دراسات هامة

 

لمسات عقائدية من سورة الزمر

سليم إسحق



السلام عليكم
هذا السورة مكية وهي تتصل في السورة التي تسبها اتصال يكاد لا يخفى على احد حيث قال الله تعالى في (ص) :"إِن هو إِلا ذكر للعالمين" ثم قال هنا: (تنزيل الكتاب من اللَهِ) فكأنه قيل: هذا الذكر تنزيل وهذا تلاؤم شديد، بحيث أنه لو أسقطت البسملة لا لتأمت الآيتان كالآية الواحدة وقد ذكر الله تعالى في آخر (ص) قصة خلق آدم، وذكر في صدر هذه قصة خلق زوجه، وخلق الناس كلهم منه، وذكر خلقهم في بطون أمهاتهم خلقاً من بعد خلق، ثم ذكر أنهم ميتون، ثم ذكر وفاة النوم والموت، ثم ذكر القيامة، والحساب، والجزاء، والنار، والجنة وقال: (وقَضى بينَهُم بالحق وقيل الحمدُ للَهِ ربِ العالمين) فذكر أحوال الخلق، من المبدأ إلى المعاد، متصلاً بخلق آدم المذكور في السورة التي قبلها.وهذا ما اثبته السيوطي في كتابه ترتيب القرآن.
والسورة كما ذكرت سابقًا هي مكية وشأنها شأن السور المكية في البحث في العقيدة وتثبيتها في نفوس المسلمين.
بدأت السورة في قوله تعالى:" تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم",وقد اثيرت مسائل عديدية حول هذا الآية وخاصة من قِبل المعتزله حيث انهم إنه تعالى وصف القرآن بكونه تنزيلاً ومنزلاً، وهذا الوصف لا يليق إلا بالمحدث المخلوق,وقولهم العزيز هو القادر الذي لا يغلب فهذا اللفظ يدل على كونه تعالى قادراً على ما لا نهاية له والحكيم هو الذي يفعل لداعية الحكمة لا لداعية الشهوة، وهذا إنما يتم إذا ثبت أنه تعالى عالم بجميع المعلومات، وأنه غني عن جميع الحاجات إذا ثبت هذا.
والجواب على زعمت المعتزله ما اورده الرازي في نفسيره مفاتيح الغيب حيث قال: أنا نحمل هذه اللفظة على الصيغ والحروف,وكذلك جوابه على الشق الآخر من قول المعتزله في قول الله (العزيز الحكيم): فنقول كونه تعالى: عزيزاً حكيماً يدل على هذه الصفات الثلاثة، العلم بجميع المعلومات، والقدرة على كل الممكنات، والاستغناء عن كل الحاجات، فمن كان كذلك امتنع أن يفعل القبيح وأن يحكم بالقبيح، وإذا كان كذلك فكل ما يفعله يكون حكمة وصواباً. إذا ثبت هذا فنقول الانتفاع بالقرآن يتوقف على أصلين أحدهما: أن يعلم أن القرآن كلام الله، والدليل عليه أنه ثبت بالمعجز كون الرسول صادقاً، وثبت بالتواتر أنه كان يقول القرآن كلام الله فيحصل من مجموع هاتين المقدمتين أن القرآن كلام الله والأصل الثاني: أن الله أراد بهذه الألفاظ المعاني التي هي موضوعة لها، أم بحسب اللغة أو بحسب القرينة العرفية أو الشرعية لأنه لو لم يرد بها ذلك لكان تلبيساً، وذلك لا يليق بالحكيم فثبت بما ذكرنا أن الانتفاع بالقرآن لا يحصل إلا بعد تسليم هذين الأصلين، وثبت أنه لا سبيل إلى إثبات هذين الأصلين إلا بإثبات كونه تعالى حكيماً، وثبت أن لا سبيل إلى إثبات كونه حكيماً إلا بالبناء على كونه تعالى عزيزاً، فلهذا السبب قال: { تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم }.
وقال ابن عادل في معنى: { أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ } قال قتادة: شهادة أن لا إله إلا الله.واما العبادة فهي كما قال الرازي : فعل أو قول أو ترك فعل أو ترك قول ويؤتى به لمجرد اعتقاد أن الأمر به عظيم يجب قبوله.
