دراسات هامة

 

البهائية وتأويلاتها الباطنية لآيات القرآن الكريم

د. سامي عطا



البهائية وتأويلاتها الباطنية لآيات القرآن الكريم

د. سامي عطا حسن

جامعة آل البيت

المفرق – المملكة الأردنية الهاشمية

ملخص

       تهدف هذه الدراسة إلى إلقاء بعض الأضواء  على طائفة  البهائية  - ذات الجذور البابية -  لبيان حقيقتها ، وتأويلاتها الباطنية  لآيات القرآن الكريم ، ومع كثرة الكتابات حول هذه  الطائفة   وتشعب الآراء واختلافها  في بيان أصولها وأهدافها ، إلا أنني لم أعثر على من أفرد تأويلات هذه الطائفة  بالبحث ،  فحفزني ذلك على الكتابة في هذا الموضوع  ، لعل ذلك ينبه الغافلين  ، أو المتغافلين عنها وعن أمثالها . وخطر هذه الطائفة أشد من خطر غيرها ، لا لأن لأقوالها  وتأويلاتها ، قيمة علمية أو فكرية   ، بل لأنها تتخذ من الإسلام ستارا لتنفث سمومها  . وما ثمت من جديد في  البهائية ، سوى نسبة الكفر القديم ، أو النفايات الباطنية القديمة ، إلى شيطان جديد قام يدعو إليها ، وكل امرىء لا يعصمه دين قويم ،يستطيع أن يدعي ما شاء ، ولكنه لا يستطيع إقناع إنسان سوي بدعواه ، إلا إذا كانت مع دعواه براهينها  .                             

Bahaism and its latent interpretations of Holy Koran verses

Dr . Sami Ata  Hassan

AL  -Albayt universityAlMfrak

The Hashemit Kingdom of Jordan

ABSTRACT

This study aims at somehow, highlighting the Bahaism sect of Babuism roots, in order to illustrate its reality and its devious interpretations of the Holy Koran. In spite of the fact that there are a lot of writings and plenty of literature about the origin and the objectives of this cult, I yet have to find any one who profoundly embarked with expansion on the interpretations of this sect. That very fact encouraged me to write extensively in this field hoping to awaken those who are unaware of the destructive role that such a cult plays in the name of Islam and other similar sects. This sect poses more danger than others not because of its scientific views or its valuable intellectual interpretations, but rather because, it takes Islam as a cover to spew its poisonous ideas. There is nothing new in Babuism compared to Bahaism except attributing old disbelief or old latent views to a new devil that began propagating thereof. However, any one who does not protect thimself with an accurate religion, conscious and sound mind he might find himself diluted with its fancy and vague rhetoric. After all convincing and persuasion of a healthy mind can only come through hard evidence and solid proofs.

 

البهائية وتأويلاتها الباطنية لآيات القرآن الكريم

مقدمة

عندما يكون هناك فراغ فكري في أمة ما ، فإن هذه الأمة تكون نهبا للتيارات الوافدة عليها من كل حدب وصوب ،  لملء هذا الفراغ  على حساب عقائد الأمة التي يقوم عليها تراثها الفكري والحضاري ، والأمة الإسلامية – بفعل عوامل عديدة لا مجال لبسطها في هذا البحث - ، عاشت حالة من الفراغ الفكري ، سببه الرئيس : الجهل بحقائق الإسلام  ، ومبادئه السياسية  ، والاجتماعية ، والاقتصادية ، مما مكن لكثير من الفلسفات المادية ، والمذاهب الباطنية والفكرية ، والاجتماعية ، والاقتصادية الهدامة ، أن تجد لها مكانا في عقول بعض المسلمين ، وتفسد عليهم تصوراتهم وما فيه حياتهم ، تمهيدا لتسخيرهم في إفساد تصورات  وحياة الآخرين .....  إضافة إلى أن  الإنجليز  كانوا  يطمعون في  تكوين إمبراطورية لهم لتشغل الفراغ الممتد فيهما بين مصر والهند ،كما كانوا يريدون  استقرار وضعهم  في الهند-درة التاج البريطاني- ، وهذه المناطق يشغلها  المسلمون ،  وعداوة المسلمين لهم  : تاريخية ... جغرافية ...  نفسية... ، وتلك أصعب العداوات وأعمقها وأعصاها على التوفيق والنسيان..... .فقد جاء أسلافهم الصليبيون إلى هذه الديار.....   واستولوا على بلاد الشام.... وهزموا المسلمين شر هزيمة ... وارتكبوا أبشع المجازر ....وكانوا أول من ابتدع إجلاء المسلمين عن ديارهم   ، وساروا على ذلك أيضاً في جميع حروبهم مع المسلمين ، وكانوا يظنون أن الأمر قد استتب لهم وأنه لن تقوم للمسلمين قائمة ... ولكن المسلمين ظلوا مصممين على إخراجهم من ديارهم.... فدينهم يفرض عليهم  ذلك ... وبالرغم من مكوثهم مدة تقارب القرنين من الزمان أقاموا خلالها ممالك وإمارات في بلاد الشام ... إلا أن  المسلمين استطاعوا في النهاية أن يتغلبوا عليهم ويطردوهم من ديارهم شر طردة... وقد بحثوا عن السر في ذلك فوجدوه في الإسلام  ... وأن عقيدته هي منشأ هذه القوة العظيمة في المسلمين.....ولو كان المسلمين قوة سياسية ليس إلا....لهان خطبهم على الاستعمار بجميع أنواعه.... ولكنهم قوة روحية...  تندفع كالسيل إذا اندفعت ... وتستقر كالصخر إذا سكنت.. وتفارقها قدرتها على الغلبة والسيادة حيناً ...ولكن لا تفارقها قدرتها على الصمود والثبات...لذلك لا بد من تفتيت هذه القوة....وهذا ما أجمعت عليه القوى الاستعمارية .

