القلم النقدي

 

من جماليات قصيدة الحداثة

خيرة غريبي



مقــال نقــدي

                                        بقلم : خيــرة غريبــي

 

من جماليات قصيدة الحداثة

شقت قصيدة الحداثة عصا الطاعة والولاء للتقاليد الشعرية القديمة ، وجددت في جميع المستويات وأخذت على عاتقها مسؤولية التعبير عن الظروف الحضارية المضطربة إيديولوجيا واقتصاديا واجتماعيا ، كما عبرت عن خفايا النفس الإنسانية في هذا العصر ، عن وعيها ولا وعيها ، عن تخبطها واضطرابها ، ولكن بطريقتها الخاصة والمميزة ، تلك الطريقة التي وسمتها بجماليات ضمنت لها حق التفرد والتميز ، وسمحت لها باكتساب جمهور خاص من المتلقين يتميز بإحساس مرهف ، وذوق خاص، وثقافة عالية ، وتأمل فكري ثاقب.

نقول نحن جماليات في حين أن هناك من النقاد والقراء من اعتبرها مآخذ وعيوبا ونقائصا،  وفي الحقيقة هي سمات جمالية جعلت قصيدة الحداثة مميزة من جميع جوانبها ، فقد انطوت على جانب دلالي ثري ومتنوع ضمنه لها ذلك التوظيف المميز للزخم الكبير من التراث الأسطوري والديني والتاريخي والمكاني ، متخذة منها أقنعة ورموزا للتعبير عن مختلف القضايا والرؤى ، محملة إياها دلالات وإيحاءات عديدة لا يقدر التعبير البسيط أو المركب أداءها ، وذلك باستخدام تكنيكات عالية المهارة في التوظيف، وكأني بها تطبق القول القديم " الشعر لمح تكفي إشارته وليس بالهذر طولت خطبه" ، فقد جسدت قصيدة الحداثة الشطر الأول من هذه المقولة بحذافيره، إذ احتوت على نيازك أسطورية وتراثية رامزة تبرق بالمعنى وتلمح إليه دون الإفصاح عنه بيسر وبساطة ، وقد ساهم هذا التوظيف في نظر مجموعة من القراء والنقاد في إشاعة الغموض والغرابة والإبهام في تلك القصائد وأصبح هذا الجانب الجمالي نقيصة في نظرهم ، وهو يعتبر من أهم جماليات قصيدة الحداثة.

ولنستمع إلى قول الشاعر أدونيس :

-       يا شعر هبه أن يغني مع اليأس

-       ويعتاد على النهار

-       أطفأت البذور في أرضه

-       شموعها واحترقت عشتار [1]

فقد جمع الشاعر هنا بين (عشتار) رمز الخصب والنماء في مظاهر الطبيعة المختلفة ، والفعل (احترقت) الخاص بأسطورة الفينيق رمز البعث الجديد، ليجسد الحياة الجديدة المليئة بالنماء والخير.

وفي قصيدة (لون الماء) نجد الشاعر يجمع بين الرمز المكاني (الرافدين) والرمز الديني (الحسين) فيقول :

-   في الجذور وغاباتها

-       كلمات

-       شهدت جثة الحسين

-       وهي تبكي وتجري مع الرافدين [2].

فاقتران رمز الحق والاستشهاد في سبيله (الحسين) بالرمز المكاني (الرافدين) ، يثبت خلود وحياة هؤلاء الرموز من خلال مبادئهم ونصرتهم للحق ، التي ستستمر استمرار جريان نهري الرافدين.

وإضافة إلى ما وظفته قصيدة الحداثة من رموز تراثية ، نجدها تمتلك قدرة كبيرة على استخدام الرموز اللغوية  وتهييء مناخات وسياقات جديدة ، تجعلها تحمل دلالات جديدة ، وتوحي بمعان مختلفة ، ولا أدل على ذلك من قصيدة السياب في توظيفه الرائع للرمز اللغوي "المطر" ، يقول :

- عيناك غابتا نخيل ساعة السحر

- أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر

إلى أن يقول :    - وقطرة فقطرة تذوب في المطر

- وكركر الأطفال في عرائس الكروم

- ودغدغت صمت العصافير على الشجر

- أنشودة المطر

- مطر...

- مطر...

- مطر...

