دراسات هامة

 

مظاهر من التاويل النحوي في سورة الكهف الجزء الاول

معمر العاني



 

مظاهر من التأويل النحوي في سورة الكهف

 

 

المدرس المساعد

 

معمر منير العاني

 

كلية الآداب الجامعة الإسلامية

 

 

 

 

2008

 

 

 

 

 

 

 

المقـدمة

       الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ، هدايةً وذكرى لأولي الألباب، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمي ، وعلى آله والأصحاب ، وعلى كل من قرأ القرآن وتدبره بفكر صائب ، وقلب سليم أواب .

أما بعـد ..

       فقد كان القرآن الكريم ولا يزال محط أنظار الدارسين ، ومناط بحثهم في كل زمان ومكان، فهو معين ثرّ لكل العلوم والمعارف لا ينضب ، يتناول المعاني الدقيقة ، ويطاوع في شكل مدهش على تقلب الأساليب ، ويساعد في تنويع الاعاريب وتلوين التراكيب ، فكل حرف أو كلمة أو حركة فيه تناسب موقعها وتوافق القصد منها ، سواء أدركه المشتغلون بتفسيره وإعرابه أو لم يدركوه ، والنحويون الذين كانت لهم إسهامات تعدُّ بحق مظهراً من مظاهر الجهد النحوي بالقرآن الكريم تستحق الشكر والثناء .

 وقد لفت نظري إلى دراسة هذه السورة أيضاً أن قسماً من آياتها كانت مثاراً للمجادلات النحوية والقواعد الإعرابية ، والتوجيهات المختلفة من قبل النحويين  . بل كان القسم منها الأساس الذي انطلق منه النحويون لوضع ضوابط النحو العربي من تقديم وتأخير وحذف وذكر وتأويل واعاريب مختلفة ، فعمدت على دراسة جزء من موضوعات النحو فيها  ـ وبما يناسب المقام ـ ووقع اختياري على مظاهر من التأويل النحوي في هذه السورة المباركة آملاً أن يقف هذا البحث إلى جانب تلك الدراسات التي فاضت بها أقلام الباحثين وليكشف عن أمور جمة وعظيمة في علم النحو  تُزاد إلى ما كشفت عنه البحوث السالفة في مختلف الاختصاصات .

 وقد حمل هذا البحث المباحث الآتية :    

المبجث الأول: الحمل على المعنى والتوهم و الحكاية ، المبحث الثاني: التعليق  ،المبحث الثالث : التنازع ، المبحث الرابع: التضمين ، المبجث الخامس: التقديم والتأخير.

 

 

 

المبحث الأول: الحمل على المعنى والتوهم والحكاية

1- الحمل على المعنى:

أ- فيما يخص القراءات القرآنية: منه قوله تعالى] فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ  [    

(لكهف :من الآية77) ،"قرأ ابن مسعود والأعمش (يريد أن ينقض)"[1]. ووجه ابن جني ذلك بقوله  " فإن شئت قلت اللام زائدة فيه واحتججت فيه بقراءة النبي صلى الله عليه وسلم، وإن شئت قلت التقدير إرادته لكذا كقولك قياسه لكذا وجلوسه لكذا ثم وضع الفعل موضع مصدره كما أنشد أبو زيد:

فقالوا ما تشاء فقلت ألهو                    إلى الإصباح آثر ذي أثير[2]

أي اللهو فوقع ألهو موضع مصدره وأنشد أيضاً:

وأهلكني لكم في كل يوم              تعوجكم علي واستقم[3]

أي واستقامتي   وكاللام هنا في قوله

أريد لأنسى ذكرها فكأنما             تمثل لي ليلى بكل سبيل[4]

فيحتمل اللام هنا ،الوجهين للذين تقدم ذكرهما"[5]. فجعل اللام زائدة هي على قياس قراءة النبي صلى الله عليه وسلم (يريد أن ينقض)، أما على الرأي الثاني فيأتي حمله على المعنى، كما استدلوا بالأمثلة الآنفة، وجعلها على قراءة النبي يبعدنا عن التكلف في التأويل.

