القلم النقدي

 

كتاب الأضداد لابن الأنباري – نظرة تحليلية -

معمر العاني



كتاب الأضداد لابن الأنباري – نظرة تحليلية -

ملخص المقال

  وقف البحث على منهجية ابن الانباري في كتابه، تبين أنه لم يلتزم ترتيباً معيناً من الألفاظ التي أوردها كما التزمت ذلك المعجمات اللغوية، ومن شروحه لم يكتف بذكر آراء العلماء في تفسير الألفاظ وبيان معانيها وإنما كان ناقداً وشارحاً وشاكاً في عدد منها ومع البحث على هذه المواطن وبينها بالأمثلة في الكتاب. ورصد البحث عدداً من المآخذ على الكتاب وأهمها: الاستطراد غير المبرر في شروحه للألفاظ، مما أخرج العديد منها عن الأضداد. ومن المآخذ أنه اضطرب في عدد من المسائل كالأصول الثلاثية وغير الثلاثية للأفعال مما جعل منها لا تعد من الأضداد فجاء من الأضداد متكلفاً والأولى أن لا نعدها منها. واشتمل الكتاب على عدد من الموضوعات الصرفية التي أثرت ما في الكتاب من مواد لغوية، كما حدد البحث القضايا النحوية عند ابن الانباري، فجاءت موزعة في كتابه، وتم الكشف عن هذه المواضيع وأهميتها في موضوع الأضداد . واستعمل ابن الأنباري في دعم آراؤه بالقضايا البلاغية، وأهمها: الإستعارة، والمجاز، والتشبيه، فكان بحق موسوعة لغوية عرفها الداني والقاصي. وتنوعت مشاهد الكتاب، فاشتملت على القرآن الكريم، والحديث النبوي، والشعر العربي، وأقوال السلف الصالح وحكمهم. ومما لفت انتباهي في شواهده أنه بدأ شارحاً ومناقشاً ومفسراً في الآيات القرآنية، وفي الحديث تجده شارحاً وراوياً لعدد من الأحاديث، أما في الشعر فانماز بأنه أتى على أغلب الشعراء، وأتى بشواهد على أغلب الألفاظ ونقل آراء العلماء الناقدة للشعراء.

 

منهجية ابن الأنباري في الأضداد

سأورد ذلك بإيجاز أرجو أن يكون غير مخل، وذلك في النقاط الآتية:

أ‌.       منهجيته في ترتيب الألفاظ:

      لم يلتزم ابن الأنباري بترتيب معين في كتابه كما جرت العادة في ترتيب المعاجم العربية، فسار على منهج سابقيه من مؤلفي الأضداد، فقد بدأ على غير ضابط معين في ترتيب مواده، فالمادة الأولى هي: كلمة ظن، قال ابن الأنباري: "فأول ذلك الظن، يقع على معاني أربعة: معنيان متضادان: أحدهما: الشك، والآخر: اليقين الذي لا شك فيه1 ، وقد طال الحديث عنها في صفحات عدة، في حين نجد أن الحروف التي تسبق الظاء قد جعلها في نهاية كتابه. ولم يلتزم ابن الأنباري بترتيب الأسماء متتالية، أو الحروف متتالية، أو الأفعال، وإنما كان يقدم ويؤخر كيفما شاء، إلا أننا نجد بين الحين والآخر ترتيباً في الأفعال أو الحروف التي يوردها، فقد بدأ في المادة الثانية بأفعال الشك واليقين أو الناحية لمفعولين، قال: بعض أهل اللغة: رجوت حرف من الأضداد يكون بمعنى الشك والطمع، ويكون بمعنى اليقين2  .

   ونراه يورد أضداد الألوان مرتبة في وسط كتابه، قال: ومنها أيضاً: الأخضر، يقال: أخضر للأخضر، وأخضر للأسود3 .

          ويورد ابن الأنباري أضداد الأعلام مرتبة في نهاية كتابه، قال: ومنها أيضاً اسحاق، يكون أعجمياً مجهول الإشتقاق...... ويكون عربياً من أسحقه الله اسحاقاً4

          ومن منهجيته الترتيب لا بد من الإشارة إلى أنه يأتي بأضداد واردة عن العرب متتالية من وسط كتابه، قال: ومما يشبه حروف الأضداد العرب: طبخت اللحم، إذا طُبخ في القدر، وطبخته: إذا شُوي في التنور5

ومن منهجيته في الترتيب ما يأتي:

-       يأتي بالألفاظ المتقاربة المعنى كما في شرى وباع6

-       يأتي بان المصدرية والفعل المضارع في ثلاثة مواضع متتالية7

-       يأتي بالتراكيب اللفظية متتالية8

-       يأتي بوصف للمؤنث ويتبعه بوصف للمذكر9

ب- منهجيته في الشروح

     إن المتتبع لمنهجية الكتاب يجد أن ابن الأنباري كان أكثر موضوعية في متن كتابه ممن سبقه، فقد ناقش كثيراً من الأضداد التي ذكرها راداً بعضها وشاكاً في البعض الآخر وناصاً على عدم ضدية القسم الثالث، ومضى في كتابه شارحاً للألفاظ بصورة واضحة وجلية، ووصف دقيق وبحث شامل لهذا الموضوع.

