دراسات هامة

 

طائفة القاديانية وتأويلاتها الباطنية لآيات القرآن الكريم

د. سامي عطا



طائفة القاديانية

وتأويلاتها الباطنية لآيات القرآن الكريم

د. سامي عطا حسن

جامعة آل البيت  - المفرق

المملكة الأردنية الهاشمية

ملخص

تموج المجتمعات البشرية بظواهر فكرية ، وعقدية ، وتيارات سياسية ، متعددة المناهج ، والأساليب ، ومختلفة المناحي والاتجاهات ، ومتنوعة الأغراض  والأهداف . ويجيئ هذا التباين طبقا لاختلاف العوامل التي ساعدت على ظهور هذه التيارات والظواهر ، ودفعت إلى ظهورها وتكوينها  .  فخصصت  هذه الدراسة  لإلقاء بعض الأضواء على ظاهرة من هذه الظواهر ، أعني بها  طائفة القاديانية الباطنية ؛ لبيان حقيقتها ، وتأويلاتها المنحرفة لآيات القرآن الكريم ، والفرق الباطنية عموما تعد بذرة من البذور التي غرستها فرقة السبئية في العالم الإسلامي وهدفها جحد الشرائع ، وتعطيل النصوص بالتأويلات الباطنية الفاسدة ، ولم أجد من أفرد تأويلات هذه الطائفة البحث ، إنما تحدث الكاتبون عنها حديثا مبتسرا كفرقة من الفرق الضالة المنحرفة ، فحفزني ذلك إلى كتابة هذا البحث  لكشف حقيقتها للدارسين .

Qadyaniyyah and its latent interpretations of Holy Koran verses

Dr . Sami Ata  Hassan

AL  -Albayt university –AlMfrak

The Hashemit Kingdom of Jordan

BSTRACT

The human societies are burdened with enormous ideologies, doctrines and political views that have different methodologies for different reasons and purposes. This diversity comes according to the different factors that worked as a catalyst in promoting these ideologies and doctrines to prosper and grow. Therefore I dedicated this study to research a few of them and in particular the Cult of the “Kadianiya” to shatter the myth that surrounds it. Hence revealing their twisted ascription of the Holy Koran will benefit those who seek the truth. . In general these mysterious cults are to be considered an evil seeds, which have been sawn in the house of Islam by the “Sapiens” cult in order to undermine the divine revelations and twist its texts with depraved interpretations. I yet have to find any one who profoundly embarked with expansion on the exposition of this sect therefore I find

myself motivated to unravel the truth and reveal it to the seekers.

 

طائفة القاديانية وتأويلاتها الباطنية لآيات القرآن الكريم

تمهيد

عندما يكون هناك فراغ فكري في أمة ما ، فإن هذه الأمة تكون نهبا للتيارات الوافدة عليها من كل حدب وصوب  والأمة الإسلامية بفعل عوامل عديدة لا مجال لبسطها في هذا البحث -، عاشت حالة من الفراغ الفكري ، سببه الرئيس : الجهل بحقائق الإسلام  ،  مما مكن لكثير من الفلسفات المادية ، والمذاهب الباطنية ،والفكرية ، والاجتماعية ، والاقتصادية الهدامة ، أن تجد لها مكانا في عقول بعض المسلمين ، وفي ديارهم .    وكانت  طائفة القاديانية   من أبرز هذه الطوائف الخطيرة التي وجدت لها مكانا في ديار المسلمين  ،   ولم تأت بجديد، إنما نبشت ما قبرته الأيام من ضلالات الإسماعيلية   وغيرها من الفرق والطوائف الباطنية الغالية ، وجعلت منها أفكارا لها ،  وخطر هذه الطائفة أشد من خطر غيرها ، لا لأن لأقوالها  وتأويلاتها ، قيمة علمية أو فكرية   ، بل لأنها تتخذ من الإسلام ستارا لتنفث سمومها   ،  فحفزني ذلك على الكتابة في هذا الموضوع   لعل ذلك ينبه الغافلين  ، أو المتغافلين عنها وعن أمثالها ،  فكانت هذه الدراسة .