  ففكر الانجليز   في إيجاد القاديانية  ، والروس في إيجاد البابية   التي انتهت وتولدت منها البهائية ، والسبب  يتلخص في أن الاستعمار البريطاني عندما بدأ يركز احتلاله المستبد في شبه القارة الهندية ، والتي استظلت براية الحكم الإسلامي بضعة قرون  ،  جوبه بمعارضة عنيفة من حركات الجهاد الإسلامي ، ومع أنها كانت متقطعة ولم تنجح في إيقاف المد الاستعماري ، وإقامة نظام الإسلام ودولته  إلا أنها أذكت في قلوب المسلمين قبس الجهاد إلى أن انفجر بركان الثورة الكبرى عام 1857م ، وكاد المسلمون أن ينجحوا ، ولكن الإنجليز استطاعوا أن يقضوا عليها وعلى الثائرين بكل عنف وقسوة ، وتمكن المستعمر من تثبيت أقدامه، وأقام نظاماً لحكم البلاد يعتمد على مئات من الخبراء يؤازرهم جيش صغير، وعلى اصطفاء عناصر تدين لهم بالولاء السياسي والفكري ، وجعل المستعمر نصب عينه هدف القضاء على كل أثارة من حمية الجهاد في قلوب المسلمين ، فاستقدموا طوائف المبشرين وملأوا بهم أرجاء الهند ، يسرقون عقائد الناس ويزلزلون نفوسهم بالشكوك والريب ، وكانت معارك حامية تلظى المسلمون بنارها في المجال الفكري  ،  وكان رد المسلمين على ذلك أن أصبحت نغمة الجهاد ضد الإنجليز على كل لسان ، وشغل كل عالم، وأصبحت المنشورات تكتب وتوزع ، والعلماء من الناس وغيرهم يطوفون المدن والقرى لهذا الغرض.  . وهكذا أصبحت عقيدة الجهاد عقبة كأداء في وجه المطامع الاستعمارية في الهند وغيرها من بلدان العالم الإسلامي  .

وكانت روسيا قد فعلت نفس الشيء في فارس ... إذ بدأ التدخل الروسي في الهضبة الإيرانية في عهد بطرس الأكبر ، وكانت بلاد فارس آنذاك تكابد فتناً  وانقسامات داخلية  ، ومطامع الروس في إيران وغيرها بدأت منذ عهد (بطرس الأكبر)  ، الذي طمع بعد مقتل (نادر شاه) في وراثة إمبراطوريتة إلا أنه أخفق في ذلك ، لكنه لم ينس قبل موته أن يضع  لمن بعده خطة استعمارية ليسيروا  عليها ، فقد أوصى خلفاءه أن يتقدموا بحدودهم ما استطاعوا إلى القسطنطينية من جهة، وإلى الهند من جهة أخرى  ، وأن يقيموا لهم قواعد برية وبحرية على البحر الأسود  ، وأن  يسرعوا  إذا دبّ الانحلال في جسم بلاد فارس بالتوغل فيها حتى يصلوا إلى الخليج العربي، إلى المياه الدافئة .....

والذي دفع المستعمرين لإيجاد هذه الفرق البابية والبهائية والقاديانية , يقينهم التام بأنهم لن يستطيعوا حكم بلاد يؤمن أهلها بالجهاد ، ويعتبرونه ركنا سادساً من أركان الإسلام, ففكروا بصورة جدية في رسم المخططات للقضاء على هذه العقيدة  ،  من خلال رجال ربوهم على أعينهم، وأرضعوهم لبان حبهم  ، فكانوا  عند حسن ظن سادتهم بهم ..  فها هو الغلام القادياني يقول في كتابه ترياق القلوب ما نصه: ( لقد قضيت معظم  عمري في تأييد الحكومة الإنجليزية ونصرتها, وقد ألفت في منع الجهاد ووجوب  طاعة أولي الأمر الإنجليز من الكتب والإعلانات والنشرات ما لو جمع بعضها إلى بعض لملأ خمسين خزانة, وقد نشرت معظم هذه الكتب في البلاد العربية: مصر والشام وتركيا ، وكان هدفي هو أن يصبح المسلمون مخلصين لهذه الحكومة )(1).   وقال في رسالة أخرى:( لقد ظللت منذ حداثة سني وقد ناهزت الآن على الستين أجاهد بلساني وقلمي، لأصرف قلوب المسلمين إلى الإخلاص للحكومة الإنجليزية، والنصح لها، والعطف عليها، وأُلغي فكرة الجهاد التي يدين بها بعض جهالهم ،والتي تمنعهم من الإخلاص لهذه الحكومة )(2)    ، كذلك فعل الباب والبهاء من بعده إذ قال البهاء (حسين علي المازنداني )  زعيم البهائية ما نصه:"البشارة الأولى التي منحت في هذا الظهور الأعظم  لجميع أهل العلم محو حكم الجهاد من الكتاب "(3)  .

