دراسات هامة

 

المناسبات بين الآيات والسور

د. سامي عطا



المناسبات بين الآيات والسور

فوائدها .. وأنواعها.. وموقف العلماء منها

د. سامي عطا حسن

جامعة آل البيت

ملخص

تهدف هذه الدراسة بصفة أساسية  ،   إلى التعريف بأهمية المناسبات بين الآيات والسور ، وأنها لون من ألوان إعجاز القرآن الكريم ، الذي بلغ من ترابط سوره ، وأجزائه ، وتماسك كلماته ، وجمله ، وآياته ، مبلغا لا يدانيه فيه كلام آخر ، الأمر الذي دفع فصحاء العرب حين سمعوا القرآن ، وبعد أن  تحداهم لمعارضته ، إلى تأمل القرآن   سورة سورة ،  وآية آية ، فلم يجدوا في الجميع كلمة ينبوا بها مكانها، بل وجدوا اتساقا بهر العقول ، ونظاما والتئاما ، وإتقانا وإحكاما، لم يدع في نفس أي بليغ منهم ،  موضع طمع ، حتى خرست الألسن عن أن تدعي وتقول .     ومع أن القرآن لم ينزل دفعة واحدة على رسول الله  -  صلى الله عليه وسلم - ، بل نزل نجوما وآحادا ، على حسب الوقائع والأحوال ، في أكثر من عشرين سنة  ، إلا أنه كان  محكم السرد ، دقيق السبك ، متين الأسلوب ، قوي الإتصال، آخذ بعضه بأعناق بعض ، في سوره وآياته ، وجمله وعباراته .. فكيف اتسق للقرآن هذا التآلف المعجز ..؟ وكيف استقام له هذا التناسق المدهش ..؟ أليس هذا سرا من أسرار الإعجاز ..؟ يشهد بحق وصدق ، ويدل أبلغ دلالة على مصدر  القرآن ، وأنه كلام الله .

 

 

 

 

 

Occasions between verses and Surahs

(of Qur’an)

Their  advantages,their kinds and scho and attitude towards them

Dr.Sami Ata Hassan

Al-Albayt University

Abstract

This study aims at explaining significance of occasions between verses and  surahs (of Qur’an)  and that they are a sort of  Holy  Qur’an ‘s inimitability , where its Surahs and chapters were correlated and its words , sentences and verses were held together in a way incomparable by any other way , motivating Arab eloquents , when they heard Qur’an and when it challenged them to have pastiche of it, to contemplate the Qur’an , Surah by Surah and a verse by verse . Hence,they did  not  find in all  any word out of its proper place. Instead, they found a harmony bewildererd minds, a system and compatibility, accuracy and perfection, which did not leave for any eloquent a jot of greed to fo so, until tongues kept silent to allege and say.

Although Qur’an was not revealed all at one to God’s Messenger – peace be upon him-, but revealed  separately and individually, through more than twenty years, as  the facts and cases may be , however it was tightly narrated , with accurate structure, strong style and verses and sentences and expressions.

How Qur’an has this inimitable harmony?

How this astonishing compatiblity come?

This is one of inimitability secretes, standing as a witness of right and honesty and clearly indicates the source of Qur’an and it is God’s speech.

Is’nt it?

المقدمة

نهج القرآن الكريم منهجا فريدا في عرضه للقضايا التي عرض لها ، خالف به سائر المناهج السابقة واللاحقة ، التي اصطلحت في مناهجها أن تبنى على مقدمات ، ومباحث متسلسلة ، أو أبواب ، وفصول ،  إلى غير ذلك من تقسيمات ، في إطار مقاصد محدودة ، ونتائج مرسومة .

  فتراه يذكر طرفا من الشيء ، ثم يتركه ، ثم يعود إلى إتمامه ، بطريقة لا تسأم النفوس هديه ، ولا تستثقل حديثه ، مراعيا في تسلسل نصوصه أن يقارب بين أفرادها ، فتجد الآية متسقة في كلماتها ، متآزرة مع أخواتها من الآي ، وتلتقي السورة بالتي بعدها  ، والتي قبلها  ، برابط لا يجعل منها جنسا غريبا عنها ،   بل تبدو فيه كعقد نظمت حباته  ، ورتبت أبدع ترتيب ، فكان بذلك معجزا بنظمه ، بديعا في اتساقه ، متناسبا في آياته ، وسوره ، وأجزائه  .

