دراسات هامة

 

طائفة البهرة

د. سامي عطا



طائفة البهرة

وتأويلاتها الباطنية لآيات القرآن الكريم

د. سامي عطا حسن

جامعة آل البيت  - المفرق

المملكة الأردنية الهاشمية

 

 

ملخص

         تهدف هذه الدراسة إلى إلقاء بعض الأضواء على طائفة البهرة الباطنية ، لبيان حقيقتها ، وتأويلاتها المنحرفة لآيات القرآن الكريم ، والفرق الباطنية عموما تعد بذرة من البذور التي غرستها فرقة السبئية في العالم الإسلامي ، وهدفها جحد الشرائع ، وتعطيل النصوص بالتأويلات الباطنية الفاسدة ، متكئين على أن  للقرآن الكريم ظاهرا وباطنا  ، الظاهر للعوام ، والباطن لا يطلع عليه إلا الإمام المعصوم ودعاته ، ولم أجد من أفرد هذه الطائفة وتأويلاتها بالبحث ، إنما تحدث الكاتبون عنها حديثا مبتسرا كفرقة من فرق الإسماعيلية ، فحفزني ذلك على إفرادها وتأويلاتها بالبحث ، لكشف حقيقتها للدارسين .

 


طائفة البهرة وتأويلاتها الباطنية لآيات القرآن الكريم

تمهيد  :

عندما يكون هناك فراغ فكري في أمة ما ، فإن هذه الأمة تكون نهبا للتيارات الوافدة عليها من كل حدب وصوب ، لملء هذا الفراغ على حساب عقائد الأمة التي يقوم عليها تراثها الفكري والحضاري ، والأمة الإسلامية بفعل عوامل عديدة لا مجال لبسطها في هذا البحث عاشت حالة من الفراغ الفكري ، ممامكن لكثير من المذاهب الباطنية والفكرية أن تجد لها مكانا في عقول بعض المسلمين ، وتفسد عليهم تصوراتهم ، وكانت طائفة البهرة من هذه المذاهب الباطنية الخطيرة التي وجدت لها مكانا في ديار المسلمين  فهي في حقيقتها فرع للدعوة  الإسماعيلية الملحدة الهدامة ، ولم تأت بجديد ، إنما ضمت ما ورثته من ضلالات الإسماعيلية إلى ما اقتبسته من ضلالات الفرق الباطنية الأخرى ، فكانت هذه الدراسة . وقد جعلتها في تمهيد  ،   ومقدمة  ، وثلاثة فصول ، وخاتمة ، على النحو التالي :

تحدثت في الفصل الأول  : عن نشأة البهرة ، وذكرت شذرات من عقائدها ، وشرائعها .

وتحدثت في الفصل الثاني  : عن معنى التأويل ، وشروط التأويل الصحيح المقبول ، وسمات التأويل الباطني الفاسد  وضمنته مبحثين  على النحو التالي :

 بينت في المبحث الأول : معنى التأويل في اللغة ، ونصوص الشرع ، وفي الإصطلاح 

 وبينت في المبحث الثاني  : شروط التأويل الصحيح المقبول ، وسمات التأويل الباطني الفاسد المردود .

 وفي الفصل الثالث : ذكرت نماذج لتأويلات طائفة البهرة ، وبينت بطلانها .

وبينت في الخاتمة أهم ما توصلت إليه الدراسة من نتائج . والله ولي التوفيق .


الفصل الأول

طائفة البهرة ، تاريخها ، وعقائدها .