         ثم تلقف اليهود كلتا الحركتين : القاديانية والبهائية، منذ أن نشطوا  لتأسيس وطن قومي لهم في فلسطين منذ القرن التاسع عشر تقريباً ،  فاحتضنوا أمثال هذه الحركات :  البابية ، والبهائية  ، والقاديانية ، لتدعوا إلى إبطال ونسخ الجهاد عند المسلمين ، وبلبلة عقائدهم ،   فشجّعوا البهائية واحتضنوا طاغيتها عباس عبد البهاء  ،   وجعلوا مدينة عكا في فلسطين المحتلة كعبة للبهائيين المبثوثين في بقاع شتى، وربطوهم بفلسطين المحتلة روحيا  ،   وكانت  البهائية  من أبرز هذه المذاهب الخطيرة التي وجدت لها مكانا في ديار المسلمين بعد زوال البابية ،وأفكارها تقوم على أساس من التأويل الفاسد ، والتلفيق والتوفيق بين المذاهب والأديان ، في محاولة منها للنيل من الإسلام ، ومبادئه الصالحة لكل زمان ومكان ، بل هي في حقيقتها دعوة ملحدة هدامة ، ولم تأت بجديد، إنما نبشت ما قبرته الأيام من ضلالات الإسماعيلية  كما سنرى  عند مقارنة تأويلاتهم بتأويلات الإسماعيلية ،  وغيرهم من الفرق والطوائف الباطنية الغالية ، إضافة إلى ما ورثته من خرافات البابية ،  إلا أن ذلك لا يقلل من خطورتها ، فكانت هذه الدراسة  التي قصدت منه إلقاء الضوء على أخطر منهج استخدمه البابيون والبهائيون في عرض مبادئهم ، واستخدمه أعداء الإسلام من الغلاة ،  وهو التأويل الباطني ،  وإلقاء بعض الضوء كذلك على نشأة كل من البابية والبهائية ، وذكرت شيئا من شرائعهم ، وعقائدهم ، وتأويلاتهم كما وردت في كتبهم باستطراد يسير ، لتنبيه الأذهان  ، وتوعية العقول ، وترشيد الأفكار ، وليجد القارئ أمامه صورة متكاملة عن نشأة ، وشرائع ، وعقائد ، وتأويلات هذه الطائفة ، ليحكم القارئ عليها بموضوعية ، والحكم على الشيئ فرع عن تصوره كما يقول علماء المنطق .     والله المسئول أن يجعل عملي خالصا لوجهه 

وقد جعلت هذه الدراسة في:مقدمة ،وثلاثة فصول ضمنتها بعض المباحث ،وخاتمة ، على النحو التالي :

 الفصل الأول :وتحدثت فيه عن الجذور التاريخية للبهائية،وشذرات من شرائعها .

وضمنته  مبحثين : تحدثت في المبحث الأول  عن نشأة البابية .وذكرت شذرات من شريعة الباب .

وبينت في المبحث الثاني : نشأة البهائية . وذكرت  شذرات من شريعة البهاء .

وتحدثت في  الفصل الثاني عن : معنى التأويل ، وضوابط التأويل الصحيح  ، وسمات التأويل الباطني  الفاسد .  

وضمنته ثلاثة مباحث  على النحو التالي :

بينت في المبحث الأول : معنى التأويل في اللغة ، ونصوص الشرع ،  وفي الاصطلاح .

وبينت في المبحث الثاني : شروط التأويل الصحيح المقبول ، وسمات التأويل الفاسد المردود . 

وبينت في المبحث الثالث : جذور التأويلات الباطنية الفاسدة .

 وفي الفصل الثالث : ذكرت نماذج لتأويلات البابية ، والبهائية ، وبينت بطلانها . وضمنته مبحثين على النحو التالي :

تحدثت في المبحث الأول : عن تأويلات البابية . وبينت بطلانها . 

وتحدثت في المبحث الثاني عن : تأويلات البهائية ، وبينت جذورها الباطنية ، وقمت بتفنيدها

وبينت في الخاتمة أهم ما توصلت إليه الدراسة من نتائج .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول

الجذور التاريخية للبهائية

المبحث الأول :             المطلب الأول :نشأة البابية :

 البهائية وريثة  البابية  التي  تنتسب  إلى الباب : - علي محمد الشيرازي - ، والبابية لفظة كثيرة التداول في أدبيات الفرق الباطنية ، يطلقونها على بعض أركان دعواتهم ، فالباب عندهم : هو الوسيلة الوحيدة لمعرفة ما يوجد داخل البناء ، فهو إذن واسطة للمعرفة . ، متخذين من حديث يتردد  على ألسنة المسلمين ، يقول  : ( أنا مدينة العلم وعلي با بها ) (4) سندا لصحة مزاعمهم ، ولم تشتهر هذه اللفظة بمثل ما شهرها به علي  محمد الشيرازي ، الذي أسمى نفسه الباب ، وتبعه أناس تلقبوا فيما بعد بالبابية .