هذا المنهج الفريد استرعى قلة من العلماء والمفسرين – قديما وحديثا – ، فانكبوا على دراسته ، وأفردوا له علما مستقلا ، يدرس خصائصه ، ويحدد معالمه ، أطلقوا عليه اسم : ( علم المناسبة ) . فما المناسبة ..؟وما أنواعها ..؟ وما فوائدها ..؟  وما موقف العلماء منها ..؟ وما المصنفات التي تكلمت عنها .. ؟ ومن اهتم بذكرها من المفسرين ..؟  هذا ما سأقوم بالإجابة عنه في هذا البحث. ، الذي نحوت فيه منحى نظريا ، على أن يتبعه بحث تطبيقي بإذن الله .

وقد جعلته في  مقدمة  ، وفصلين  ، وخاتمة ، على النحو التالي :

 كان الفصل الأول تحت عنوان : ترتيب آيات القرآن ، وسوره . وضمنته  مبحثين :

تحدثت في المبحث الأول  : عن تعريف الآية لغة واصطلاحا . وآراء العلماء في ترتيب الآيات .

وضمنت المبحث الثاني :تعريف السورة لغة ،واصطلاحا ، وآراء العلماء في ترتيب السور .

وجعلت الفصل الثاني  في أربعة مباحث  ، على النحو التالي :

تحدثت في المبحث الأول : عن معنى المناسبة في اللغة  ،والاصطلاح .

وتحدثت في الثاني :  عن فوائد معرفتها .

وفي المبحث الثالث :  عن أنواع المناسبات   .

وفي المبحث الرابع : عن موقف العلماء من المناسبة ، مع ذكر مصنفاتهم فيها ،

وذكرت بعض من اهتم بها من المفسرين .

ثم ختمت البحث بخاتمة بينت فيها أهم نتائج هذا البحث ،  سائلا المولى  -  عز وجل   - التوفيق والسداد .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

     الفصل الأول

 ترتيب آيات القرآن الكريم .. وسوره

نزل القرآن منجما في ثلاثة وعشرين عاما تقريبا ، وكان نزوله ملائما للوقائع والأحوال التي مرت فيها الدعوة الاسلامية ، ومراعيا ما يتطلبه الزمن الذي نزل فيه  . لذا يختلف ترتيب القرآن الكريم في النزول ، عن ترتيبه في المصحف اختلافا كبيرا ، ومنشأ هذا الاختلاف هو اختلاف الهدف المقصود من كلا الترتيبين  .( فهو في تريبه النزولي منهج لتأسيس دعوة ، وأسلوب إقناع بعقيدة ، وطريقة تبشير وإنذار ، ودحض كامل لمنطق الإلحاد المريض ، وهو في ترتيبه المصحفي أسلوب حياة ، وبناء حضارة ، ودستور للعالم كله ، محيط بكل صغيرة وكبيرة من حاجاته ومطالبه ، أحكم ترتيبه  من هذه الوجهة ،  ليكون  هداية للمؤمنين .)1.   ثم إن  التسلسل الزماني وإن ضم موضوعات متقاربة أحيانا ، فإنه كثيرا ما يحمل ما اختلف من الموضوعات التي يصعب أن يربطها ناظم ، لذا راعى القرآن في تسلسل نصوصه أن يقارب بين أفرادها ، فحصل فيه التناسب من أصغر وحداته إلى أكبرها . ولو أنه جمع ورتب على حسب ترتيب نزوله ،             ( لفهم بعض الناس أن آياته خاصة بحوادثها ، أو أنه حلول وقتية للمشكلات التي كانت على عهد الرسول   – صلى الله عليه وسلم - فحسب ،  والله تعالى يريد  كتابه عاما خالدا لا يختص بعصر دون عصر ، ولا  بقوم دون قوم ،  لذلك اقتضت الحكمة أن يرتب ترتيبا يحقق هذا العموم ،   وهذاالخلود ، ويبتعد عن الترتيب الزمني الذي نزل به ، لحكمة كانت مناسبة حين نزوله ).2