مقدمة  :

   تمكن عبد الله بن سبأ اليهودي اليماني [1]وأتباعه من شق وحدة الأمة الإسلامية  إلى سنة ، وشيعة ، وخوارج،ولم يقتصر هدفهم على ذلك ،فهو أبعد من ذلك بكثير؛ألا وهو إفساد وتخريب عقائد الذين اتبعوهم ، لإخراجهم نهائيا من صف المسلمين  ، تحت شعار الدفاع عن آل البيت .وقد كان الخوارج والشيعة ضمن معسكر واحد  [2]وهو معسكر علي  كرم الله وجهه  - ، وبعد موقعة صفين امتاز الخوارج عن الشيعة ، وسلك كل فريق مسلكا يناقض الآخر ، وأصبح الفريقان يتبرأ أحدهما من الآخر ، فقال صالح بن مسرح الخارجي في شأن علي كرم الله وجهه   : ( فلم ينشب أن حكم في أمر الله الرجال ، وشك في أهل الضلال ، وركن وأدهن ، فنحن من علي وأشياعه براء . ) [3] وجاء في خطبة المستورد الخارجي ( 43هـ 336م ) : ( أما بعد : فإن هذا الخرق معقل بن قيس  - قد وجه إليكم ، وهو من السبئية المفترين الكاذبين ، وهو لله ولكم عدو  . ) [4]أما معقل بن قيس فقد وصم الخوارج بالمارقة الضلال [5] . وقال ( صعصعة بن صوحان الشيعي ): ( ولا قوم أعدى لله ولكم ، ولأهل بيت نبيكم ، ولجماعة المسلمين ، من هذه المارقة الخاطئة الذين فارقوا إمامنا ، واستحلوا دماءنا ، وشهدوا علينا بالكفر . ) [6] 

وقد انقسمت  الشيعة إلى ثلاث فرق رئيسة هي : الزيدية ، والكيسانية ، والإمامية ، وجميع هذه الفرق متفقون على أن الإمامة لا تخرج عن أولاد علي  - كرم الله وجهه  -  وأحفاده ، وإن خرجت فبظلم من غيرهم ، أو بتقية منهم ، والإمامة عندهم لا تناط باختيار العامة ، إنما هي قضية أصولية ، تنصيصية ، تعيينية ، ومع ذلك لم تدعهم السبئية يتفقون على إمام واحد [7].

أ الشيعة الزيدية : نسبة للإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ( ت122هـ ) ، وقد انقسموا إلى ست فرق ، وقيل : ثماني فرق ، وقيل : عشر فرق  ، ويقال : إنهم قريبون إلى أهل السنة والجماعة  [8]

ب الشيعة الكيسانية : وقد ساقت الإمامة إلى ( محمد بن الحنيفية ) بالاستدلال ، لأن عليا  كرم الله وجهه  - د فع إليه الراية يوم موقعة الجمل ، وقيل : بالوصية .وقد اضطربت كتب المقالات والفرق في تحديد نسبة الكيسانية ، فمنهم من نسبها إلى كيسان صاحب شرطة المختار الثقفي -، ومنهم من نسبها إلى المختار الثقفي نفسه ، والراجح أنه منسوبة إلى  كيسان مولى علي بن أبي طالب وتلميذ محمد بن الحنيفية -،وقد انقسمت الكيسانية إلى إحدى عشرة فرقة ، اندثرت جميعها ، وكلها فرق سبئية وغالية .[9]

ت الشيعة الإمامية :  وقد ساقوا الإمامة إلى الحسن بن علي ، فالحسين بن علي ، فالامام علي بن زين العابدين ، فالامام محمد الباقر ، فالامام جعفر الصادق ، وهنا تفرقوا إلى فرقتين :

       الفرقة الأولى :  ساقت الإمامة  بعد جعفر الصادق إلى موسى الكاظم ، فالإمام علي الرضا ، فالإمام محمد الجواد ، فالإمام علي الهادي ، فالإمام الحسن العسكري ، فالإمام الثاني عشر الغائب محمد بن الحسن العسكري ،وهذه الفرقة تسمى بـ : الإمامية الإثني عشرية ، أو الجعفرية ، أو الكاظمية ، أو الموسوية ،  ويسمون في جنوب لبنان بالمتاولة ،   أي : المتأولة  .