واما قول الله تعالى:" مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَى " فالضمير عائد على الأشياء التي عبدت من دون الله، وهي قسمان العقلاء وغير العقلاء، أما العقلاء فهو أن قوماً عبدوا المسيح وعزيزاً والملائكة، وكثير من الناس يعبدون الشمس والقمر والنجوم ويعتقدون فيها أنها أحياء عاقلة ناطقة، وأما الأشياء التي عبدت مع أنها ليست موصوفة بالحياة والعقل فهي الأصنام، إذا عرفت هذا فنقول الكلام الذي ذكره الكفار لائق بالعقلاء، أما بغير العقلاء فلا يليق، وبيانه من وجهين الأول: أن الضمير في قوله: { مَا نَعْبُدُهُمْ } ضمير للعقلاء فلا يليق بالأصنام الثاني: أنه لا يبعد أن يعتقد أولئك الكفار في المسيح والعزيز والملائكة أن يشفعوا لهم عند الله، أما يبعد من العاقل أن يعتقد في الأصنام والجمادات أنها تقربه إلى الله، وعلى هذا التقدير فمرادهم أن عبادتهم لها تقربهم إلى الله، ويمكن أن يقال إن العاقل لا يعبد الصنم من حيث إنه خشب أو حجر، وإنما يعبدونه لاعتقادهم أنها تماثيل الكواكب أو تماثيل الأرواح السماوية، أو تماثيل الأنبياء والصالحين الذين مضوا، ويكون مقصودهم من عبادتها توجيه تلك العبادات إلى تلك الأشياء التي جعلوا هذه التماثيل صوراً لها.
والآية :" لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاء سُبْحَـٰنَهُ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ",تنفي عن الله ان يكون له ولدًا ,فالواحد القهار فيها من المعاني ما يدل على وحدانيته,فكونه واحداً يمنع من ثبوت الولد,وكونه قهاراً فلا يقهره غيره كان الولد في حقه محالاً.
وبعد ان اثبت الله عز وجل اصول الدين والتنزيه عن كل ما يثبت العجز والافتقار والاحتياج ,عقب الله تعالى في هذه السورة على كمال قدرته واستغنائه مبينًا خلقه للسموات وارض والانسان والشمس والقمر والانعام كل اولئك مخلوقات له سبحانه وتعالى.
بعد هذا كله اشار الله تعالى بطريقة لا تتحمل ادنى شك ان ذلك الذي انزل القرآن و الخالق هو الله تعالى الملك :" ذٰلِكم ٱللَّهُ رَبُّكُمُ لَهُ ٱلْمُلْكُ",وقوله تعالى:" لَهُ ٱلْمُلْك " يفيد الحصر أي له الملك وحده لا لغيره،وعليه ترتب بأنه لا إله إلا هو لأنه لو ثبت إله آخر، فذلك الإله إما أن يكون له الملك أو لا يكون له الملك، فإن كان له الملك فحينئذ يكون كل واحد منهما مالكاً قادراً ويجري بينهما التمانع كما ثبت في قوله:" لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا "[الأنبياء: 22] وذلك محال، وإن لم يكن للثاني شيء من القدرة والملك فيكون ناقصاً ولا يصلح للإلهية، فثبت أنه لما دل الدليل على أنه لا ملك إلا الله، وجب أن يقال لا إله للعالمين ولا معبود للخلق أجمعين إلا الله الأحد الحق الصمد.ومع هذا كله ترى الانسان مصروفًا _حيث جاء مبني للمجهول وبصيغة المضارع_ عن التوحيد كما قال الله تعالى:" فأنّى تصرفون" وقد اثارت هذه الآية جدلاً كون الفعل مبني للمجهول فالمعتزله قالت: تعجب من هذا الانصراف، ولو كان الفاعل لذلك الصرف هو الله تعالى لم يبق لهذا التعجب معنى.وقال الرازي : أ الآية صريحة في أنهم لم ينصرفوا بأنفسهم عن هذه البيانات بل صرفها عنهم غيرهم، وما ذاك الغير إلا الله، وأيضاً فدليل العقل يقوي ذلك لأن كل واحد يريد لنفسه تحصيل الحق والصواب، فلما لم يحصل ذلك وإنما حصل الجهل والضلال علمنا أنه من غيره لا منه،وقال ابن عاشور: وجعَلهم مصروفين عن التوحيد ولم يذكر لهم صارفاً، فجاء في ذلك بالفعل المبني للمجهول ولم يقل لهم: فأنى تنصرفون، نعياً عليهم بأنهم كالمَقُودين إلى الكفر غير المستقلين بأمورهم يصرفهم الصارفون، يعني أيمة الكفر أو الشياطين الموسوسين لهم. هذا هو الرأي الذي ارجحه وذلك لأن معنى أنّى (كيف) ويصبح معنى الآية كيف تنحازون تكونوا,فمن انحاز الى التوحيد شكر ومن انحازعن التوحيد كفر ,وهذا ما تؤكده الآية التالية :" إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنكُمْ وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُم".