فالقرآن كان معنيا بتأسيس دين جديد ،  بين قوم لا يدينون بالدين الحق ، وآية ذلك أن الفترة المكية على طولها ، كانت الدعوة فيها متجهة إلى بناء العقيدة  ، وترسيخها في أعماق الوجدان ، وما ذاك إلا لأنها هي قوة الدفع للإنسان المؤمن   ، نحو الطاعة المطلقة لله – عز وجل –  ، في الأمر  والنهي . وهذا التفريق في النزول ، يدل دلالة واضحة على أن القرآن الكريم كلام الله العزبز الحكيم ، وليس كلام بشر على الإطلاق ، وأن عقلا بشريا مهما أوتي من القوة والحفظ والإحكام ، لا يستطيع أن يذكر موضع فقرة من كلام سابق مضى عليه سنوات ، فيضعها في مكانها، بحيث تلتحم وتتواءم مع سابقاتها ، ولاحقاتهافي اللفظ ، والمعنى ، والسياق  ، ولا يتأتى ذلك لو لم يكن ترتيب السور توقيفيا ، كما هو الحال في ترتيب الآيات

             المبحث الأول :   تعريف الآية ، وآراء العلماء في ترتيب الآيات  :

      أ  -   تعريف الآية لغة واصطلاحا  :  تطلق الآية في اللغة على معان متعددة منها : ( المعجزة  ،  والعلامة ،  والعبرة  ، والأمر العجيب ، والجماعة ، والدليل)3 .

وأما حد الآية القرآنية في الإصطلاح أوفي عرف القرآن : ( فهو قرآن مركب من جمل ولو تقديرا ، ذو مبدأ  ومقطع  مندرج في سورة .) 4 .

   ومن الواضح البين مناسبة المعنى اللغوي  للمعنى الاصطلاحي للآية القرآنية ، فهي القرآن المعجز ، وهي علامة على صدق الآتي بها – صلى الله عليه وسلم - ، وفيها عبرة لمن أراد أن يعتبر ، وهي من الأمور العجيبة ، لسمو أسلوبها ومعناها ، وفيها معنى الجماعة ، لأنها مؤلفة من الحروف والكلمات ، وفيها معنى الدليل ، لأنها برهان على ما تضمنته من هداية وعلم .

        ب  - آراء العلماء في ترتيب الآيات :

ترتيب الآيات في سورها توقيفي ثابت بالوحي ، وبأمر رسول الله – صلى الله عليه وسلم - ، وكانت الآيات تتنزل عليه ، ويأمر كتاب الوحي بوضعها في مكانها من السور بتبليغ من جبريل   -  عليه السلام - . وقد ترادفت النصوص على كون ترتيب الآيات توقيفيا 5 ، ونقل الإجماع على ذلك غير واحد من العلماء منهم : الزركشي ، حيث قال : ( فأما الآيات في كل سورة ، ووضع البسملة في أوائلها ، فترتيبها توقيفي بلا شك ، ولا خلاف فيه  . وقال مكي : ترتيب الآيات في السور ، ووضع البسملة في الأوائل ، هو من النبي صلى الله عليه وسلم - ، ولما لم يأمر بذلك في أول براءة ، تركت بلا بسملة . وقال القاضي أبو بكر الباقلاني :- ترتيب الآيات أمر واجب ، وحكم لازم ، فقد كان جبريل يقول : ضعوا آية كذا في موضع كذا .) 6

المبحث الثاني  :   تعريف السورة لغة واصطلاحا ، وآراء العلماء في ترتيبها .      