 ولد الباب علي محمد الشيرازي في شيراز ،   ولما بلغ سن الرشد ، أخذ يبحث في الأمور  الاعتقادية  ، ثم زار كربلاء ، والتقى هناك بكبار زعماء الطائفة الشيخية ، واستمع إلى دروس شيخ الطائفة : أحمد الأحسائي ، ودروس تلميذه حاجي كاظم الرشتي ، الذي كان ( يبشر أتباعه ومؤيديه وتلاميذه، باقتراب الأوان من ظهور المهدي ،ودنو قيام القائم المنتظر ) (5)

ولما بلغ الميرزا علي محمد الشيرازي الخامس والعشرين من عمره  ، انفصل عن الشيخية  وأعلن أنه ( باب ) الإمام الغائب ، وبعد أن اكتمل  عدد من اجتمع حوله من كبار تلامذة الرشتي ، ثمانية عشر شخصا أطلق عليهم لقب:أصحاب أو شهداء (حي ) (6)، وأمرهم بالانتشار في إيران والعراق   يبشرون به وبدعوته ، وأوصاهم بكتمان اسمه حتى يظهره هو بنفسه ، ثم عاد إلى إيران ،  وهناك أعلن عن دعوته ، واشتهر اسمه ، فثار المسلمون عليه ، وحاربوا دعوته بوسائلهم المتاحة ، ثم جمع والي شيراز بينه وبين علماء إيران ، فناظروه  ، وأظهروا ما في دعوته من ردة ، وغواية ، وضلال ، فاعتقله الوالي في سجن شيراز  ، ولكن هذا الاعتقال لم يمنعه من الإدعاء بأنه يوحى إليه ، فقرر الوالي قتله لولا لجوء الباب إلى :التقية   ، فأخفى معتقده ، وأظهر ما يخالف ذلك ، ونفى أنه يزعم أنه واسطة بين الناس والإمام المنتظر ، فأطلق الوالي سراحه ، ليبدأ الدعوة لمذهبه من جديد ، فأمر الشاه ناصر الدين  باعتقاله  ، وفي معتقله ألف الباب كتابه : ( البيان ) ، وزعم أنه أوحي إليه به ، وأنه ناسخ للقرآن الكريم ، فثار عليه العلماء ، وكان من نتائج ذلك ، أن أصدر الشاه ناصر الدين أوامره بإعدام الباب ، فقتل رميا بالرصاص  ، وعلقت جثته في ميدان عام بمدينة تبريز ، ثم أخفى أتباعه جثته في تابوت ، ودفنوه خارج طهران ، ثم نبش القبر وأخرج التابوت حين طلب عباس أفندي الملقب بـ ( غصن الله الأعظم ) نجل البهاء ، نقل الجثة إلى ثغر ( حيفا ) ، من ثغور فلسطين المحتلة   حيث تم دفنه هناك (7)، ليصبح المكان فيما بعد قبلة للبابيين ، ثم البهائيين ، حيث تم دفن جثة (بهاء الله ) بجوار (الباب ) في ( البهجة ) ، على منحدرات جبل الكرمل .(8)  

المطلب الثاني :     شذرات من شريعة الباب

يزعم  الباب أن شريعته  نسخت شريعة القرآن ،  وأحكامه مطلقا ،  بقوله :[ كل من كان على شريعة القرآن كان ناجيا إلى ليلة القيامة ، ويوم الساعة ، أي : ليلة قيامه بالدعوة ، وساعة ظهوره بالأمر ، وهي الساعة الثانية والدقيقة الحادية عشرة  ، من غروب شمس اليوم الرابع  ، وأول الليلة الخامسة من شهر جمادى الأولى سنة 1260 هـ ،  وبناء على ذلك  ، يحكم  على كل من يرغب عن إطاعة أوامره ، ولم يذعن لأقواله بعد هذا التاريخ ، بأنه عاص ، فاسق ، والذي يخالفه فهو كافر جاحد مهدور الدم ] (9)                                                                                                                                                                                                                                                               ثم حدد الباب أمر الزواج ، وجعله برضى الزوجين فقط ، دون ولي ، أو وكيل ، أو شهود ، ونسخ البهاء  هذا الحكم   في كتابه الأقدس، فقال ما نصه :   [  إنه ( أي : الباب  )  حدد الزواج برضى الطرفين ، إنا لما أردنا المحبة والوداد ، واتحاد العباد ، لذا علقناه بإذن الأبوين بعدهما لئلا تقع الضغينة والبغضاء](10)

وجعل قيمة المهر لأهل المدن تسعة عشر مثقالا من الذهب ، وأعلاه خمسة وتسعين مثقالا، وخصص هذا العدد والوزن لأهل القرى  من الفضة  .  وجعل العصمة بيد الرجل في الطلاق ، فقال : (  إذا انحرف الزوج عن زوجته  ،  وعزم على طلاقها ، يجب عليه أن يجتنبها تسعة عشر شهرا  ، فإن تندم في أثناء هذه المدة ، ورجع عن عزمه فبها ونعمت  ، وإلا كان له أن يطلقها بعد انقضائها ، وإذا وقع الطلاق لا يجوز الرجوع إلى الزوجة المطلقة ،  إلا بعد مضي تسعة عشر يوما ، والطلاق تسعة عشر مرة ، وبعد تسعة عشر مرة يحرم عليه الرجوع  إليها مطلقا طيلة حياته  )(11).