فالمطر في ضوء المشهد المأساوي ، انتظار حياة ، واستدرار للخير ، إنه رمز البعث : العراق ، الحبيبة والأم وعلامة للموت والظلام لكل الرافضين ، وأدى تكرار لفظة "المطر" ككلمة سياق إلى إضفاء بعد وجداني وجودي ، مقربا بين عناصر التجربة التي يربط بينها الموقف الشعوري الواحد.[3]

ومن جماليات بينتها التركيبية، محاولتها الجاهدة لتوظيف كل الحيل التركيبية المتاحة ، كالتقديم والتأخير والحذف ، والتكرار ، مضيفة إليها الإسنادات الغريبة والغامضة والمكثفة ، ساعية لأن تلفت انتباه القارئ ثم تخيب أفق توقعه ، ليتخبط في الحيرة ، ويشحذ ذهنه للبحث ، يقول البياتي :

-       ذات يوم جاءني

-       يسألني

-       عن الذي يموت في الطفولة

-       عن الذي يولد في الكهولة

-       رويت ما رأيت

-       رأيت ما رويت [4]

فالحيلة التركيبية التي وظفها الشاعر في السطرين الأخيرين وهي قلب التركيب (رويت ما رأيت ) ليصبح (رأيت مارويت) ، أضفت جمالا منقطع النظير للدلالة ولانسجام الأصوات والكلمات.

وذلك ليجسد الشاعر الشيء الواحد الذي لا يختلف في حالتيه الموت في الطفولة ، والولادة في الكهولة  مما يبرز موقفه النهائي في تعامله مع الوجود ، والشاعر هنا لا يملك التفسير والتعليل ، ولا يتدخل إلا في تأكيد ما رأى وما روى وكأن الشاعر يجزم بالنهاية الواحدة والمصير الواحد للإنسان كبر أم صغر تفاوت الزمن في ذلك أم تساوى[5] .

أما حيلة الحذف التي تسهم في جعل النص الشعري غامضا عصيا على الفهم ، فلا يخفى ما فيها من متعة وتشويق لمعرفة المحذوف ، وتعدد تأويلاته ، ومن أمثلة ذلك قول أدونيس :

- لأني حب لأني رحمه

- أظل على الضوء أبني  وتبني

- معي حفنة من حياتي ولقمه[6]

كلنا يعرف أن الفعل (أبني) فعل متعد ، ولكن الشاعر أبى إلا أن يستغني عن مفعوله ويحذفه في السطر  ما قبل الأخير ، ليترك لنا حرية التأويل ، فماذا يبني (بيتا ، ثورة ، أملا ، كفاحا) .؟

إذا عدنا إلى محور التركيب تتراجع المعاني الحقيقية (بيتا) التي يمكن أن تتآلف مع اللفظة (أبني) ، وتتقدم المعاني المجازية لنجد أنفسنا ماكثين فوق الضوء ، ثم لنتخيل ما يمكن أن نبنيه وإذا رجعنا إلى عنوان القصيدة (حجر الضوء) ، وإلى التطور الدلالي للفظة (الحجر) وهو يؤول إلى معنى (المقاومة) يتبين لنا أن المعنى المقصود يؤول إلى المعاني المجازية بما فيها من مقاومة وثورة وكفاح يطلع من خلالها ضوء وأمل في حياة جديدة.

وإذا ولينا وجهنا شطر الصور الاستعارية ، فإننا سنجد العجيب والغريب ، مما يدهش الذهن ، ويخبله إنها القدرة الفائقة على جمع ما لا يجمع ، و البراعة في إنشاء التناسب بين أشياء لا تناسب بينها.

يقول أدونيس :       - ليس إلا أن ننسج الحب رايات

                       - وأن نرفع النفوس منائر [7]

إن هذا الحب لقوي لا تضاهى قوته ، فهي مستلهمة من شدة والتحام وتماسك النسيج الذي يبقى لأمد طويل.

وإذا تحدثنا عن جمالياتها الإيقاعية ، فإن الحديث لذو شجون ، ذلك أن أهم ما أثار الجدل حول قصيدة الحداثة ، هو خروجها الشكلي الإيقاعي عن التقاليد القديمة من شطرين ووزن وقافية ، ورغم محافظتها على التفعيلة وهي أساس الإيقاع الخليلي إلا أنها اعتبرت ناقصة ، واعتبر خروجها عليه ومزجها بين الأوزان خطرا على الشعر العربي ، ولا نرى ذلك إلا تهويلا للأمر دون داع إلى ذلك.