         أ  - تعريف السورة لغة ، واصطلاحا :

 اختلف العلماء في تحديد المعنى الذي اخذت منه السورة بمعناها القرآني، وأقرب الآراء إلى الصواب ،    ( أن تكون السورة مأخوذة من سورة البناء ، أي القطعة منه ،    فكما أن البناء يقوم سورة بعد سورة ، كذلك  القرآن ، فالله عز وجل نزله على رسوله – صلى الله عليه وسلم –  ،  مفرقا في ثلاثة وعشرين عاما ، حتى اكتمل بناؤه ) 7

والسورة في الاصطلاح : ( طائفة من القرآن مستقلة ، تشمل على آي ذي فاتحة وخاتمة ، وأقلها ثلاث آيات .  أو  هي : الطائفة من القرآن المسماة باسم خاص  ، بتوقيف من النبي – صلى الله عليه وسلم – ) 8

          ب    : - ترتيب السور القرآنية ، وآراء العلماء في ذلك :

إذا كان الإجماع قد تحقق حول ترتيب الآيات ، فهو لم يتحقق حول ترتيب سور القرآن  على ما هي عليه في المصحف الآن ، واختلفت أقوال العلماء في ذلك على ثلاثة  أقوال هي :-

   القول الأول :-  إن ترتيب السور على ما هو عليه الآن في المصحف ،كان  باجتهاد من الصحابة .  وهو قول جمهور العلماء ،  ومنهم الإمام مالك ، والقاضي أبو بكر بن الطيب في أحد قوليه ، ، ويستدلون على مذهبهم هذا بترتيب مصاحف بعض الصحابة ، على خلاف ترتيب مصحف عثمان    رضي الله عنه وأرضاه - ، كمصحف الإمام علي ، وعبد الله بن مسعود ، وأبي بن كعب ،- رضي الله عنهم أجمعين - 9

القول الثاني : - إن ترتيب السور كان بعضه بالتوقيف ، وبعضه الآخر باجتهاد من الصحابة .  قال  أبو الحسين أحمد بن فارس: ( جمع القرآن على ضربين : أحدهما :    تأليف السور    ،  كتقديم السبع الطوال ، وتعقيبها بالمئين ،فهذا الضرب هو الذي تولاه الصحابة     رضوان الله عليهم - ، وأما الجمع الآخر : فضم الآي بعضها إلى بعض ، وتعقيب القصة بالقصة ، فذلك شيء تولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم - ،كما أخبر به جبريل عن أمر ربه        عز وجل- ) 10.

ومال  ابن عطية  إلى هذا الرأي11.

 وذهب البيهقي في المدخل 12، إلى أن القرآن كان على عهد النبي – صلى الله عليه وسلم – توقيفي إلا الأنفال ، وبراءة ، فإن ترتيبهما باجتهاد من عثمان – رضي الله عنه - ، ووافقه عليه الصحابة ، وقد استدل على استثناء هاتين السورتين بما أخرجه أحمد ،    وغيره ، عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال  : ( قلت لعثمان بن عفان : ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني ، وإلىبراءة وهي من المئين فقرنتم بينهما ، ولم تكتبوا بينهما سطر – بسم الله الرحمن الرحيم – ووضعتموها في السبع الطوال ..؟ ما حملكم على ذلك ..؟ قال عثمان : إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كان مما يأتي عليه من الزمان ، ينزل عليه من السور ذوات العدد ، وكان إذا أنزل عليه الشيء  يدعو بعض من يكتب عنده ويقول : ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا ، وتنزل عليه الآية فيقول : ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا ، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة ، وبراءة من آخر القرآن ، فكانت قصتها شبيهة بقصتها ، فقبض رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولم يبين لنا أنها منها ، وظننت أنها منها ، فمن أجل  قرنت بينهما ، ولم أكتب بينهما سطر- بسم الله الرحمن الرحيم – ووضعتهما في السبع الطوال  .) 13

وتابعه السيوطي  على ذلك  فقال : ( والذي ينشرح إليه الصدر ، ما ذهب إليه البيهقي ، وهو :  أن كل السور توقيفية سوى الأنفال وبراءة ..) 14