ب- فيما فيه عود الضمير

ومنه قوله تعالى ]وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ[ (الكهف: من الآية43)،حمل ينصرونه على المعنى لا للفظ كقوله ] فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ [ (آل عمران: من الآية13))[6].

"وقرأ ابن أبي عبلة (تنصره)"[7] "فحمل على اللفظ"

وقوله تعالى ] وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا[ (الكهف: من الآية28)، ضمير تريد للعينين، وإسناد الإرادة إليه مجاز وتوحيده للتلازم، كما في قول امرئ القيس

لمن حلوقه زل                             بها العينان تنهل[8]

وقول الآخر

وكأن في العينين حَب قرنفل                أو سنبلاً كحلت به فانهلت[9]

ويجوز أن يكون الضمير للمخاطب أي تريد أنت[10]. فعلى الرأي الأول يكون محمولاً على المعنى، أي تريدان إذا أخبر عن الشيئين المتلازمين بإخبار الواحد، وعلى الثاني يكون محمولاً على اللفظ.

ت- في دلالة الفعل الزمنية:

نحو قوله تعالى ]وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً[(الكهف:47) ، ذكر الزمخشري قي قوله (وحشرناهم) أنه ماض بعد نسير وترى للدلالة على أن حشرناهم قبل التسيير، وقيل البروز ليعاينوا تلك الأهوال العظائم كأنه قيل وحشرناهم قبل ذلك[11]. وزاد أبو السعود" أنه للدلالة على تحقيق الحشر المتفرع على البعث الذي ينكره المنكرون وعليه يدور أمر الجزاء، وكذا الكلام فيما عطف عليه منفيا و موجبا"[12]، فالكلام ظاهرة على اللفظ، ومنهم من جعله بمعنى المستقبل. فهو ماض مراد به المستقبل أي ونحشرهم، وكذلك (وعرضوا) و(وضع الكتاب).

والتعبير بالماضي وإرادة المستقبل كثير جداً في القرآن العظيم[13].

 وعد بعضهم الواو في (وحشرناهم) واو الحال والجملة في محل نصب، أي نفعل التسيير في حال حشرهم ليشاهدوا تلك الأهوال[14].

ث- في الأخبار بالإفراد أو التثنية:-

ومنه قوله تعالى ]كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا [(الكهف: من الآية33)، آتت حمل على اللفظ ،لأنّ كلتا لفظ مفرد، ولو قيل آتتا على المعنى لجاز[15]، فغلب اللفظ ولم يستعمل المعنى "ثقة لمعرفة المخاطب به"[16] و"إفراد ما لكلا وكلتا أجود من تثنيته"[17]. ومنه قول الشاعر

في كلت رجليها سلامي واحدة                      كلتاهما مقرونة بزائدة

يريد بكلت كلتا[18]، ويجوز تثنيته حملا على المعنى، أي كلتا الجنتين آتتا أكلها[19].

 وقد يأتي محمولا على اللفظ تارة وعلى المعنى تارة في الكلام. ومنه قول الشاعر

 كلاهما حين جد الجري بينها                قد اقلعا و كلا انفيهما رابي[20]

وقراءة المصحف جاءت حملا على اللفظ لا المعنى وهو الأكثر في كلا وكلتا.

ومن ذلك قوله تعالى]الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا[(الكهف: من الآية46)، وقد اخبر به عن أشخاص، فإِما أن يكون على تقدير محذوف أي الحياة الدنيا، وإما أن نضع المال والبنين بمنزلة الغنى والكثرة[21]. وإنما افرد زينة وإن كانت خبراً عن شيئين، لأنهما مصدر والتقدير ذروا زينة، إذ جعلا نفس المصدر مبالغة، إذ بهما تحصل الزينة، أو بمعنى متزينين[22].

بيد أن الدكتور إبراهيم أنيس ذكر أن اللغات تسلك مسالك متعددة في علاج الإفراد والجمع، وكذلك اللغة العربية لا تسلك في علاج الإفراد التثنية مسلكا منطقيا إذ قد يستعمل الجمع ويراد منه المثنى، كقوله ]إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا[ (التحريم: من الآية4)، ]وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا[(المائدة: من الآية38)، ]هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [(الحج: من الآية19)[23].