يقول الله تعالى:" قُلْ يَٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ",بعد ان بيّن الله عز وجل منزلة الذين يعلمون علواً من الذين لا يعلمون بدأ في مخاطبتهم بقوله سبحانه:" يَٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ",وقد طلب من المؤمنين ان يتقوا ,وهذا يدل على أن الإيمان يبقى مع المعصية، قال القاضي: أمرهم بالتقوى لكيلا يحبطوا إيمانهم، لأن عند الاتقاء من الكبائر يسلم لهم الثواب وبالإقدام عليها يحبط،وقال الرازي :" هذا بأن يدل على ضد قولك(القاضي) أولى، لأنه لما أمر المؤمنين بالتقوى دل ذلك على أنه يبقى مؤمناً مع عدم التقوى، وذلك يدل على أن الفسق لا يزيل الإيمان".
وإن للتقوى هذه فوائد كما ذكر الله تعالى:" لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةٌ" ومعناه الذين أحسنوا فلهم في هذه الدنيا حسنة،و الحسنة هي الصحة والعافية،وقال الرازي اولى ان تحمل على الثلاثة المذكورة في قوله صلى الله عليه وسلم: " ثلاثة ليس لها نهاية: الأمن والصحة والكفاية",وهناك من قال ان المقصود للذين أحسنوا في هذه الدنيا كلهم حسنة في الآخرة، وهي دخول الجنة، والتنكير في قوله: { حَسَنَةٌ } للتعظيم يعني حسنة لا يصل العقل إلى كنه كمالها,و يدل على النهاية والجلالة والرفعة، وذلك لا يليق بأحوال الدنيا، فإنها خسيسة ومنقطعة، وإنما يليق بأحوال الآخرة، فإنها شريفة وآمنة من الانقضاء والانقراض.والرأي الذي اميل اليه هو ان الحسنة هي حسنه الدنيا بدليل الآتي:الاية نزلت في جعفرَ بن أبي طالب والذين خرجوا معه إلى الحبشة, قال ابن عباس في قوله تعالى: { قُلْ يا عِبادِ الذين ءَامنُوا اتَّقوا ربَّكُم } يريد جعفرَ بن أبي طالب والذين خرجوا معه إلى الحبشة.قال ابن عاشور:" ونكتة الكناية هنا إلقاء الإِشارة إليهم بلطف وتأنيس دون صريح الأمر لما في مفارقة الأوطان من الغمّ على النفس، وأما الآية التي في سورة النساء فإنها حكاية توبيخ الملائكة لمن لم يهاجروا.
وموقع جملة { إنما يُوفَّى الصَّابِرون أجرهم بغيرِ حسابٍ } موقع التذييل لجملة { للذين أحْسَنُوا } وما عطف عليها لأن مفارقة الوطن والتغرب والسفر مشاق لا يستطيعها إلا صابر، فذُيّل الأمر به بتعظيم أجر الصابرين ليكون إعلاماً للمخاطبين بأن أجرهم على ذلك عظيم لأنهم حينئذٍ من الصابرين الذين أجرهم بغير حساب.

يقول الله تعالى:"قُلْ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدّين",َهذه الآية كما هو واضح بدأت بفعل (قل) وهوكلام موجه الى الرسول عليه الصلاةوالسلام بعد أن قال له الكفار:" ما يحملك على هذا الدين الذي أتيتنا به؟ ألا تنظر إلى ملة أبيك وجدك وسادات قومك يعبدون اللات والعزى"...