 وقد جعلتها في تمهيد، وثلاثة فصول ، وخاتمة ، على النحو التالي :

تحدثت في الفصل الأول  : عن نشأة القاديانية  ، ومراحل تطورها  ، وذكرت شذرات من عقائدها ، وشرائعها . وضمنته أربعة مباحث على النحو التالي :

تحدثت في المبحث الأول : نشأة طائفة القاديانية .

وتحدثت في الثاني   : عن القاديانية في عهد مؤسسها .

وتحدثت في الثالث : عن القاديانية بعد غلام أحمد القادياني .

وذكرت في المبحث الرابع  : شذرات من عقائد القاديانية وشرائعها .

وتحدثت في الفصل الثاني  : عن معنى التأويل ، وشروط التأويل الصحيح المقبول ، وسمات التأويل الباطني الفاسد ، وضمنته ثلاثة مباحث   على النحو التالي :

بينت في المبحث الأول : معنى التأويل في اللغة ، وفي الاصطلاح  .

وبينت في المبحث الثاني  : شروط التأويل الصحيح المقبول ، وسمات التأويل الباطني الفاسد المردود

وبينت في المبحث الثالث : جذور التأويلات الباطنية .

وفي الفصل الثالث : ذكرت نماذج لتأويلات طائفة القاديانية، وبينت بطلانها .

وبينت في الخاتمة أهم ما توصلت إليه الدراسة من نتائج . والله ولي التوفيق .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول

طائفة القاديانية .. نشأتها .. عقائدها .

المبحث الأول :   نشأة طائفة القاديانية :

تنتسب القاديانية للميرزا غلام أحمد القادياني ، المولود في قاديان  في الثالث عشر من شباط عام 1835م(1)،  وكانت أسرته على جانب كبير من الغنى، إذ كان جده  صاحب قرى وأملاك، وصاحب إمارة في البنجاب، خسرها جده (الميرزا عطا محمد) في حرب دارت بينه وبين (السيخ) الذين دمروا أملاكه وطردوه وأسرته من بلدهم (قاديان) ، ثم أذن لهم الإنجليز بالرجوع إليها عام 1818م، لقاء خدمات عسكرية قدمها لهم والده، وأعادوا إليهم بعض هذه القرى(2). ويذكر الميرزا غلام أحمد ذلك فيقول : [ ففي تلك الأيام صُبّت على أبي المصائب  ونُهبت أموالهم من أيدي الكفرة   ... إلى أن يقول :   ثم ردّ الله إلى أبي بعض القرى في عهد الدولة البريطانية  ] .(3)  

 وكان الإنجليز  يطمعون في  تكوين إمبراطورية لهم لتشغل الفراغ الممتد فيهما بين مصر والهند ،كما كانوا يريدون  استقرار وضعهم  في الهند-درة التاج البريطاني- ، وهذه المناطق يشغلها   المسلمون ،  وعداوة المسلمين لهم  : تاريخية ... جغرافية ...  نفسية... ، وتلك أصعب العداوات وأعمقها وأعصاها على التوفيق والنسيان..... .فقد جاء أسلافهم الصليبيون إلى هذه الديار.....   واستولوا على بلاد الشام.... وهزموا المسلمين شر هزيمة ... وارتكبوا أبشع المجازر ....وكانوا أول من ابتدع إجلاء المسلمين عن ديارهم   ، وساروا على ذلك أيضاً في جميع حروبهم مع المسلمين ، وكانوا يظنون أن الأمر قد استتب لهم وأنه لن تقوم للمسلمين قائمة ... ولكن المسلمين ظلوا مصممين على إخراجهم من ديارهم.... فدينهم يفرض عليهم  ذلك ... وبالرغم من مكوثهم مدة تقارب القرنين من الزمان أقاموا خلالها ممالك وإمارات في بلاد الشام ... إلا أن  المسلمين استطاعوا في النهاية أن يتغلبوا عليهم ويطردوهم من ديارهم شر طردة... وقد بحثوا عن السر في ذلك فوجدوه في الإسلام  ... وأن عقيدته هي منشأ هذه القوة العظيمة في المسلمين.....ولو كان المسلمون قوة سياسية ليس إلا....لهان خطبهم على الاستعمار بجميع أنواعه.... ولكنهم قوة روحية...  تندفع كالسيل إذا اندفعت ... وتستقر كالصخر إذا سكنت.. وتفارقها قدرتها على الغلبة والسيادة حيناً ...ولكن لا تفارقها قدرتها على الصمود والثبات...لذلك لا بد من تفتيت هذه القوة....وهذا ما أجمعت عليه القوى الاستعمارية .