       والفرقة الثانية : قالت بإمامة إسماعيل بن جعفر الصادق  -  بدلا عن موسى الكاظم  -  ، وهو الإمام السابع عندهم ، فيسمون لذلك بالإسماعيلية نسبة إلى إسماعيل بن جعفر الصادق ، وبالسبعية : نسبة إلى الإمام السابع  . وانشقت الإسماعيلية إلى فرقتين كذلك :

الفرقة الأولى : نادت بإمامة مبارك  - مولى إسماعيل بن جعفر الصادق  - فسموا بالمباركية ، وعنهم انشقت فرقة الخطابية الغالية  المنتسبة لأبي الخطاب الأسدي ، الذي غالى في تأليه آل البيت ، وادعى النبوة .

والفرقة الثانية : ساقت الإمامة من محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق ، إلى الحاكم بأمر الله الفاطمي ، وهنا أوقفت طائفة الدروز الإمامة عند الحاكم بأمر الله ، وقالوا برجعته ، وساق بقية الإسماعيليين الإمامة إلى المستنصر بالله ، وهنا انشقوا بدورهم إلى فرقتين  هما :

  1 - الإسماعيلية النزارية ( الاسماعيلية الشرقية) : - أتباغ أغا خان حاليا -   ،  وهم الذين اعتقدوا إمامة نزار بن المستنصر ، وطعنوا في إمامة المستعلي أحمد بن المستنصر  - ، وقد نقل كبير دعاتهم : الحسن بن الصباح الدعوة إلى فارس ، وكون دولة النزارية ، التي عرفت باسم دولة :( الحشاشين ) التي لعبت دورا سياسيا كبيرا في إيران ، والهند ، والشام ، وأفغانستان .

2 الإسماعيلية المستعلية ( الاسماعيلية الغربية )  : وهم الذين قالوا بإمامة : أحمد بن المستنصر ، الملقب بـ المستعلي ، ويعرفون باسم : البهرة ، وقد انشقوا كذلك إلى فرقتين هما : البهرة الداوودية ، والبهرة السليمانية وسيقتصر حديثي عن هذه الطائفة  من الشيعة الإسماعيلية ، إذ هم المعنييون في هذا البحث .

المبحث الأول : نشأة طائفة ( الإسماعيلية المستعلية ) البهرة 

 ذكرنا أن طائفة البهرة هي الطائفة التي نادت بإمامة أحمد بن المستنصر الملقب بـ المستعلي ،  وولي إمامة الإسماعيلية بعد المستعلي ولده : أبو علي المنصور ، ( أحضره الأفضل بن أمير الجيوش وبايع له ، ونصبه مكان أبيه ، ونعته بـ

