المعاني وينسبون معناها لغيرها من الأسماء والأفعال، فلما عثروا على شواهد لذلك قالوا إن من الحروف ما يستعمل استعمال الأسماء في بعض الأحيان[39]. وعبارة يكادون تدلل على الدقة في التعبير، فلم ينص صراحة على أنهم جردوا الحروف من المعاني




 
أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home