  والسبب الذي جعل المستعمرين الانجليز  يفكرون في إيجاد القاديانية  ، والروس في إيجاد البابية ، ثم البهائية ،   يتلخص في أن الاستعمار البريطاني عندما بدأ يركز احتلاله المستبد في شبه القارة الهندية ، والتي استظلت براية الحكم الإسلامي بضعة قرون  ،  جوبه بمعارضة عنيفة من حركات الجهاد الإنجليز استطاعوا أن يقضوا عليها وعلى الثائرين بكل عنف وقسوة ، وتمكن المستعمر من تثبيت أقدامه، وأقام نظاماً لحكم البلاد يعتمد على مئات من الخبراء يؤازرهم جيش صغير، وعلى اصطفاء عناصر تدين لهم بالولاء السياسي والفكري ، وجعل المستعمر نصب عينه هدف القضاء على كل أثارة من حمية الجهاد في قلوب المسلمين ، فاستقدموا طوائف المبشرين وملأوا بهم أرجاء الهند ، يسرقون عقائد الناس ويزلزلون نفوسهم بالشكوك والريب ، وكانت معارك حامية تلظى المسلمون بنارها في المجال الفكري  ،  وكان رد المسلمين على ذلك أن أصبحت نغمة الجهاد ضد الإنجليز على كل لسان ، وشغل كل عالم، وأصبحت المنشورات تكتب وتوزع ، والعلماء من الناس وغيرهم يطوفون المدن والقرى لهذا الغرض.  . وهكذا أصبحت عقيدة الجهاد عقبة كأداء في وجه المطامع الاستعمارية في الهند وغيرها من بلدان العالم الإسلامي  .

وكانت روسيا قد فعلت نفس الشيء في فارس ... إذ بدأ التدخل الروسي في الهضبة الإيرانية في عهد بطرس الأكبر ، وكانت بلاد فارس آنذاك تكابد فتناً  وانقسامات داخلية  ، ومطامع الروس في إيران وغيرها بدأت منذ عهد (بطرس الأكبر)  ، الذي طمع بعد مقتل (نادر شاه) في وراثة إمبراطوريتة إلا أنه أخفق في ذلك ، لكنه لم ينس قبل موته أن يضع  لمن بعده خطة استعمارية ليسيروا  عليها ، فقد أوصى خلفاءه أن يتقدموا بحدودهم ما استطاعوا إلى القسطنطينية من جهة، وإلى الهند من جهة أخرى  ، وأن يقيموا لهم قواعد برية وبحرية على البحر الأسود  ، وأن  يسرعوا  إذا دبّ الانحلال في جسم بلاد فارس بالتوغل فيها حتى يصلوا إلى الخليج العربي، إلى المياه الدافئة ..... والذي دفع المستعمرين لإيجاد هذه الفرق البابية والبهائية والقاديانية , يقينهم التام بأنهم لن يستطيعوا حكم بلاد يؤمن أهلها بالجهاد ، ويعتبرونه ركنا سادساً من أركان الإسلام, ففكروا بصورة جدية في رسم المخططات للقضاء على هذه العقيدة  ،  من خلال رجال ربوهم على أعينهم، وأرضعوهم لبان حبهم  ، فكانوا  عند حسن ظن سادتهم بهم ..  فها هو الغلام القادياني يقول في كتابه ترياق القلوب ما نصه: ( لقد قضيت معظم  عمري في تأييد الحكومة الإنجليزية ونصرتها, وقد ألفت في منع الجهاد ووجوب  طاعة أولي الأمر الإنجليز من الكتب والإعلانات والنشرات ما لو جمع بعضها إلى بعض لملأ خمسين خزانة, وقد نشرت معظم هذه الكتب في البلاد العربية: مصر والشام وتركيا ، وكان هدفي هو أن يصبح المسلمون مخلصين لهذه الحكومة )(4).   وقال في رسالة أخرى:( لقد ظللت منذ حداثة سني وقد ناهزت الآن على الستين أجاهد بلساني وقلمي، لأصرف قلوب المسلمين إلى الإخلاص للحكومة الإنجليزية، والنصح لها، والعطف عليها، وأُلغي فكرة الجهاد التي يدين بها بعض جهالهم ،والتي تمنعهم من الإخلاص لهذه الحكومة )(5)