والجواب جاء من عند رب العزة (قل) اي يا محمد (أٌمرتٌ) ولي وقفة هنا حيث ان الفعل جاء بصيغة المبني للمجهول وبصيغة الامر والمعنى يصبح :قل يا محمد ان الله امرني ان اعبده بإخلاص الدين الاسلامي..ولم يكن الجواب بصيغة آخرى مثل عقلت او هداني عقلي اوغيرها من الصيغ العقلية لأن المسأله هنا إظهار كيفية عبادة الله وبيان الحال حيث قال الله "مخلصًا له الدين" كون تلك العبادة خالصة عن شوائب الشرك الجلي وشوائب الشرك الخفي،بعيدة عن كل ما يمس التنزيه لله تعالى عما يصفون وذكره الدين بعد ذلك للدلالة عن ان الاخلاص يكون ايضًا باتباع اوامرو والابتعاد عن نواهيه.
والخطاب هنا للرسول عليه الصلاةو السلام ,وهو وإن كان له فهو خطاب لكل أُمته,جاء الخطاب له عليه السلام رغم انه يعرف حق المعرفة كيف يعبد الله مخلصًا فوائد (كما قال الرازي):
1. كأنه يقول إني لست من الملوك الجبابرة الذين يأمرون الناس بأشياء وهم لا يفعلون ذلك، بل كل ما أمرتكم به فأنا أول الناس شروعاً فيه وأكثرهم مداومة عليه.
2. المقصود منه المبالغة في زجر الغير عن المعاصي، لأنه مع جلالة قدرة وشرف نبوته إذا وجب أن يكون خائفاً حذراً عن المعاصي فغيره بذلك أولى.اه
بعد ان ذكر الله الاخلاص له في عبادته قال في الاية التالية:" وَأُمِرْتُ لأَن أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ",الملاحظ هنا انه كرر (اُمرت) وجاءت معطوفة وذلك للتنويه بهذا الأمر الثاني ولأنه غَاير الأمر الأول بضميمة قيد التعليل فصار ذكر الأمر الأول لبيان المأمور، وذكرُ الأمر الثاني لبيان المأمور لأجله، ليشير إلى أنه أمر بأمرين عظيمين: أحدهما يشاركه فيه غيره وهو أن يعبد الله مخلصاً له الدين، والثاني يختص به وهو أن يعبده كذلك ليكون بعبادته أولَ المسلمين، أي أمره الله بأن يبلُغ الغاية القصوى في عبادة الله مخلصاً له الدين، فجعل وجوده متمحضاً للإِخلاص على أي حال كان ,او ان الاول في عمل القلب والثاني في عمل الجوارح ولا يكون هذا تكريراً.
واريد ان ابين لماذا ذكر الله تعالى هنا ان سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام اول المسلمين مع انه سبحانه وتعالى قال عن سيدنا ابراهيم انه من المسيمين وهو قبل سيدنا محمد عليه السلام:
1.تشريفًا وتعظيماً لسيدنا محمد كونه خاتم واشرف المرسلين وسيد الانبياء.
2.إن الاسلام على صورته التي جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن من قبل احدمن الانبياء عليه فهو شريعته ,ومن باب حسن الاسناد قال رب العزة ان محمج أول المسلمين.
دلت هذه الآية على أن ظاهر الأمر للوجوب، وذلك لأنه قال في أول الآية: " إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدّين"* وَأُمِرْتُ لأَن أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ" ثم قال بعده: " قُلْ إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ " فيكون معنى هذا العصيان ترك الأمر الذي تقدم ذكره لوجود هذه القرينه التي تذم المخالف.

يقول الله تعالى:" وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّـٰغُوتَ أن يعْبُدُوهَا وَأَنَابُواْ إِلَى ٱللَّهِ لهُمُ البُشْرىٰ فبشر عبادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ (18) أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ (19) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (20)"...
من تمام الترغيب والترهيب وكمالهما تعاقب الوعد والوعيد ,والوعيد لمن عبد الطاغوت والوعد لمن اجتنب الطاغوت وعبد الله وحده,وهذا هو عين انفراد العبودية لله ,فلا معبود مع الله .
والطاغوت :مصدر أو اسم مصدر طَغا على وزن فَعَلُوت بتحريك العين بوزن رَحموتٍ وملكوت. وفي أصله لغتان الواو والياء لقولهم: طغا طُغُوًّا مثل علوّ، وقولهم: طغوان وطغيان.ومن العلماء من جعل الطاغوت اسماً أعجمياً على وزن فَاعول مثل جالوت وطالوت وهارون، وذكره في «الإِتقان» فيما وقع في القرآن من المعرّب وقال: إنه الكاهن بالحبشية. واستدركه ابن حجر فيما زاده على أبيات ابن السبكي في الألفاظ المعرَّبة الواقعة في القرآن.