الآمر بأحكام الله ) [10]    ونقل أبو المحاسن عن الذهبي قوله فيه :(كان رافضيا كآبائه ، فاسقا ، ظالما ، جبارا ، متظاهرا بالمنكر ، واللهو ، ذا كبر وجبروت ) [11]  وقتل سنة أربع وعشرين وخمسمائة ، قتله النزاريون على الجسر إلى الجزبرة ( في القاهرة) .[12]   ولم يترك خلفا له ، على قول أكثر المؤرخين مثل : ابن الأثير [13] ، والذهبي [14]  ، وغيرهم .  ولكن الإسماعيلية المستعلية ينكرون هذا ويقولون : إنه ولد له ولد أسماه : الطيب ، وكناه : بأبي القاسم ، وجعل الإمامة فيه ، وأخبر بذلك الملكة الحرة أروى الصليحية باليمن ، وهذه الملكة أخفته ، وجعلت نفسها كفيلة عليه ، ونائبة عنه في تولي شئون الدعوة الإسماعيلية ، واتخذت لنفسها لقب : ( كفيلة الإمام المستور : الطيب بن الآمر ) . وقد انقرضت الدولة الصليحية في سنة 511هـ ، ولم يقم أتباع الدعوة الطيبية  بأي نشاط سياسي بعد ذلك ، بل ركنوا إلى التجارة ، وعاشوا في محيط خاص بهم ، وكان كثير منهم يتخذ التقية فلا يظهر إسماعيليته بالرغم من وجود داعية لهم ينوب عن إمامهم المستور في تصريف أمورهم الدينية . وقد هيأت التجارة التقليدية بين اليمن والهند فرصة لنشر الدعوة الإسماعيلية الطيبية في الهند ، ولا سيما في ( ولاية جوجرات )جنوب بومبي ،وأقبل جماعة من الهندوس على اعتناق هذه الدعوة حتى كثر عددهم هناك ،وعرفت الدعوة بينهم باسم (البهرة ) .  وكلمة البهرة :كلمة هندية قديمة معناها : التاجر . [15]واستمرت الدعوة المستعلية في اليمن تشرف على أتباعها في( جوجرات)  ، إلى أن اضطرت الدعوة الإسماعيلية الدخول في دور الستر مرة أخرى ، وظهرت سلسلة طويلة من الدعاة المستورين ، حتى كانت سنة ( 999هـ/1591م)  وإثر وفاة (داود بن عجب شاه ) الداعي السادس والعشرين في سلسلة دعاة دور الستر ، انشقت البهرة إلى فرقتين : فانتخب بهرة جوجرات ( داود برهان الدين بن قطب شاه ) خلفا له (1021- 1030هـ) وعرف أتباعه بـ ( الداودية ) ، وداعيتهم الآن هو : ( د. محمد برهان الدين بن طاهر سيف الدين ) ، ويعد الداعي الثاني والخمسين من سلسلة دعاة الدعوة الإسماعيلية الطيبية ، ويقيم في مدينة بومباي بالهند . وهو برتبة الداعي المطلق ، وصاحبها يتمتع بنفس الصفات التي كان يوصف بها أئمة الإسماعيلية ، على أنها صفات مكتسبة وليست ذاتية .ومنصب الداعي ليس وراثيا كالإمامة ، بل هو مكتسب ، إلا أن الدعاة المتأخرين لم يلتزموا بهذه التعاليم ،وخرجوا على المعتقدات والأصول الأساسية للطائفة ، فادعوا لأنفسهم العصمة كالأئمة سواء بسواء ، وجعلوا منصب الداعي وراثيا في أبناء الداعي المهيمن على طائفة البهرة الداودية .. [16]بينما عارض بهرة  اليمن ذلك ، وعاضدوا رجلا آخر يدعى : ( سليمان بن الحسن الهندي 1005- 1050 هـ) وكان مقيما في

( أحمد أباد ) في الهند ، مدعين أن ( داود بن عجب شاه ) قد اختاره  وعهد إليه بالدعوة بوصية منه ، وسمى أتباعه بـ

( السليمانية ) .وقبل وفاة ( سليمان الهندي ) أوصى لابنه ( جعفر ) بزعامة الدعوة وكان لا يزال طفلا ، وأوصى لـ ( محمد بن الفهد المكرمي ) بكفالته وتربيته ، فانتقلت البهرة السليمانية إلى اليمن  ثم تولى الدعوة من بعده أخوه ( علي ) الذي ألف كتبا كثيرة في المعتقد الإسماعيلي منها : ( إسعاف الطالب في جميع المطالب ) ، وانتقل بالدعوة مرة أخرى إلى الهند ، وقبل وفاته سنة

( 1088هـ) أوصى بإمامة الدعوة إلى : ( إبراهيم بن محمد الفهد المكرمي ) فرجعت الدعوة إلى اليمن ، واستقر الداعي  في بلدة ( طيبة) إلى أن توفي سنة ( 1094هـ) ، وكان قد عهد بالدعوة إلى حفيده ( محمد بن اسماعيل بن ابراهيم المكرمي ) الذي حصل بينه وبين طائفة الزيدية حروب هزم فيها ، فخرج إلى القنفذة  يريد الهرب إلى الهند ، إلا أن إسماعيلية قبيلة ( يام ) في نجران وعدوه بالحماية ، فذهب إلى نجران وسكن بلدة بناها أسماها ( الجمعة ) ، وظلت مركزا للبهرة السليمانية الذين يعرفون الآن بـ  ( المكارمة. وداعيتهم الآن هو : ( الداعي حسين بن إسماعيل المكرمي ) ويحمل الرقم ( 50) في سلسلة دعاة السليمانية  وقد تولى هذا المنصب بعد خلاف على وصية الداعي السابق رقم (49) الحسن بن الحسين المكرمي ( ت1992م) . [17]