كذلك فعل الباب والبهاء من بعده إذ قال البهاء (حسين علي المازنداني )  زعيم البهائية ما نصه:"البشارة الأولى التي منحت في هذا الظهور الأعظم  لجميع أهل العلم محو حكم الجهاد من الكتاب "(6)  .

 ثم تلقف اليهود كلتا الحركتين : القاديانية والبهائية، منذ أن نشطوا  لتأسيس وطن قومي لهم في فلسطين منذ القرن التاسع عشر تقريباً ،  فاحتضنوا أمثال هذه الحركات :  البابية ، والبهائية  ، والقاديانية ، لتدعوا إلى إبطال ونسخ الجهاد عند المسلمين ، وبلبلة عقائدهم ،   فشجّعوا البهائية واحتضنوا طاغيتها عباس عبد البهاء  ،   وجعلوا مدينة عكا في فلسطين المحتلة كعبة للبهائيين المبثوثين في بقاع شتى، وربطوهم بفلسطين المحتلة روحيا  ... بيد أن اليهود لم يكتفوا بالبهائية فلا بد من استقدام القاديانية إلى فلسطين كي تشارك في صُنع الشتات العربي  الإسلامي، وتمهد للوجود اليهودي, فقدم الخليفة الأحمدي الثاني بشير الدين محمود احمد ابن مؤسس الجماعة عام 1924م  إلى فلسطين عن طريق حيفا  ، وحضر معه المبشر الأحمدي جلال الدين شمس ، وفي مدينة حيفا بشّر بدعوة  المهدي زمناً ،  حتى تسنى له الاتصال بأهل  الكبابير  على قمة جبل الكر مل ، فأسس مركزا  للجماعة، وأقام مركزاً تبشيرياً عام 1929م ،  و عاد جلال الدين شمس  الى قاديان  عام 1931م ، وقد تبع ذلك بناء أول مسجد للجماعة هناك سنة 1934،  ثم أضيف إليه ( دار التبليغ  ) ، بعدها وصل الى فلسطين  أبو العطاء الجلندهري حيث مكث حتى العام 1936في الكبابير ، وهو الذي أكمل بناء مسجد سيدنا محمود- فيها وأسس مجلة

 ( البشارة  ) التي تحولت إلى  (البشرى ) الحالية ، وهي المجلة الأحمدية القاديانية الوحيدة  في الديار العربية  ،والتي لا تزال تصدر في فلسطين المحتلة إلى وقتنا الحاضر  ، . ثم أعادوا بناء المسجد الذي يعرف بمسجد-سيدنا محمود- عام1979م ، وتضم قرية الكبابير قرابة ال3000 نسمة معظم سكانها من أتباع الأحمدية .

ولم يكن هؤلاء فقط هم الذين حاولوا نشر مبادىء الجماعة بين العرب فهناك محمد سليم الهندي الذي خدم الجماعة في فلسطين من العام 1936 حتى 1938وتراس تحرير مجلة البشرى ثم شودري محمد شريف والذي بقي زهاء 18 عاما في البلاد العربية ، كذلك جلال الدين قمر الذي حضر للبلاد العربية عام 1954 وعمل رئيسا لتحرير البشرى ومديرا للمدرسة الأحمدية في حيفا وفضل الهي بشير الذي حضر أواخر السبعينات للمنطقة وألف كتبا بالعربية تطرق فيها الى المسائل الخلافية وغلام احمد الذي وصل الى عدن وأسس بها الجماعة الأحمدية عام 1949 وغيرهم . مما يبين  بجلاء اهتمام الجماعة الأحمدية بالانتشار في العالم العربي والانطلاق نحو هذا العالم عبر فلسطين ورغم تمحورها في الكبابير بحيفا في فلسطين إلا أن هناك انتشارا محدودا لها في الضفة وغزة  ، لكن هل ستمنع فتوى الشيخ شوبا ش الأحمدية من الانتشار في فلسطين   ؟ أم ستكون فلسطين جسرا لعبور الأحمدية الى العالم العربي؟ هذا في علم الغيب وسيجيب عليه الزمن والتاريخ.(7).