القول الثالث   : - وذهب إليه غير الجمهور :  وهو  أن ترتيب السور توقيفي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - ، وأن الصحابة حينما خافوا ذهاب بعض القرآن باستشهاد حفظته ، جمعوه ، وكتبوه ، كما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم  يقدموا أو يؤخروا شيئا ، واقتصر عملهم على جمع القرآن في موضع واحد ، دون التعرض لترتيب سوره  ، إلا وفق ما سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم -، على هذا النسق والترتيب15

وروى الإمام القرطبي ، عن ابن وهب ، قال : ( سمعت سليمان بن بلال ،يقول : سمعت ربيعة يسأل : لم قدمت البقرة وآل عمران ، وقد نزل قبلهما بضع وثمانون سورة ،وإنما نزلتا بالمدينة ..؟ فقال ربيعة : قد قدمتا  ،  وألف القرآن على علم مما ألفه  .) 16

وبمثل ذلك قال أبو جعفر النحاس  ، ومحمد بن حمزة بن نصر الكرماني . 17

والمختار من هذه الأقوال : أن تأليف السور على هذا الترتيب الذي عليه المصحف توقيفي ، لا مجال للاجتهاد فيه ، وذلك للأمور التالية :

1-     إن  استدلال أصحاب القول الأول باختلاف مصاحف الصحابة  ،   يمكن رده  : بأن مصحف عثمان   – رضي الله عنه وأرضاه – لو كان اجتهاديا لما وافقوه على ذلك ، لأنه ليس لمجتهد أن يقلد مجتهدا آخر ، كما هو مقرر عند الأصوليين . ثم إن مصاحف الصحابة كانت خاصة بهم ، جمعت إلى القرآن بعض مسائل العلم ، وبعض المأثورات ، فهي إلى كتب العلم أقرب منها إلى المصاحف المجردة ، ومن هنا وجدنا  الذين استنسخوا المصاحف العثمانية ، لم يعتمدوا عليها ، بل اعتمدوا على جمع أبي بكر ، الذي  اعتمد على ما جمع بين يدي النبي – صلى الله عليه وسلم - ، ومن هنا فقد عدلوا جميعا عن هذه المصاحف ، وساروا على ما سار عليه الصحابة جميعا ،  ووافقوا على مصاحف عثمان  ، وما فيها من لفظ  وترتيب  ، وترك ما سواها ، فلو كان الترتيب بالاجتهاد لظلوا على اجتهادهم ، وبهذا ظهر بطلان هذا القول ،  ويؤكد الألوسي ذلك بقوله : ( وبالجملة بعد إجماع الأمة على هذا المصحف ، لا ينبغي أن يصاخ إلى آحاد الأخبار ، ولا يشرأب إلى تطلع غرائب الآثار ) 18

 أما  ما ذهب إليه البيهقي ، والسيوطي ، بأن ترتيب السور توقيفي  ، باستثناء سورتي الأنفال ، وبراءة ، فيرد عليه  من وجهين : -

أولا : - إن هذا الحديث غير صحيح  ، لقول الترمذي فيه : (حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عوف عن يزيد الفارسي،عن ابن عباس، ويزيد هذا مجهول الحال ) 19

وقال الذهبي : ( عوف الأعرابي : قيل : كان يتشيع ، وقد وثقه جماعة ، وجرحه جماعة ، وكان داود بن أبي هند يضربه ويقول : ويلك ياقدري .وقال بندار : والله لقد كان عوف قدريا ، رافضيا  ، شيطانا  .

وأما يزيد فقد اختلفوا فيه ، هل هو ابن هرمز أو غيره ..؟ وقد ذكره  البخاري في كتاب الضعفاء ،  باسم  : يزيد الفارسي  ، لاشتباهه فيه ، وحيث أنه قد انفرد بهذا الحديث ، فلا يحتج به في شأن القرآن  ، الذي يطلب فيه التواتر  

وقال الذهبي : -   قال فيه النسائي وغيره : متروك ، وقال الدارقطني ، وغيره : ضعيف ، وقال أحمد : كان منكر الحديث ..      