واطلق القرآن الطاغوت وأراد بها:الاصنام والاوثان او الشيطان,وقال الرازي في شأنها:"اختلفوا في أن المراد من الطاغوت ههنا الشيطان أم الأوثان، فقيل إنه الشيطان فإن قيل إنهم ما عبدوا الشيطان وإنما عبدوا الصنم، قلنا الداعي إلى عبادة الصنم لما كان هو الشيطان كان الإقدام على عبادة الصنم عبادة للشيطان، وقيل المراد بالطاغوت الصنم وسميت طواغيت على سبيل المجاز لأنه لا فعل لها، والطغاة هم الذين يعبدونها إلا أنه لما حصل الطغيان عند مشاهدتها والقرب منها، وصفت بهذه الصفة إطلاقاً لاسم المسبب على السبب بحسب الظاهر، وقيل كل ما يعبد ويطاع من دون الله فهو طاغوت، ويقال في التواريخ إن الأصل في عبادة الأصنام، أن القوم كانوا مشبهة اعتقدوا في الإله أنه نور عظيم، وفي الملائكة أنها أنوار مختلفة في الصغر والكبر، فوضعوا تماثيل وصوراً على وفق تلك الخيالات فكانوا يعبدون تلك التماثيل على أعتقاد أنهم يعبدون الله والملائكة".وبغض النظر عن المقصود بالطاغوت ههنا,فإن المراد هو ألإعراض عن عبودية كل ما سوى الله.
ثم يقول الله تعالى:"وَأَنَابُواْ إِلَى ٱللَّهِ " أي رَجَعُوا بالكلية إلى الله وأقبلوا بالكلية على عبادة الله.
وقد وعد الله الذين يعبدونه وحده ولا يشركون به ويجتنبون الطاغوت الآتي (كما قال الرازي:"ثم إنه تعالى وعد هؤلاء بأشياء أحدها: قوله تعالى: { لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ } واعلم أن هذه الكلمة تتعلق بجهات أحدها: أن هذه البشارة متى تحصل؟ فنقول إنها تحصل عند القرب من الموت وعند الوضع في القبر وعند الوقوف في عرصة القيامة وعندما يصير فريق في الجنة وفريق في السعير وعندما يدخل المؤمنون الجنة، ففي كل موقف من هذه المواقف تحصل البشارة بنوع من الخير والروح والراحة والريحان وثانيها: أن هذه البشارة فبماذا تحصل؟ فنقول إن هذه البشارة تحصل بزوال المكروهات وبحصول المرادات، أما زوال المكروهات فقوله تعالى:{ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ }[فصلت: 30] والخوف إنما يكون من المستقبل والحزن إنما يكون بسبب الأحوال الماضية فقوله: { أَن لا تَخَافُواْ } يعني لا تخافوا فيما تستقبلونه من أحوال القيامة ولا تحزنوا بسبب ما فاتكم من خيرات الدنيا، ولما أزال الله عنهم هذه المكروهات بشرهم بحصول الخيرات والسعادات فقال:{ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ }[فصلت: 30] وقال أيضاً في آية أخرى:{ يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَـٰنِهِمْ بُشْرَاكُمُ ٱلْيَوْمَ جَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ }[الحديد: 12.اه
وقوله تعالى:" لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ " تفيد القصر أي أن هذه البشارة لهم وليس لغيرهم ,وهي تفيد ايضًا أنه لا بشارة لأحد إلا إذا اجتنب عبادة غير الله تعالى وأقبل بالكلية على الله تعالى .
وهناك لطيفة ذكرها الرازي في قول الله تعالى :"لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ "وهي ان المخبرهو الله تعالى وهو أعظم العظماء وأكمل الموجودات والشرط المعتبر في حصول هذه البشارة شرط عظيم وهو الاجتناب عما سوى الله تعالى والإقبال بالكلية على الله والسلطان العظيم إذا ذكر شرطاً عظيماً. ثم قال لمن أتى بذلك الشرط العظيم أبشر فهذه البشارة الصادرة من السلطان العظيم المرتبة على حصول ذلك الشرط العظيم تدل على أن الذي وقعت البشارة به قد بلغ في الكمال والرفعة إلى حيث لا يصل إلى شرحها العقول والأفكار، فثبت أن قوله: { لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ } يدل على نهاية الكمال والسعادة من هذه الوجوه، والله أعلم.




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home