القلم النقدي

 

التبصرة بالتجارة .. للجاحظ البصري

عمر عاصي



التبصرة بالتجارة

للجاحظ البصري

اعداد وتقديم : عُمر عاصي

 

إلى أيّ الأسواق أذهب ؟ وفي أي البلاد تكون أحسن البضائع ؟ من أين اشتري الذهب والفضة وهل هناك طرق لكشف الغش ؟ وأين تجد الجواهر النفسية ؟ والسلع المميزة ؟  واين تكون أفضل الثياب ؟ وكيف أعرف الثوب الرفيع من غيره ؟ وأين اجد أحسن العطور ؟ وكيف امييز بين الحسن والرديء؟ ؟

 

هذه الأسئلة وغيرها ، كانت تخطر في بال كل تاجرٍ عاش في القرون الوسطى ، وخاصة في الدولة الإسلامية عندما كانت تنعم بحركة إقتصادية قوية ، فكان الناس يقصدون البلدان الإسلامية وغيرها للتجارة ، ليتشروا البضائع بأشكالها والوانها المختلفة ، وكان لا بد للتجار من خلفية معلوماتية قوية حتى يبرز ويكون ذا مكانة في السوق . وهنا كان لا بد من مؤلف بارع ، يتطرق لشتى المسائل المتعلقة بالتجارة بالشكل الذي يليق بها. هذا المؤلف كان أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ البصري .

 

يبدأ الكتاب بكلمات تُلخص فكرة الكتاب هي : سألت، أكرمك الله، عن أوصاف ما يستظرف في البلدان من الأمتعة الرفيعة، والأعلاق النفيسة، والجواهر الثمينة المرتفعة القيمة، ليكون ذلك مادة لمن حنكته التجارب، وعوناً لمن مارسته وجوه المكاسب والمطالب، وسميته بكتاب التبصّر والله ولي التوفيق.

 

بعد هذه المقدمة ، ينتقل الجاحظ ليؤكد القيمة الحقيقة للتجارة ، يستشهد بقول واحد لكل قوم من الفرس والهند والعرب وغيرهم من الأقوام ، وكأنه يبدي رأيهم في التجارة والتاجر والسلعة . ومن ثم ينتقل الى باب معرفة الذهب والفضة وإمتحانهما فيتطرق لطرق كشف الزيف وما هي الانواع التي ينصح بها الخبراء ، ومن الذهب والفضة يتحول للجواهر النفسية فيتكلم في إمتحانهما وقيمة كل نوع من أنواعها فيحكي عن العقيق والزبرجد والفيروزج والبلور والياقوت ويتميز هذا الفصل بذكر السعر وكيفية إمتحان السلعة . ومن هذا ينتقل للعطور والروائح الزكية فيتحدث في المسك والعنبر وغيرها من الروائح ، ومنها ينتقل للثياب وما يُستجاد منها وفيه يتطرق للحيوانات والنباتات التي تصنع منها الثياب فيذكر أحسن انواع السناجب ، الثعالب ، كما يذكر القرمز والبلسان .

 

ومن الحديث عن الثياب ينتقل بنا عمّا يُجلب من البلدان من طرائف السلع والأمعتة والجواري وغير ذلك ، فيذكر ما تتميز به كل بلدة من البلدان من مصر الى سمرقند الى الصين وغيرها من البلدان . وفي باب أخر يلخص الافكار التي تمكن التاجر والمشتري في كيفية تمييز أحسن السلع وننقل منه : ".. كل ثوب من اللباس والفرش إذا كان ألين وأنعم وأسنى كان أرفع، وكل علق من الجواهر والأحجار إذا كان أصفى وأضوأ فهو أنفس، وكل حيوان من الوحشية والأهلية إذا كان أجسم وأطوع فهو آثر وأفخر .. " . ومن ذلك الحديث ينتقل بنا للحديث عما يختار من البزاة والشواهين والبواسق والصقور وغير ذلك من الطيور الجوارح . وينتهي الكتاب الذي وجد المحققون صعوبة في نقل فصوله إلينا ، والموجود في 9 صفحات فقط حوت بداخلها مادة عظيمة النفع سواء كان قارئها تجارا او مُستهلكا.

 

 من هذا التقرير لا أطلب من أي قارئ ان يَذهب لقراءة هذا الكتاب بل أنصح المَعنيين بالنظر فيه لمجرد النظر فمعظم السلع قد لا نعرفها او قد لا نعطي الوزن الذي كان يُمنح لها في العصور السابقة ، ولكنني أتوجه لكل كاتب ومؤلف وتاجر وطالب يدرس التجارة ، هل هناك كِتابٌ في أيامنا هذه يستطيع ان يجيب المُستهلك الفقير الذي يقبع في ظل الرأسمالية الغاشمة التي سيطرت على كل ميادين الحياة او التاجر الحُر الذي يسمو ليكون تاجراً كما اراده الله وسوله . في السوق تنتشر السلع المزيفة بأشكال فظيعة ، والتجار الفُجار يستغلون الفرص ويتلاعبون في الأسعار كما يشاؤون فيبيعون المُستهلك السلعة المزيفة بسعر الأصلية ؟؟

 




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home