    فإذا  كان  الحديث  بهذه المكانة  من الضعف ، ولم يرتضيه  إلا القليل  الذين قوموه  ، ولم يخرجوه عن أقل درجات القبول ، فكيف نقبله وأمر القرآن الذي هو في أعلى درجات القمة نقلا ، ونظما ، وترتيبا ..؟ ) 20

وثانيا :-  على فرض صحة هذه الرواية ، [  فقوله في الحديث : ( إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كان مما يأتي عليه من الزمان ) يدل في الجملة على التوقيف .

وقوله : ( فقبض رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولم يبين لنا أنها منها ) بعيد ، إذ الأنفال نزلت في السنة الثانية عقب غزوة بدر ، والتوبة نزلت في أواخر السنة التاسعة بعد غزوة  تبوك ، وبعد خروج أبي بكر للحج على رأس المسلمين ، فكيف يعقل أن يظل الرسول – صلى الله عليه وسلم – زهاء خمسة عشر شهرا ولا يبين للناس أنها منها ،  أو من غيرها ..؟  إنه يكون بذلك قد تأخر عن البيان وقت الحاجة إليه ، بل انتقل إلى الرفيق الأعلى قبل البيان ، وحاشاه – صلى الله عليه وسلم –أن يفعل ذلك ، مع ورود الأحاديث الصحاح بأنه كان يعرض القرآن كله في رمضان من كل عام على حبريل ، وعرضه في العام الذي توفي فيه مرتين ، وحينئذ فأين كان يضع هاتين السورتين في قراءته  حينما كان يعرضهما على حبريل ..؟ ] 21

ثم  (  إن إطلاق الاسم على كل منهما ، واختلافه فيهما  ، مما يعين أن هذه غير تلك ، وقد سمى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كلا منهما ) 22

أما قوله ( فمن ثم قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر : بسم الله الرحمن الرحيم ) فإن البسملة لا تخضع لهوى الكتاب إثباتا وحذفا ، أخرج أبو داود والحاكم ، وصححاه عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال : [ ( كان النبي – صلى الله عليه وسلم – لا يعلم ختم السورة حتى ينزل :   بسم الله الرحمن الرحيم ) .وفي رواية : ( فإذا نزلت :بسم الله الرحمن الرحيم  ، علم أن السورة قد انقضت  ) . قال الحافظ أبو شامة : هذا حديث حسن .] 23

  وأما ما قاله المفسرون في أسباب عدم ذكر البسملة في أول سورة براءة   ، فهو التماس للحكمة ، ومن ذلك ما ذكره ابن عربي ،  عن سر حذف البسملة من بداية سورة التوبة ،  حيث يقول : ( وأما سورة التوبة عند من لم يجعلها من سورة الأنفال ، فيجعل لها اسم التوبة ، وهي الرجعة الإلهية على العباد بالرحمة ، والعطف ، فقام اسم التوبة مقام البسملة ، فإن الرجعة على عباده تعالى لا تكون إلا بالرحمة ..والله أعلم  ) 24

 هذا وقد قام الإجماع على أن سورة الأنفال سورة برأسها غير سورة التوبة ، ولذا قال الزركشي :   ( إن سور القرآن مائة وأربع عشرة  سورة بإجماع أهل الحل والعقد ) 25

 فالقرآن الكريم كله آية  آية ،  وسورة سورة ، مرتب من الله تعالى ، وقد بلغه عنه رسوله الأمين – صلى الله عليه وسلم –  ، لصحابته الكرام ، فرتبوه كما سمعوه .