 

المبحث الثاني : شذرات من عقائد البهرة وعباداتهم

الحديث عن العقيدة الإسماعيلية ليس سهلا ميسورا مثل الحديث عن العقائد الثابتة ،إذ أن كثيرا من أصول المذهب الإسماعيلي أصبح نظريا فقط ، بمجرد أن أصبح للإسماعيلية دولة سياسية ، وتدخلت التنظيمات السياسية في العقيدة ، فكيفتها حسب ما أملته الظروف السياسية .ومن هذه الأصول التي اتفق عليها الإسماعيلية منذ وجدت إلى الآن : القول بضرورة وجود إمام معصوم منصوص عليه من نسل محمد بن إسماعيل بن جعفرالصادق ، والنص على الإمام يكون من الإمام الذي سبقه بحيث تتسلسل الإمامة في الأعقاب ، ومن الغريب أن أئمة الإسماعيلية أنفسهم لم يحترموا هذا الأصل الأساس من أصول العقيدة ،  لا في العصور القديمة ولا في عصرنا الحديث فالمعز لدين الله الفاطمي نص على ولاية ابنه عبد الله من بعده ، ولكن عبد الله توفي في حياة أبيه ، فنص المعز  مرة أخرى على ولاية ابنه العزيز ، فخالف بذلك الأساس الذي قامت عليه الإسماعيلية في أن الإمامة لا تنتقل من أخ إلى أخ ، إنما تنتقل من أب إلى ابن . وفي عصرنا حرم ( أغاخان الثالث _ من دعاة الإسماعيلية النزارية - ) ولديه ( علي خان ، وصدر الدين خان ) من الإمامة ، ونص على حفيده ( كريم ) الذي لقب بـ ( أغاخان الرابع ) وهو الإمام الحالي للطائفة النزارية 

وبالرغم من خروج الأئمة أنفسهم على مبدأ ( النص على الإمام ) ، فلا تزال الإمامة هي المحور الذي تدور عليه كل العقائد الإسماعيلية ، ذلك أنهم جعلوا ولاية الإمام الركن الأساس لجميع أركان الدين ، فدعائم الدين عندهم وعند طائفة البهرة بشقيها هي : الطهارة ، والصلاة ، والزكاة ، والصوم ، والحج ، والجهاد ، والولاية . على أن الولاية هي أفضل هذه الدعائم . فإن أطاع الإنسان الله تعالىورسوله الكريم ، وقام بأركان الدين كلها ، وعصى الإمام ، أو كذب به ، فهو آثم في معصيته ، وغير مقبولة منه طاعة الله ورسوله .. [18]  . وحذا البهرة والإسماعيليون عموما حذو الجهمية في نفي أسماء الله تعالى وصفاته ،

يقول المفسر الإسماعيلي ضياء الدين السليماني : ( الحمد لله المتعالي عن السماء والأسماء ، والمتقدس أن يكون له تعالى حد أو رسم ..) [19]. ويقول حميد الدين  الكرماني -  أكبر فلاسفة الدعوة الإسماعيلية -  : ( إن اسم الإلهية لا يقع إلا على المبدع الأول ) [20]وهذا المبدع الأول ، أو العقل الكلي ، هو الذي رمز إليه الله تعالى بـ ( القلم ) في الآية القرآنية :   ( ن والقلم وما يسطرون ) [21]،  وعلى هذا : فالقلم ، أو المبدع الأول ، أو العقل الكلي الذي تحدث عنه الفلاسفة  ، هو : الخالق المصور الواحد القهار الخ ، وبمعنى آخر : إن ما يقوله المسلمون عن الله سبحانه وتعالى خلعه الإسماعيلية على العقل الكلي ، فهو الإله عند الإسماعيلية ، وإذا ذكر الله عتد الإسماعيلية فالمقصود هو العقل الكلي . إذا عرفنا ذلك ، استطعنا أن نقول إنهم لم يأتوا بهذه الآراء الفلسفية عبثا ، بل جاءوا بها لإسباغ صفة خاصة على الإمام ، ذلك بأنهم ذهبوا إلى أن العقل الكلي في العالم العلوي يقابله الإمام في العالم الجسماني ، ومعنى هذا عندهم : أن كل الأسماء والصفات التي خلعت على العقل الكلي ، هي أيضا صفات وأسماء للإمام ..؟ لأن الإمام مثل للعقل الكلي . فالإمام إذن هو : الواحد الأحد ، الفرد الصمد .. الخ .. لذلك قال الشاعر الإسماعيلي ابن هانئ الأندلسي في مدح المعز لدين الله الفاطمي :