المبحث الثاني :  القاديانيّة في عهد مؤسسها

يكاد يُجمع الذين كتبوا في القاديانيّة، وتاريخها وتطورها، أنّ دعوة الميرزا غلام أحمد قد مرّت بمراحل  ثلاث هي :

المرحلة الأولى: مرحلة الدعوة إلى الإسلام وجدال الخصوم ودعوى التجديد :

وقد استمرّت هذه المرحلة بين عام 1879م وعام 1891م (8)  ، و "في هذه المرحلة ادّعى الميرزا أنّه مُصلح و مجدّد وأنّه مأمور من الله لإصلاح العالم ،و الدعوة إلى الإسلام .   وكان نشاطه في هذه المرحلة يأخذ أشكالاً ثلاثة هي : المناظرة، وتجميع الأتباع، والكتابة (9).

المرحلة الثانية: مرحلة ادعاء أنه المسيح الموعود :  

وقدْ ابتدأت هذه المرحلة سنة 1891م،  "حيث أعلن أنه المسيح الموعود الذي ذكره القرآن الكريم ونصت عليه أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -  ، وأنّه المصلح الذي تنتظره جميع الأقوام والأمم منذ ثلاثة عشر  قرناً"(10)  ،  ويقسم الميرزا نفسه على هذه الدعوى بقوله "والله أني أنا المسيح الموعود وأعطاني ربي سلطاناً مبيناً"(11).

المرحلة الثالثة: ادعاء النبوة :    

ربما تكون هذه المرحلة هي التي أدّت إلى ظهور القاديانيّة وانتشار أمرها  ،  و ثمّة اتجاهٍ  آخر ينفي أنّ يكون الميرزا قد ادّعى النبوة، ولكن عند مناقشة أقوال أصحاب هذا الاتجاه لا نجد فيه ما يقوى على نفي نسبة دعوى النبوّة إلى الميرزا، و هناك اتجاه ثالث يثبت أصحابه نسبة دعوى النبوّة إلى الميرزا، ولكنّهم يدافعون عن فكرته ويوضحونها بما يشعر أنها منسجمة مع ثوابت العقيدة الإسلامية.

المبحث الثالث: القاديانية بعد غلام أحمد القادياني :  

توفي الغلام القادياني في السادس والعشرين من شهر مايو سنه 1908م ،  فخلفه الحكيم نور الدين ،  وهو الذي اقترح على الغلام القادياني الادعاء بأنه المسيح الموعود الذي أخبرت عنه الأحاديث النبوية بنزوله آخر الزمان وبويع بالخلافة بعد وفاه الغلام أحمد القادياني ..ولقب بالخليفة الأول. واستمر بالخلافة إلى أن توفي في 13مارس 1914م ،ليخلفه  [بشير الدين محمود ] ابن مؤسس الأحمدية ، وبقي في منصبه حتى وفاته عام 1965 ، ثم خلفه [الميرزا ناصر أحمد ]المتوفى عام 1982 ، ثم تلاه  [الميرزا طاهر أحمد ]  ، الذي توفي قبل أقل من عامين ، حيث انتخبت الجماعة : [مسرور أحمد ]  المقيم في لندن زعيما لها ولا يزال . وقد انقسمت القاديانيّة  بعد وفاة الحكيم نور الدين سنة 1913م إلى شعبتين ، أو فرعين:

الأولى :  تسمى: الجماعة اللاهورية ، وهي  بزعامة محمد علي اللاهوري ..