2-    إن هناك سورا متحدة في المطلع رتبت ولاء ، كالحواميم و الطواسين ، ولم ترتب المسبحات تباعا ،بل فصل بينهما بالمجادلة ،والممتحنة ،والمنافقون ، وأفردت الاسراء في النصف الأول ،  وفصل بين الشعراء والقصص ،   وهما يبدءان ب(طسم )، و ب (طس النمل )مع أنها أقصر منهما ، ولو كان الترتيب اجتهاديا لذكرت المسبحات ولاء ، وأخرت ( طس) عن القصص ، أما وأنه قد حصل الفصل بين المتماثلات والمتقاربات من السور ، مع عدم  مراعاة التناسب في الطول والقصر ، فهذا يدل على أن الترتيب توقيفي26

3-  إن الذي قام بمهمة النسخ للمصاحف، مع النفر القرشيين في عهد عثمان     رضي الله عنه وأرضاه - ، هو زيد بن ثابت ، وهو نفسه أشرف على جمع القرآن في الصحف التي نسخت منها المصاحف  ،    على عهد أبي بكر رضي الله عنه - ، وهو كذلك أحد كتاب الوحي ، وشهد العرضة الأخيرة للقرآن ، وسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن على هذا الترتيب ،   وإلا على أي ترتيب كان الرسول صلى الله عليه وسلم -   يقرأ القرآن ..؟

وقد جعل ابن الزبير الغرناطي هذا الخلاف بين العلماء لفظيا ، فقال : (  إن كان بتوقيف منه

   صلى الله عليه وسلم   فلا مجال للخصم ، وإن كان مما فوض فيه الأمر  إلى الأمة بعده ، فقد أعمل الكل من الصحابة جهده ، وهم الأعلياء بعلمه ، والمسلم لهم في وعيه وفهمه .) 27

وإذا كانت العلماء قد تباينت آراؤهم ظاهريا ، فإن الرأي الراجح  أن ترتيبها كان  توقيفيا ، وذلك لتظافر النصوص على أن الأغلب من سور القرآن معلومة الترتيب وقت نزول الوحي ، وأن جبريل     عليه السلام  كان يعرضه على النبي -  صلى الله عليه وسلم   -   في العام مرة ، وعرضه عليه في العام الذي قبض فيه مرتين .

 كما ( أن هذا الترتيب يقوي الوحدة المعنوية بين سور الكتاب المبين ، ويقطع الطريق أمام المشككين والطاعنين . أضف إلى ذلك : إجماع الأمة بدءا من عصر الصحابة على هذا الترتيب ، فصار الإلتزام به أمر لا بد منه ). 28

      وقد زعم بعض المستشرقين أن القرآن لم يكن مرتبا ، وأنه كان مختلطا في عهد الرسول    صلى الله عليه وسلم  - ، وقد رتبه أبو بكر   رضي الله عنه - ،  لذا استحلوا لأنفسهم أن يجعلوا له ترتيبا خاصا ، يختلف عن ترتيب المصحف الحالي في كثير من السور ، معتمدين على الأسلوب ، ومحتويات السورة . والذي ينظر فيما حاوله المستشرقون بترتيبهم غير المسبوق ، يجده عبثا لا يليق بقدسية القرآن الكريم  .وقد ظهرت أصوات متأثرة بالدراسات الإستشراقية ، تنادي بإعادة ترتيب سور القرآن حسب نزولها ، ثم أخفت الله هذه الأصوات ، واطمأن المسلمون على ما أجمع عليه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين - . 29

 

 

 

 

 


الفصل الثاني

المناسبات : معناها ، أنواعها ، وموقف العلماء منها

المبحث الأول : معنى  المناسبة لغة  ، واصطلاحا :

المناسبة لغة :  قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة : ( النون ، والسين ، والباء ، كلمة واحدة ، قياسها اتصال شيئ بشيئ ، منه النسب ، سمي لاتصاله ، وللاتصال به  تقول : نسبت أنسب  . وهو نسيب فلان. والنسيب : الطريق المستقيم ، لاتصال بعضه من بعض .) 30

وقال في لسان العرب : ( وتقول : ليس بينهما مناسبة ، أي : مشاكلة ) 31

والمشاكلة بمعنى : المماثلة . ثقول : هذا شكل هذا ، أي : مثله .

فالمناسبة لغة تعني : الإتصال ، والمقاربة ، والمماثلة .