ما شئت لا ما شاءت الأقدار          فاحكم فأنت الواحد القهار .

وقال الشاعر أبو الحسن الأخفش في مدح الآمر بأحكام الله :

بشر في العين إلا أنه      عن طريق العقل نور وهدى .

جل أن تدركه أعيننا       وتعالى    أن  نراه   جسدا .

ندرك الأفكار فيه بانيا      كاد  من   إجلاله أن يعبدا .

  ولهذا تقول البهرة الداودية في نشرة من نشراتها عن   ( طاهر سيف الدين الداعي الحادي والخمسين من دعاتها ) : ( إن القرآن ثراث إلهي لا تراث بشري ، فلا بد لهذا التراث من معلم إلهي لا معلم بشري ، يحفظه من زيغ الزائغين ، وضلال الضالين المضلين ، ويكشف أسراره وكنوزه ، وهذا المعلم هو ولي الله ، رسولا كان  أو وصيا ، أو إماما ، أو داعيا مطلقا ..؟ فولي الله في شخص الرسول ، أو في شخص الوصي  أو في شخص الإمام ، أو في شخص الداعي المطلق ، هو الضمان الوحيد والأكيد لحفظ كتاب الله تنزيلا وتأويلا ، على تعاقب الأعصار والأدهار ) [22]

وتعتقد طائفة البهرة كبقية الشيعة أن الإمامة من حق علي كرم الله وجهه وقد اغتصبت منه ، يقولون في إحدى رسائلهم : ( إن الأمة لما افتتنت بعد نبيها ، وأشهرت كل طائفة منهم سيفها ، وقال بعضهم : منا أمير ، ومنكم أمير ، قال كبيرهم : يقصدون أبا بكر رضي الله عنه في أول قعوده : وليت عليكم ولست بخيركم .. وقال صاحبه عمر : كانت بيعة أبي بكر فلتة ، وقى الله شرها ..! وأقر أبو بكر على نفسه بالشك ،      فقال : إني وددت لو أني سألت رسول الله لمن هذا الأمر من بعده ، والإمام الحق لا يشك في نفسه ، ولا يرجع عن أمره  ، ولا يندم أنه غصب على حقه ، بل يثبت مستمرا على شأنه ، مفصحا عن محله ومكانه ، هاديا مهديا ، متبوئا من العصمة مكانا عليا كما فعل علي ! ) [23] وتعتقد طائفة البهرة كبقية الإسماعيليين - بوجود إمام يعيش في الخفاء [24]ولا يخلو زمان من الأئمة المستترين ، بينما يقوم ( الداعي المطلق  ) بالدعوة العلنية نيابة عن الإمام ، والإشراف الروحي على الطائفة ، وهو مصدر السلطات التي يحتكم إليها أتباع الطائفة في جميع شئونهم . ومن الواجبات المحتمة عندهم سجودهم لداعيهم [25] ، ومما يؤيد إصرار الداعي على سجود أفراد طائفته له ، تلك المرثية التي رثى بها الداعي الحالي لطائفة البهرة الداؤودية  الدكتور محمد برهان الدين والده الداعي السابق ( طاهر سيف الدين )[26] حيث يقول :

سجدت له دأبا وأسجد دائما       لدى قبره مستمتعا للرغائب .