جـ- في التذكير التأنيث:- نحو قوله تعالى ]وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ[(الكهف: من الآية43)، "قرأت (تكن) بالتاء على تأنيث لفظ الفئة، وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه ولأنه حمل على ظاهر اللفظ"[24]. "وقرأ (يكن) بالياء الأعمش ومجاهد وابن وثاب وطلحة وأيوب وأبو عبيد وابن سعدون وابن جرير وابن عيسى الأصبهاني"[25].على التذكير، "لأنه فرّق بين المؤنث وفعله بالظرف، ولأنه تأنيث غير حقيقي"[26] .وقد نص الدكتور إبراهيم أنيس على أن النحويين يقسمون التأنيث إلى مؤنث حقيقي ومؤنث مجازي ولكل منها أحكامه اللغوية[27]، ومنه قوله تعالى ]قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي[(الكهف: من الآية98)، فالمؤنث بعلامة قد تكون علامة التاء مثل الموعظة والرحمة، وقد تكون الألف المقصورة نحو الدعوى والدنيا، وقد تكون الألف الممدودة نحو الصحراء والطرفاء، وقد جاء في ذلك كله التذكير والتأنيث فعملوا ذلك مرة على اللفظ فأنثوا ومرة على المعنى فذكروه، … وباب الحمل على المعنى واسع"[28]. فأسم الإشارة (هذا) يشار به إلى الذكر. وقد أُشير إلى المؤنث حملاً على المعنى، لأن المقصود بالرحمة الرحم، أو لأنها إشارة إلى السد المتقدم ذكره أو غيره مما فيه التذكير، وقد يكون الكلام على تقدير محذوف والتقدير هذا أمره رحمة.

حـ- في المشتقات: ومنه قوله تعالى ]أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً[(الكهف:9)، الرقيم أصله من الرقم وهو الكتابة، يقال: رقمت لكتاب أرقمه، فهو فعيل بمعنى مفعول كالجريح والقتيل[29] ،ومنه قول الشاعر أمية بن أبي الصلت

وليس بها إلا الرقيم مجاوراً                  وصدهم والقوم في الكهف همد[30]

و"قيل بمعنى أرقم[31].

ومنه قوله تعالى ]قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ[(الكهف: من الآية98)، "الوعد بمعنى الموعود، والمعنى فإذا جاء موعود ربي لا يريد المصدر لأن المصدر قد سبق"[32].

خـ- في الاستفهام المتضمن معناه الشرط: ومنه قوله تعالى ]قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ [(الكهف: من الآية63)، "كأنه قال أرأيت ما دهاني إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت فحذف ذلك"[33]. "وليست الفاء إلا جواباً لـ أرأيت، لأن إذ لا يصح أن يجازى بها إلا مقرونة بـ(ما) بلا خلاف"[34].فُحمل الكلام على معنى الشرط وجوابه، فعدت الفاء واقعة على جواب شرط تضمنه الاستفهام.

د- في القول المستثنى: ومنه قوله تعالى ]وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً[ (الكهف:23)، في قوله (أن يشاء الله) يجوز أن يكون حالاً والتقدير أفعل غداً إلا قائلاً أن شاء الله، وحذف القول كثير، فقوله (إلا أن يشاء الله) في معنى إن شاء الله وهو مما حمل على المعنى[35]. ولا يمكن حمله على الظاهر، لأنه قد يكون داخلاً تحت القول فيكون من المقول، ولا ينهاه الله أن يقول إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله، لأنه كلام صحيح في نفسه لا يمكن أن ينهاه عنه فاحتج في تأويل هذا الظاهر. والتقدير الآخر عند الرازي "(ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله) إن يأذن لك في القول"[36]. فحملت هذه التقديرات على ظاهر المعنى.

2- الحمل على التوهم:

ويظهر ذلك من خلال قراءات وردت لعدد من الألفاظ في السورة ،نحو قوله تعالى <SPAN dir=ltr style="FONT-SIZE: 16pt; FONT-FAMILY: 'AGA Arabesque'; mso-bidi-font-family: 'DecoType Naskh Spec




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home