فالتجديد سنة من سنن الحياة ،ومادامت قد حافظت على التفعيلة ، وخلقت إيقاعا منسابا ، فلا ضير في كتابة الشعر في شكل أسطر أو أشطر ، يقول أدونيس :

-       آن يخال ارتمى من جفنك الدمع

-       ينطفئ الشمع [8]

فمن الدال المجهور إلى الشين المهموس ، نجد عملية استبدال رائعة بين الحرفين ، أذنت بانطفاء الشمع وبالتالي حلول السكينة ويزيد التجانس بين كلمتي (الشمع والدمع) الأسطر الشعرية جمالا ورومانسية بحيث يفضي إلى العلاقة المتخيلة بين دمع العيون ودمع الشموع.

فهذا التجانس الذي تنشئه قصيدة الحداثة بين الأصوات والكلمات هو الذي أنشأ لها جمالها الخاص وحساسيتها المفرطة التي تدغدغ مشاعر القارئ وتحركها في جو مفعم بالرقة والعذوبة والرومانسية..

يقول أمل دنقل في مرموزه الأول :

-       أعشق إسكندرية

-       وإسكندرية تعشق رائحة البحر

-       والبحر يعشق فاتنة في الضفاف البعيدة

                   ـــــــــ

-       كل أمسية تتسلل من جانبي

-       تتجرد من كل أثوابها

-       وتحل غدائـرها.[9]

فالتجانس الخلفي الأمامي بيَّـن في (اسكندرية تعشق) و (كل أمسية تتسلل) حيث تنتهي الكلمة الأولى بالتاء وتبدأ الكلمة الثانية بالتاء.

أما طول السطر وتوزع التفعيلات فيه ، فقد خضع وانساق للتدفق الشعوري فأينما أحس الشاعر بانتهاء الدفقة الشعورية فإنه سيتوقف مهما يطول البناء التركيبي حتى يصل إلى ثلاث جمل أو أربع أو يقصر حتى يصل إلى الحرف أو الحرفين.

و قد أفضى ذلك إلى جماليات شكلية تسمح للقصيدة بأن تشاهد بدل أن تقرأ أو تسمع فقط.

يقول صلاح عبد الصبور  [10] :

-         أحس أني خائف

-         وأن شيئا في ضلوعي يرتجف

-          

 

-         وأنني أصابني العي فلا أبيـن

-         وأنني أوشك أن أبكي

-         وأنني

-         سقطت

-         في

-         كمين

إذ نلاحظ أن طول الأسطر يصل إلى الجملتين ويختزل ليصل إلى الحرفين (في) ، وكل ذلك وفقا للدفقة الشعورية التي تتحكم فيه.

وتبقى قصيدة الحداثة تفرض نفسها في الساحة الأدبية بغموضها الموحي ، وجموحها عن الضوابط والقيود بتنوعها وكشفها وانفتاحها على اللانهائي ، فهي باحثة، لغتها ثائرة ، تغوص في الحقيقة الباطنة ، تحمل رؤيا للعالم ، وشكلا من أشكال الوجود قويا لا يقاوم.

وهي تزيد من نسبة جمهورها يوما فيوما ، ذلك الجمهور الذي تحرض ذهنه ووعيه ومخيلته على التساؤل وترقية مستواه الفكري والثقافي ليبحث في أعماق النص الباطنة ويستجلي غموضه ولا يكتفي بما يظهر على السطح.

 

الهـوامش



[1]  أدونيس ، الآثار الكاملة ، دار العودة ، بيروت ، 1971 ، المجلد 1 ، ص75.

[2]  أدونيس ، المرجع نفسه ، ص285.

[3]  مصطفى السعدني ، البنيات الأسلوبية في لغة الشعر العربي الحديث ، منشأة المعارف ، الإسكندرية ، ص72 ، 74 ، 75 ، 76 ، 78

[4]  مصطفى السعدني ، المرجع نفسه ، ص226.

[5] مصطفى السعدني ، المرجع نفسه ، ص226.

[6]  أدونيس ، المرجع نفسه ، المجلد 1 ، ص56.

[7]  المرجع نفسه ، المجلد1، ص 160.

[8]  المرجع نفسه ، المجلد1 ، ص 121

[9]  مصطفى السعدني ، البنيات الأسلوبية ، ص49.

[10]  محمد العبد ، سمات أسلوبية في شعر صلاح عبد الصبور

http://www.jehat.com/ar/salab/page=11a.htm.




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home