ومن المعلوم أن السجود عبادة ، وهذه العبادة لا يجوز صرفها إلا لله سبحانه ، وقد بين الحق سبحانه ذلك في مواضع من كتابه ، فقال تعالى : ( فاسجدوا لله واعبدوا ) [27] . وعقيدتهم في ( الظاهر ) لا تختلف عن عقائد المسلمين ، أما عقيدتهم في ( الباطن ) فهي بعيدة كل البعد عن عقيدة أهل السنة والجماعة .. فهم مثلا يؤدون الصلاة كما يؤديها المسلمون ،وإن كانوا لا يصلونها إلا في ( الجامع خانة ) وهي أماكن العبادة الخاصة بهم ، وقد لاحظت( أي : كاتب هذا البحث )  ذلك من خلال مراقبتهم في المسجد النبوي ، ومسجد الحسين بالقاهرة ، إذ كانوا يأتون للمسجدين بعد صلاة العصر زرافات ووحدانا ، وقبيل أذان المغرب يتسللون لواذا ، وإذا اضطروا إلى الصلاة مع أهل السنة فإنهم يصلون بنية الإفراد أو الإعادة ، ولا يصلون الجماعة إلا بوجود إمام معين من قبل الداعي ، كما لا يصلون الجمعة بحجة عدم وجود إمام عادل  ولهم صلوات عديدة مثل : صلاة ليلة السابع عشر من شهر رجب ، وعدد ركعاتها اثنتين وعشرين ركعة  وصلاة ليلة الخامس عشر من شهر شعبان ، وعدد ركعاتها أربع عشرة  ركعة  ،  وصلاة ليلة الثالث والعشرين من رمضان ، وعدد ركعاتها اثنتي عشرة  ركعة ، يرددون فيها : يا علياه سبعين مرة ، و يا فاطمتاه  مئة مرة ، وياحسناه مئة مرة ، ويا حسيناه تسعمائة وسبع وتسعين مرة ..؟ وصلاة الثامن عشر من شهر ذي الحجة ، يصلي فيه الواحد منهم ركعتين بعد زوال الشمس ، وهو يوافق اليوم المسمى عند الشيعة بيوم ( غدير خم )[28] . ويصلي الداعي أو نائبه على الميت منهم ، وينزل في قبره ويؤذن فيه ، ويقوم بكسر يده الشمال معتقدين أنهم بكسرها يمنعونه استلام كتابه بشماله يوم القيامة .. ؟ ومع تشابه صلاتهم في بعض مظاهرها لصلاة المسلمين في ( الظاهر ) ؛ إلا أنهم يقولون إن صلاتهم هذه للإمام الإسماعيلي المستور من نسل  ( الطيب بن الآمر ..؟ ) . [29]

ويذهبون إلى مكة لتأدية الحج في موسمه ، شأنهم في ذلك شأن جميع المسلمين ، ولكنهم يقولون إن الكعبة التي يطوف حولها الحجيج هي رمز على الإمام .. ! ولا يقبل الحج إلا إذا كان بصحبة الداعي أو من ينيبه من الدعاة ، وغالبا ما يخالفون أهل السنة والجماعة في وقت الوقوف بعرفة ، فإما أن يتقدموا عليهم يوما أو يتأخروا يوما ، اعتمادا على حساباتهم الفلكية الخاصة . وإذا لم يتمكن البهرة من الوقوف بعرفة على وفق حساباتهم ، فإنهم يقلبون حجهم إلى عمرة .. هذا في الظاهر .. أما في الباطن فهم يؤولون فريضة الحج تأويلا فاسدا كبقية الإسماعيليين . يقول السجستاني ( أحد دعاتهم ) : ( حج البيت هو : قصد إمام الزمان ، مفترض الطاعة ، والغرض من حج البيت معرفة الأئمة ، والمراد من الزاد والراحلة في الحج : هو العلوم ، ودليل معرفة الإمام . والإحرام هو : اعتقاد معرفة الإمام ..) [30]