والطهارة عند البابية تتم بواسطة : الماء ، والهواء ، والتراب ، والنار ، وكتابه ( أي البيان ) ، والشمس ،  بشرط أن تجفف الشيئ المبلول (12)

والوضوء للصلاة : يشمل الوجه واليدان فقط إلى الكفين ،  ويكون بماء مضاف إليه ماء الورد ، وفي حالة عدم وجود الماء ، يكفي البابي أن يقول خمس مرات : ( باسم الله  الأمنع والأقدس ) وبذلك يتحقق الوضوء ، وتتم الطهارة .

وفرضت البابية  على أتباعها : الصلاة ركعتين في الصباح ، وصلاتين أخريين  ، على البابي أن يقوم بهما في حياته ، وهما : صلاتي الجنازة ، وصلاة الوضع ( عند ولادة مولود جديد ) .

وفي صلاة الجنازة : يقوم  البابي بالصلاة  على الميت منهم صلاة ذات ست تكبيرات ، يذكر بعدها دعاء من أدعية الباب  ، تسع عشرة مرة .

 أما الزكاة : فيلزم كل بابي ملك النصاب ( ويقدر بـ 541  مثقالا من الذهب ، أو ما يعادله من الفضة ) ،  أن يؤدي زكاة أمواله سنويا  إلى الباب في حال حياته ، ولمجلس البابية ( المكون من تسعة عشر عضوا )  من بعده ولا يجوز بحال من الأحوال إعطاء الزكوات ، أو الصدقات  ، لغير البابيين .(13)

وجعل الباب  الصوم في شهر العلاء ، ومدته تسعة عشر يوما ، من شروق الشمس إلى غروبها ،  وحقيقة الصوم عند البابيين : هو  (  كف النفس عن كل ما لا يرضاه الشيرازي ) (14)  ووقت الصوم يبدأ من شروق الشمس إلى غروبها ، ويجب الصوم على المكلف ، والتكليف عندهم يبدأ من سن البلوغ الذي هو : أحد عشر سنة  ، إلى اثنتين وأربعين سنة ،  قال الباب :  ( أنتم كل حول شهر العلاء لتصومون ، وقبل أن يكمل المرء والمرأة إحدى عشرة سنة ،  إلى أن يقول : وبعد ما يبلغ إلى اثنتين وأربعين سنة يعفى عنه ..) (15) 

ونسخ الباب الحج إلى بيت الله الحرام بمكة ، بل أوصى أن يهدم هذا البيت  عند ظهور رجل مقتدر من أتباعه ، وفرض الحج شخصيا مرة واحدة في العمر  ،  إلى بيته الذي ولد فيه بمدينة شيراز ،  وأسماه بيت الله الحرام ،  وحرم الحج نيابة عن الغير ، وأعفى النساء من الحج إلى بيته إلا نساء مسقط رأسه ( شيراز )(16). كما نسخ البهاء دين زعيمه  الباب  ، مع أن الباب قد صرح مرارا أن دينه سيطول أمده أعواما  ، بقدر حروف كلمة

( المستغاث )  ، ومقدارها بحساب الجمل  يساوي ( 2031 ) عاما ، فقال : ( كل من ادعى أمرا قبل سنين المستغاث فهو مفتر كذاب ، اقتلوه حيث ثقفتموه ، وإذا ظهر بعد هذه المدة من  يظهره الله ، وأتى بآيات ،وادعى أمرا جديدا ،  فلا يعارض ولا يمانع في قوله ،   لأن المعارضة والمخالفة في أمر هذا الرجل ،مما يحزن الباب ).(17) . وأكتفي بهذه الشذرات الموجزة عن شريعة الباب ، ليقاس على المذكور ما أهملنا ذكره  .

المبحث الثاني  :

المطلب الأول: نشأة البهائية :

البهائية  نحلة ورثت البابية ، لتعبد من دون الله  : حسين علي بن الميرزا عباس المازنداني ، الملقب بالبهاء .  عرف البهاء البابية على يد أحد دعاتها في طهران ، فوقع في حبائلها ،حتى أصبح من كبار دعاتها . ولما دبر البابيون مكيدة لاغتيال الشاه ناصر الدين ، تبين للحكومة الإيرانية أن للبهاء وإخوانه يدا في تدبير هذه المكيدة الفاشلة ، فأودعوهم السجن ريثما يصدر الأمر بالقصاص منهم ، إلا أن تدخل القنصل الروسي ، والسفير الإنجليزي لدى الشاه ، حال دون ذلك ، فصدر الأمر بنفيهم إلى بغداد .وقد صرح  بهاء الله  بأنه لم ينج من الأغلال والسلاسل إلا بجهود قنصل الروس ، فقال في سورة الهيكل : ( يا ملك الروس : ولما كنت في السلاسل والأغلال في سجن  طهران  نصرني سفيرك )(18)  .