والثانية  : تسمى: الجماعة القاديانيّة ، وهي بزعامة الميرزا بشير الدين محمود . (12).

الشعبة الأولى: جماعة محمد علي اللاهوري    : 

يذكر أصحاب هذه الشعبة  سبب الانقسامَ بقولهم "وفي أثر وفاته [يعني نور الدين] نتجت خلافات في العقائد أثارها (  الميرزا بشير الدين  ) نجل الميرزا غلام أحمد المؤسس، بادّعائه أنّ والده نبيّ ،  فانبنى على هذا الخلاف أنْ انقسمت الجماعة  إلى قسمين، سُميّت أوّلهما الجماعة القاديانيّة، ومركزها في قاديان، والأخرى الجماعة الأحمديّة بلاهور، عاصمة بنجاب الهندية، وتولّى رئاستها مولانا محمد علي"(13)، و من أهم معتقدات هذا الفرع: أنّهم لا ينكرون الإلهامات الإلهيّة للميرزا غلام أحمد، ويذكرون أنّ ما أُثر عنه صراحة في دعواها، إنّما هيَ تعبيرات مجازية ، ومع ذلك يطلقون عليه ألقاب: مجدد القرن الرابع عشر الهجري، والمسيح الموعود (14).

الشعبة الثانية: جماعة الميرزا بشير الدين محمود :     و أصحاب هذه الشعبة يتشبثون بقوّة وصراحة بعقيدة نبوّة الميرزا غلام أحمد، و يدافعون عن هذه العقيدة بحماسة، وبلا مواربة ولا تأويل.

وكلتا الشعبتين تتسميان بالأحمديّة، إلا أنّ أصحاب إحدى هاتين الشعبتين انتسبوا إلى اسم مؤسس الجماعة، فتسمّوا بالأحمدية، والآخرون انتسبوا إلى بلده ،  فتسموا بالقاديانيّة، "وكلتاهما تعتبران إلهـــام ووحي الميرزا المدّعى به- حجّةً شرعيّة يجب إتباعها، ويصدّقون بكل ما جاء به الميرزا من هذا القبيل.   وكذلك فإنّ الجماعة اللاهورية وإنْ كانت تُصرّح بأنّها لا ترى الميرزا نبيّاً بل مجدداً، إلا أنّها تعني من لفظ (المجدد) عين ما تقصد به جماعة بشير الدين محمود من لفظ (النبي) (15).

المبحث الرابع :  شذرات من عقائد القاديانية  ، وشرائعها

لست بصدد ذكر كل مفتريات الغلام القادياني.. فذلك يحتاج إلى كتاب مستقل، لكني سأذكر منها ما يكفي لوضع النقاط على الحروف لبيان حقيقتها ،    وقد نشر الأستاذ الفاضل أبو المكارم محمد عبد السلام المدرس بالكلية العربية في بلدة كرنول في أعمال مِدارس بالهند نتفاً من عقائد هذه الطائفة ومفترياتها في مجلة (الصراط المستقيم الغراء الصادرة بتاريخ 21 شوال 1351هـ ) - مستلّة من كتب الغلام القادياني -          جاء فيها :

عقيدته في الله تعالى : ( إن الله ذو طول وعرض وله أرجل وأيد ولا تحُصى وأيضاً له أعصاب وأوتار كالسلك البرقي ممتد في الجهات ) (16)   و( إن الله بعد أن كشف لي الغطاء كان يمازحني مراراً ) (17)

عقيدتة في الأنبياء عامة : (أعطي كل الأنبياء حياة بمجيئي ،وكل واحد من الرسل مستور تحت قميصي ) (18)

عقيدته في القرآن الكريم :  ( القرآن كلمات الله وكلمات لساني ) (19)  .

عقيدته في الأحاديث النبوية : (  الأحاديث التي تخالف إلهامي تستحق  أن نلقيها مع الأوراق الرديئة في سلة المهملات  ) (20) .