أما الصيام فهم يؤولونه تأويلا باطنيا يقول الداعي الإسماعيلي السجستاني : ( الصوم هو : الصمت بين أهل الظاهر ، وصوم شهر رمضان هو : ستر مرتبة القائم ، ومن ( شهد منكم الشهر فليصمه ) أي : من أدرك زمان الإمام فليلزم الصمت ..) [31]وكذلك بقية العبادات وإن عملوا بظاهرها أحيانا ، فإن هذا العمل مؤقت بظهور القائم .. فإذا ظهر القائم ( تخلص المؤمنون من الستر والكتمان ، وقدروا على كشف مذاهبهم ، وجب رفع هذه الشريعة التي هي سمة الستر والكتمان ..) [32]


الفصل الثاني

معنى التأويل ، وشروط التأويل الصحيح المقبول ، وسمات التأويل الباطني الفاسد

    من المقرر لدى أهل العلم : أن الأصل هو إبقاء النصوص على ظواهرها ، لتدل على معانيها التي وضعت لها في اللغة ، ولكن تأويلها ، بصرفها عن معناها الحقيقي إلى معناها المجازي ،أو الكنائي، لا يخالف فيه عالم له دراية بالكتاب والسنة  ، بشرط أن لا يحدث ذلك  إلا بدليل ، أو بقرينة توجب صرفه عن معناه الأصلي ، وإلا بطلت الثقة باللغة ، ودلالاتها ، - وإن كان عدم التأويل أولى من التأويل - ، فإذا وجد الدليل أو القرينة ، جاز لنا  صرف اللفظ عن ظاهره الصريح إلى معنى يحتمله اللفظ  ، وتدل عليه دلالات اللغة  ، ومن الحقيقة إلى المجاز ، وإلا فلا .    فالتأويل إذن مقبول إذا دل عليه دليل صحيح من اللغة ، أو من الشرع ،  وإلا كان مردودا على قائله ، ولا اعتبار له . 

المبحث الأول :   معنى التأويل في اللغة ،  ونصوص الكتاب والسنة  ، والاصطلاح 

المطلب الأول : معنى التأويل في اللغة : - تدور مادة التأويل في اللغة على عدة معان  ، منها   :

1-الرجوع  ، والعود ، والمآل ، والعاقبة ، والمصير:   نقل  الأزهري (ت370هـ) عن ثعلب(ت291هـ) ، عن ابن الأعرابي ( ت230 هـ) قوله :( الأول : هو الرجوع . وعن الليث (ت175هـ): الأيل -  على وزن السيد  -  الذكر من الأوعال ، وإنما سمي أيلا : لأنه يؤول إلى الجبال يتحصن فيها . ) [33]   وقال ابن فارس ( ت395هـ): ( قال يعقوب  (ت 244هـ) :أول الحكم إلى أهله : أي : أرجعه ورده إليهم . قال الأعشى :

أؤول الحكم إلى أهله             ليس قضائي بالهوى الجائر . [34]

           وآل جسم الرجل : إذا نحف ، أي : يرجع إلى تلك الحالة.وعن الأصمعي ( ت216هـ):(آل القطران يؤول أولا إذا خثر [35] ) [36] . وقد جمع ابن منظور ( ت711هـ) كل ما يتصل بمادة ( أول ) ومشتقاتها ، وما استعملت فيه من معاني ، فمن ذلك قوله :[ ألت عن الشيء : ارتددت عنه ،  والأول : الرجوع . وآل الشيء يؤول أولا ومآلا :رجع .وقال أبو عبيدة ( ت209هـ) :التأويل :المرجع والمصير.وأول الكلام :دبره ، وقدره . ][37]

2- التفسير ، والتدبر ،  والبيان : قال ابن جرير الطبري ( ت310هـ) : ( وأما معنى التأويل في كلام العرب فإنه : التفسير ، والمرجع ، والمصير . ) [38].    وقال الأزهري ( ت 370هـ) : [ وسئل أبو العباس ثعلب ، أحمد بن يحيى ( ت 291هـ) عن التأويل ، فقال : التأويل والتفسير بمعنى واحد . وقال الليث  : التأول والتأويل : تفسير الكلام الذي تختلف معانيه . ] [39]

وقال ابن فارس  ( ت 395هـ) : ( معاني ألفاظ العب




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home