  وكاد البهاء بدهائه وبمساعدة بعض البابيين ، فرض زعامته على من تبقى من البابيين  لولا  حادث ذهب بأمانيه أدراج الرياح ، وهو نفي البابيين من بغداد إلى القسطنطينية  التي لبثوا فيها أربعة شهور ، ثم صدر الأمر بنفيهم إلى  ( أدرنة ) وتسمى عند البهائيين بـ ( أرض السر ) ، وفي أدرنة جهر البهاء بالدعوة إلى نفسه ، فتابعه قوم ، وعارضه آخرون ، وخشيت دولة الخلافة أن تضطرم بـ ( أدرنة ) نيران الفتنة والثورة ،  فاتفقت وسفير الشاه على تغيير منفى القوم ، فنفت   (  البهاء )ومن تبعه إلى مدينة ( عكا )  في فلسطين المحتلة ، وسجنتهم في قلعتها ، ونفت  معارضيه إلى جزيرة قبرص ، وسجنتهم في قلعة  ( فاماغوستا)  ،  ولم يلبث أن قوي بالتالي أمر   ( البهاء ) وامتد نفوذه ، فكبرت مزاعمه ، إذ بعد أن كان يدعي أنه خليفة الباب ، أصبح يزعم أنه المهدي ، ثم ادعى النبوة ، فالرسالة ، فالربوبية  والألوهية ، واستمر سادرا في غيه وضلاله  ، إلى أن هلك في الساعة الثانية بعد منتصف يوم السبت ثاني ذي القعدة سنة 1309هـ الموافق  لـ  28 / 5 / 1892م ، فخلفه ولده الأكبر :   الميرزا عباس ، الذي تلقب في حياة والده بـ ( غصن الله الأعظم ) ، وبعد هلاك أبيه بـ ( عبد البهاء ) ، ولم يمض وقت طويل ،حتى غير عبد البهاء أحكام شريعة أبيه ، وادعى النبوة ، فالربوبية ، حتى  أن  أخاه : ( الميرزا محمد علي ) أنكر عليه ذلك أشد الإنكار، ورماه بالكفر والمروق  من دين البهاء ، فانقسمت البهائية  إلى فريقين : فريق سمي بـ  ( الناقصين ) ويرأسهم الميرزا محمد علي ، وسمي الفريق الآخر بـ ( المارقين ) ، ويرأسهم عبد البهاء  ( الميرزا عباس )  الذي استطاع الظهور على أخيه ، بمساعدة بريطانيا ، والحركة الصهيونية ،  فأصبح أداة طيعة في أيديهم .(19)

المطلب الثاني :         شذرات من أحكام شريعة البهاء

                     يزعم البهاء كسلفه الباب ، أن شريعته ناسخة لما سبقها من الشرائع ، ولشريعة الباب كذلك ، بل أنشأ دينا جديدا هو مزيج عجيب من العقائد السماوية والوضعية ، كحل وسط بين الأديان ، وكطريقة عملية لإشاعة السلام في الأرض كما يدعي ، ففي البهائية آيات من القرآن الكريم ، ونصوص من التوراة والإنجيل ،    واقتباسات من الهندوسية ، والكونفوشيوسية ، والبوذية ، ويؤولون هذه الاقتباسات   بما تقتضيه ديانتهم الجديدة  ، التي وصفوها بأنها لا تنتمي إلى ديانة معينة بالذات ، ولا هي فرقة أو مذهب ، وإنما هي دعوة إلهية جديدة ، من شأنها أن تختم الدورة السابقة ، أي : الرسالة الإسلامية ، وأن تعطل شعائرها وعباداتها  ، فعقيدتهم تخالف عقيدة لمسلمين في الله ، والرسول ،  والقرآن ، والصلاة ، والصوم ، والحج ، وفي كل الأصول والفروع .(20) ،  وسأورد شذرات من أحكام شريعة البهاء التي دونها في كتابه ( الأقدس ) :

    فقال في الأقدس  عن الصلاة : (  قد فرض عليكم الصلاة  من أول البلوغ أمرا من لدى الله ربكم ، ورب آبائكم الأولين ، من كان في نفسه ضعف من المرض أو الهرم ، عفا الله عنه فضلا من عنده ، إنه لهو الغفور الكريم . ومن لم يجد الماء يذكر خمس مرات ( بسم الله الأطهر ) ثم يشرع في العمل ، هذا ما حكم به  مولى العالمين .   وقد عفونا عنكم صلاة  الآيات _ أي : صلاتي الكسوف والخسوف – إذا ظهرت ، أن اذكروا الله بالعظمة والاقتدار ، إنه هو السميع البصير  . وكتب عليكم الصلاة فرادى ، قد رفع حكم الجماعة ، إلا في صلاة الميت ، إنه لهو الآمر الحكيم .) (21)  وحدد البهاء قبلة البهائيين  في ( الأقدس ) بقوله : ( إذا أردتم الصلاة  ولوا وجوهكم شطري الأقدس ، المقام المقدس -  أي : عكا (22) -  الذي جعله الله مطاف الملأ الأعلى ، ومقبل أهل مدائن البقاء ، ومصدر الأمر لمن في الأرضين والسموات ..)( 23)