والمناسبة في الإصطلاح :  هي  بيان  : ( وجه الإرتباط بين الجملة والجملة في الآية   الواحدة ، أو بين الآية والآية في الآيات المتعددة ، أو بين السورة والسورة  ) . 32

أو كما يقول البقاعي : (  علم تعرف منه علل ترتيب أجزاء القرآن ) 33

ويبدو توافق المعنى اللغوي للمعنى الإصطلاحي للمناسبة  . فكلاهما يعني : أن الآية وجارتها شقيقتان ، يربط بينهما رباط من نوع ما ، كما يربط النسب بين المتناسبين ، غير أن ذلك لا يعني أن تكون الآيتان أو الآيات متماثلة كل التماثل ، بل ربما يكون بينها تضاد ،  أو تباعد في المعنى ، المهم أن هناك صلة  ، أو رابط ما يربط بين الآيتين  ، أو يقارب بينهما ،سواء توصل إليها العلماء أم لا  ، فقد تظهر أحيانا ، وتختفي أحيانا أخرى ، وفي هذا مجال لتسابق الأفهام .

المبحث الثاني : فوائد معرفتها :

 إذا كان  لمعرفة سبب النزول أثر في فهم المعنى  ، وتفسيرالآية  ،  فمعرفة المناسبة بين الآيات تساعد كذلك على حسن التأويل ، ودقة الفهم ،  وإدراك اتساق المعاني بين الآيات ، وترابط أفكارها ، وتلاؤم ألفاظها ، فالقرآن الكريم فيه كثير من فنون العقائد ، والأحكام ، والأخلاق ، والوعظ ، والقصص ، وغيرها من  مقاصد القرآن التي جعلها الله سبحانه هداية للبشر ، والتي  تدور جميعها على الدعوة إلى الله ، والقرآن يبث هذا المعنى من خلال المقاصد ، والأغراض الموزعة على كافة الآيات والسور ، فلو جمع كل نوع على حدة ، لفقد القرآن بذلك أعظم مزايا هدايته المقصودة  .

قال  محمد رشيد رضا : ( وقد خطر لى  وجه  ، وهو الذي يطرد في أسلوب القرآن الخاص ، في مزج مقاصد القرآن بعضها ببعض ، من عقائد ، وحكم ، ومواعظ ، وأحكام تعبدية ومدنية ، وغيرها ، وهو نفي السآمة عن القارئ والسامع من طول النوع الواحد منها ، وتجديد نشاطها ومنهجها .) 34

فمن عادة القرآن أن يجمع بين الفنون المختلفة في سورة واحدة ، في تنسيق بديع ، يصل بها إلى الذروة في الإعجاز  البلاغي، والإحكام البياني ،وروعة الأسلوب ،  ( كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ) 35

                 وقال الإمام الزركشي : ( واعلم أن المناسبة علم شريف ، تحرز بهاالعقول ، ويعرف به قدر القائل فيما يقول ...  ثم  يقول : وفائدته : جعل أجزاء الكلام بعضهاآخذ بأعناق بعض ،  فيقوى بذلك الارتباط ، ويصير التأليف حاله حال البناء المحكم ، المتلائم الأجزاء .) 36

وقال الشيخ أبو بكر النيسابوري :   ( إن إعجاز القرآن البلاغي لم  يرجع إلا إلى هذه المناسبات الخفية ، والقوية بين آياته وسوره ،حتى كأن القرآن كله كالكلمة الواحدة  ، ترتيبا وتماسكا ) 37

     ويقول الزمخشري في كشافه  : ( وهذا الإحتجاج ، وأساليبه العجيبة التي ورد عليها ، مناد على نفسه بلسان ذلق ، أنه ليس من كلام البشر ، لمن عرف ، وأنصف من نفسه .   

وقال في موضع آخر :   فانظر إلى بلاغة هذا الكلام ، وحسن نظمه ، ومكانة أضماده ، ورصافة تفسيره ، وأخذ بعضه بحجز بعض ، كأنما أفرغ إفراغا واحدا ، ولأمر ما أعجز القوى ، وأخرس الشقاشق .) 38




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home