عقيدته في الملائكة :( لا تتنزّل الملائكة ولا ملك الموت إلى الأرض أبداً ، وما الملائكة إلا اسم لحرارة الروح ) (21)   . عقيدته في القيامة : ( القيامة ليست آتية و التقدير ليس بشيء ) (22) .

عقيدته في الحج :      ( بعد ظهوري تحوّل مقام الحج إلى قاديان ) (23) .

عقائده في عيسى وأمه عليهما السلام :  ( كان يشرب الخمر وكان عدو الصدق متكبراً أكّالاً يدعي الألوهية مجتنباً العبادة و الزهد غاية الاجتناب ) (24) .وقال : (كانت ثلاث من جداته لأبية   كذا وثلاث  من جداته لأمه بغايا وزانيات ...؟! ) (25)

الفصل الثاني

معنى التأويل ، وأنواعه ، وشروط التأويل  المقبول ، وسمات التأويل الباطني المردود

المبحث الأول :   معنى  التأويل في اللغة ، ونصوص الشرع ، وفي الاصطلاح .

المطلب الأول : معنى التأويل في اللغة : - تدور مادة التأويل في اللغة على عدة معان  ، منها   :

1- الرجوع  ، والمآل ، والعاقبة ، والمصير:   قال ابن الأعرابي ( ت230 هـ):

[ الأول : هو الرجوع .]  (26) .

وقال ابن منظور ( ت711هـ) :[  الأول : الرجوع . وآل الشيء يؤول أولا ومآلا : رجع . ](27)

2-  التفسير ، والتدبر ،  والبيان : قال ابن جرير الطبري ( ت310هـ) : [ وأما معنى (التأويل في كلام العرب فإنه : التفسير والمرجع والمصير . ] (28) .  وسئل أبو العباس ثعلب ، أحمد بن يحيى (ت 291هـ) عن التأويل ، فقال :[ التأويل والتفسير بمعنى واحد .]( 29) 

وقال ابن فارس : ( ت 395هـ) : [ معاني ألفاظ العبارات التي يعبر بها عن الأشياء  مرجعها إلى ثلاثة ، وهي : المعنى ، والتفسير ، والتأويل ، وهي وإن اختلفت ، فإن المقاصد بها متقاربة . ] (30) ومما سلف  يمكننا اختصار معاني  التأويل في اللغة في معنيين هما : المرجع  والعاقبة ،والتفسير والبيان .

المطلب الثاني : الاستعمال القرآني  لكلمة التأويل :

وردت  كلمة ( تأويل ) سبع عشرة مرة  في عدة سور قرآنية كريمة ، وسألتزم في ذكرها حسب ترتيب السور في القرآن الكريم .. كما يلي :

أ قال تعالى في سورة آل عمران :  ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب . ) (31)

 [ ففي هذه الآية ذكر سبحانه  المتشابه في مقابلة المحكم ، وجعل ابتغاءهم الفتنة والتأويل خاصا بالمتشابه  (32)  دون المحكم (33) ... وعلى هذا يمكننا أن نفهم أن المراد من المحكم من الآيات هو : ما لا يمكن التلاعب بفهمه على غير ما يراد منه ، لأن معناه لا يحتمل التوجيه حسب الأهواء . وذلك كقوله تعالى :( وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد ) (34)  .

كما يمكننا أن نفهم أن المراد بالمتشابه من الآيات  ، هو : ما له  أفراد من المعاني يشبه بعضها بعضا  ، ويحتملها ظاهره ،  وذلك هو الذي يجعلهم  يتوجهون إليه ليؤولوه ابتغاء الإفساد لعقائد الناس ، وهذا كقوله تعالى :

 (  وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ..الآية )(35) ، فأهل الزيغ  يأخذونه على ظاهره دون الرجوع إلى الأصول المحكمة في القرآن التي تبين حقيقة المراد منه ..ويرجعونه إلى المعنى الذي ينطبق على أهوائهم  وتقاليدهم ، ويزعمون أنه حقيقته ،  ويقولون : الله روح ، والمسيح روح منه ، فهو من جنسه ، وجنسه لا يتبعض ،فهو هو ، أي : فعيسى هو الله ،ولا يرجعون  إلى الأصل المحكم الذي يبطل مثل ه




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home