وفرض الحج على الرجال دون النساء ، ولهم ثلاث مزارات يقدسونها ويحجون إليها ، الأول : في شيراز ، وهو المكان الذي ولد فيه الباب . والثاني : في بغداد ، وهو المكان الذي جهر فيه البهاء بدعوته . والمكان الثالث : في عكا ، حيث  استقر به المقام ، ودفن بعد هلاكه . يقول في  ( الأقدس ) :       ( وقد حكم الله لمن استطاع منكم حج البيت -  أي مكان إقامته ومدفنه فيما بعد بعكا   -  دون   النساء ، عفا الله عنهن رحمة من عنده ، إنه لهو المعطي الوهاب ) (24)

 وجعل الصيام :   تسعة عشر يوما  في شهر العلاء ، ويكون عيد الفطر عندهم موافقا : لما يسمى بـ ( عيد النيروز ) ، ويوافق كذلمك ما يسميه العالم اليوم :  بـ [ عيد الأم  الموافق ليوم ( 21/ 3  ) من كل عام ميلادي ] .  قال في الأقدس : ( ياقلم الأعلى ، قل يا ملأ الإنشاء : قد كتبنا عليكم الصيام أياما معدودات ، وجعلنا النيروز عيدا لكم بعد إكمالها  . ) (25)

 أما حكم الزكاة عندهم : فقد بينه البهاء في ( الأقدس ) فقال : (  والذي تملك – هكذا – مئة مثقال من الذهب  ، فتسعة عشر مثقالا لله فاطر الأرض والسماء  .  ) ( 26 )  وحرمت البهائية على أتباعها الحهاد ، ولم يوجدها من أوجدها إلا لهذا السبب ، وفرضت على أتباعها الدعوة إلى السلام ، وعدم اللجوء إلى الحرب والقتال ، بأية صورة من الصور وأكتفي بما أوردته من أحكام شريعة البهاء ، وهي غيض من فيض ، لا يتسع لها مثل هذا البحث .

الفصل الثاني

معنى التأويل ، شروط التأويل الصحيح المقبول، وسمات التأويل الفاسد المردود

من المقرر لدى أهل العلم : أن الأصل هو إبقاء النصوص على ظواهرها ، لتدل على معانيها التي وضعت لها في اللغة ، ولكن تأويلها ، بصرفها عن معناها الحقيقي إلى معناها المجازي ،أو الكنائي، لا يخالف فيه عالم له دراية بالكتاب والسنة  ، بشرط أن لا يحدث ذلك  إلا بدليل ، أو بقرينة توجب صرفه عن معناه الأصلي ، وإلا بطلت الثقة باللغة ، ودلالاتها ، فإذا وجد الدليل أو القرينة ، جاز لنا  صرف اللفظ عن ظاهره الصريح إلى معنى يحتمله اللفظ  ، وتدل عليه دلالات اللغة  ، ومن الحقيقة إلى المجاز ، وإلا فلا .  فالتأويل إذن مقبول إذا دل عليه دليل صحيح من اللغة ، أو من الشرع ،  وإلا كان مردودا على قائله ، ولا اعتبار له . 

المبحث الأول :      معنى التأويل في اللغة ،  ونصوص الكتاب والسنة  ، والاصطلاح  :

المطلب الأول : معنى التأويل في اللغة : - تدور مادة التأويل في اللغة على عدة معان  ، منها   :

1-الرجوع  ، والمآل ، والعاقبة ، والمصير:قال  الأزهري (ت370هـ):( الأول : هو الرجوع . والأيل -  على وزن السيد  -  الذكر من الأوعال ، وإنما سمي أيلا : لأنه يؤول إلى الجبال يتحصن فيها .) (27) 

 وقال ابن فارس  ( ت395هـ):: أول الحكم إلى أهله : أي : أرجعه (28)، ورده إليهم . (29) 

وقد جمع ابن منظور ( ت711هـ) كل ما يتصل بمادة ( أول ) ومشتقاتها ، وما استعملت فيه من معاني ، فمن ذلك قوله : [ ألت عن الشيء : ارتددت عنه ، والأول : الرجوع . وآل الشيء يؤول أولا ومآلا : رجع . وقال أبو عبيدة  ( ت209هـ) : التأويل : المرجع والمصير . وأول الكلام ، وتأوله : دبره ، وقدره . ( وأوله وتأوله – أي الكلام - : فسره  .  ](30)

2- التفسير ، والتدبر ،  والبيان : قال ابن جرير الطبري ( ت310هـ) : ( وأما معنى التأويل في كلام العرب فإنه : التفسير والمرجع والمصير . ) (31)        وقال الأزهري: [قال الليث  : التأول والتأويل : تفسير الكلام الذي تختلف معانيه . ] (32)

وقال الجوهري ( ت400هـ) : ( التأويل : تفسير ما يؤول إليه الشيء . ) (33)

ومما سلف  يمكننا اختصار معاني  التأويل في اللغة في معنيين هما : المرجع  والعاقبة ، والتفسير والبيان .                               المطلب الثاني : الاستعمال القرآني  لكلمة التأويل

وردت  كلمة ( تأويل ) سبع عشرة مرة  في عدة سور قرآنية كريمة ، وسألتزم في ذكرها حسب ترتيب السور في القرآن الكريم كما يلي :

أ – قال تعالى في سورة آل عمران : ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب . ) (34)    ففي هذه الآية نجد أنه سبحانه قد ذكر المتشابه في مقابلة المحكم ، وجعل ابتغاءهم الفتنة والتأويل ، خاصا بالمتشابه ( 35) دون المحكم (36)

         [ وعلى هذا يمكننا أن نفهم أن المراد من المحكم من الآيات هو : ما لا يمكن التلاعب بفهمه على غير ما يراد منه  ، لأن معناه لا يحتمل التوجيه حسب الأهواء ، وذلك كقوله تعالى : ( وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد ) ( 37) . كما يمكننا أن نفهم أن المراد بالمتشابه من الآيات  ، هو : ما له  أفراد من المعاني يشبه بعضها بعضا  ، ويحتملها ظاهره ،  وذلك هو الذي يجعلهم  يتوجهون إليه ليؤولوه ابتغاء الإفساد لعقائد الناس ، وهذا كقوله تعالى : ( وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ..الآية ) (38) فإن  أهل الزيغ من الكفار  يأخذونه على ظاهره دون الرجوع إلى الأصول المحكمة في القرآن التي تبين حقيقة المراد منه ، فيقولون : الله روح ، والمسيح روح منه ،فهو من جنسه ،وجنسه لا يتبعض فهو هو ، أي : فعيسى   هو الله ،ولا يرجعون إلى الأصل المحكم الذي يبطل مثل هذا التأويل ، وهو قوله تعالى:( لم يلد ولم يولد ) (39)      ومعلوم أن عيسى ابن مريم  – عليه السلام – مولود ، فكيف يكون هو الله ..؟ ] (40)

 قال ابن كثير : (  وابتغاء تأويله : أي : تحريفه . وعن مقاتل ، والسدي : يبتغون أن يعلموا ما سيكون ، وما عواقب الأشياء … وقال عند تفسيره قوله سبحانه : ( وما يعلم تأويله إلا الله ) : ومن العلماء من فصل في هذا المقام فقال : التأويل يطلق ويراد به معنيان : أحدهما : التأويل بمعنى معرفة حقيقة الشيء ، وما يؤول أمره إليه . والمعنى الآخر : هو التفسير والبيان ، والتعبير عن الشيء ) (41)  فإذا كان التأويل بمعنى بيان المرجع والعاقبة ، ورد النص إلى صورته المادية الخارجية ، وتحديد ما تؤول إليه حقائق الآيات من الكيفيات ،  والتفاصيل العملية ، فهذا خاص بالله تعالى ، ولا يعلمه الراسخون في العلم ، ولا يدركون حقيقته ، ومآله ، وعاقبته ، ويسلمون بعجزهم عن ذلك ، ويعلنون إيمانهم به  ، ويقولون : (  آمنا به كل من عند ربنا ) (42) فتكون الواو : استئنافية ، ويكون الوقوف على لفظ الجلالة ( الله ) واجبا . أما الذين في قلوبهم زيغ فإنهم يتبعون هذا المتشابه بهدف تأويله ، وإثارة الفتنة ، والشبهات ، فضلوا وأضلوا .

وعندما نحمل التأويل على هذا المعنى ، فإننا نجده يتفق مع معنى التأويل المذكور في السور الأخرى وهو : رد الأشياء إلى حقائقها المادية ، وإرجاع الأمور إلى صورتها العملية ، وتحديد العاقبة ، والنهاية الواقعية للأخبار والوعود ، وبيان ما تؤول إليه فعلا ، وتستقر عليه واقعا .

وإذا كان التأويل بمعنى التفسير والبيان : فالراسخون في العلم يعلمون المتشابه ، فرسوخهم في العلم وتمكنهم منه ، أوجد عندهم ملكة في تفسير القرآن وتأويله ، ففهموا آياته المحكمات ، وأحسنوا تأويل آياته المتشابهات ، بإرجاعها إلى أمها من الآيات المحكمات ، وبذلك أحسنوا استخراج دلالاتها ، ومعرفة معانيها وحقائقها .

وعلى هذا المعنى للتأويل : تكون الواو في قوله ( والراسخون ) حرف عطف ، ويكون الوقف على ( العلم ) . وتكون جملة ( يقولون آمنا به كل من عند ربنا ) جملة حالية .

وممن ذهب إلى هذا المعنى للتأويل واعتبر نفسه ممن يعلم تأويل المتشابه : ابن عباس -  رضي الله عنهما   – فقال : [ أنا ممن يعلم تأويله . وقال مجاهد : ( والراسخون في العلم ) يعلمون تأويله ، ويقولون آمنا به .   وقا ل محمد بن جعفر بن الزبير : والراسخون في العلم يقولون آمنا به ، ثم ردوا  تأويل المتشابه  على ما عرفوا من تأويل الآيات المحكمة  التي لا تأويل لأحد فيها إلا تأويل واحد ، فاتسق بقولهم الكتاب ، وصدق بعضه بعضا ، فنفذت به الحجة ، وظهر به العذر ، وانزاح به الباطل ، ودفع به الكفر ] (43).

ب – قال تعالى في سورة النساء : ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ) (44)     




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home