          قال آل ياسين: 10لم يكتف ابن الأنباري بجمع المادة اللغوية فحسب، بل راح يمتحنها، محللاً إياها مناقشاً لها، ولذا وصل إلى نتائج دقيقة أعطت كتابه أهمية كبيرة"، وسأوجز منهجيته في النقاط الآتية:

-       يتبنى في شرحه التأويل والتقدير من أجل الوصول إلى نتائج دقيقة في ضدية عدد من الألفاظ، قال: "أحلف أن تذهب معنا قال الفراء: من أجاز مع هذه الأفاعيل الوجهين جميعا، لم يجز مع الظن والعلم وما أشبههما إلا وجهاً واحداً فمن قال: ظننت أن تذهب معنا لم يحمله على معنى الجهد، لأنه لا دليل عليه ها هنا وصلح تقدير الجهد مع الأفاعيل الأول، لأنها جواب وفيها معنى تحريج، والتحريج يدل على معنى الجحد المنوي، فمتى قال القائل: نشدتك الله أن تقوم، وأقسمت عليك أن تقوم، فتأويلها: أحرِّج عليك أن لا تفعل، فهذه العلة من تأويل الجواب11

 

-       استعماله مبدأ التعليل لعدد من الألفاظ التي أوردها، فأعان الدارسين والباحثين في الأضداد التي التبست عليهم، ونجد ذلك على سبيل المثال لا الحصر أنه علل مجيء أسماء المدن على ما تعارفه الناس، فمكة سُميت مكة لجذب الناس إليها، والبصرة سُميت بصرة للحجارة البيض الرخو بها، والكوفة لازدحام الناس بها من قولهم قد تكوّف الرمل تكوفاً، إذا ركب بعضه بعضاً...الخ12

-       ناقش آراء العلماء، فأيد بعضها وأنكر بعضها الآخر، مما ينم على علمه الواسع وثقافته وسعة إطلاعه ويتجلى ذلك فيما يلي:

·       إنكاره آراء عدد من اللغويين كقطرب وابن قتيبة، قال: وقال قطرب من الأضداد قولهم: خذمت النعل، إذا انقطعت عُروتها وشسعها، وأخذمتها: إذا أصلحت عُروتها وشمعها، وهذا ليس عندي من الأضداد لأن خذمت لا يقع إلا على معنى واحد13

·       أورد إنكار اللغويين للأضداد، قال: قال قطرب من الأضداد حمأت الركبة حمئاً، إذا أخرجت منها الحمأة، وأحمأتها إحماءً، إذا جعلت فيها الحمأة، قال أبو بكر: وليس هذا عندي من الأضداد لأن لفظ: حمأت يخالف لفظ أحمأت، فكل واحدة من اللفظتين لا تقع إلى على معنى واحد، وما كان على هذا السبيل لا يدخل في الأضداد14

      

- ومن منهجيته توثيق الآراء التي أتى بها، ومن ذلك:

 * تعرضه للأوصاف التي ذكرتها العرب، أو ما اشتهر عند العرب من صفات وأسماء، من ذلك قوله: "يقال في ليالي الشهر: ثلاث غرر، وثلاث نُفل، وثلاث تُسع، وثلاث عُشر، وثلاث بيض، وثلاث دُرع، وثلاث ظُلم، وثلاث حنادس، وثلاث دآديّ، وثلاث محاق15

·       تعرضه للغات القبائل واللهجات، ومن ذلك قوله: والسامد من الأضداد، فالسامد في كلام أهل اليمن: اللاهي، والسامد في كلام طي الحزين16

·       وثقّ آراءه بالإخبار والقصة، ومن ذلك قوله: " والوراء، ولد الوالد، قال: حيّان بن أبجر: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل من هُذيل فقال له: ما فعل فلان؟ لرجل منهم، فقال: مات وترك كذا وكذا من الولد وثلاثة من الوراء، يريد من ولد الولد17

·       تعرضه لأقوال العامة من الناس غير كلام العرب: قال ابن الأنباري: وقال قطرب: الحِرفة من الأضداد، يقال: قد أحرف الرجل إحرافاً إذا نما ماله وكثر، والاسم الحرفة من هذا المعنى، قال: والحرفة عند الناس: الفقر، وقلة الكسب، وليست من كلام العرب إنما تقولها العامة18

·       أخذ بأدلة السماع والقياس لتوثيق الآراء، وإثبات ما يصبو إليه من ضدية عدد من الألفاظ، ومن السماع قوله: وسمعت أبا العباس يقول: يقال للساكن: رهو، وللواسع رهو، وللطائر الذي يقال له الكُركيُّ: رهو قال الله عز وجل: (واترك البحر رهوا) فمعناه: ساكناً19

    أما القياس فقوله: ويقال: رجل مُنهل، إذا كانت إبله عطاشا كما يقال: رجل مُعطش ورجل مُنهل على القياس إذا كانت رواءً20

المآخذ على الكتاب

     لا شك أن كل كتاب يؤخذ منه ويُرد عليه إلا كتاب الله عز وجل القرآن الكريم، وكتاب ابن الأنباري لا يخلو من سقطات وقع فيها صاحبه كغيره من مؤلفي المظان اللغوية، على أن هذه المآخذ لا تقتص من قيمة الكتاب عند الباحثين والدارسين وفي المكتبة العربية، وسأوجز أهم ما وقعت عليه من هذه المآخذ:

 

1.    الاستطراد غير المبرر في شروحه لعدد من الألفاظ، مما يجعله يبتعد عن موضوع الأضداد، ولا سيما في الشواهد الشعرية، إذ يشرح ما غمض من الألفاظ ويأتي بشواهد لا تمس الموضوع الذي بصدده، ومثال ذلك قوله: "وتأثم حرف من الأضداد، يقال: قد تأثم الرجل إذا أتى ما فيه المأثم، وتأثم: إذا تجنب المأثم، كما يقال: قد تحوّب الرجل: إذا تجنب الحُوب، ولا يستعمل تحوب في المعنى الآخر، والحوب الأثم العظيم، قال الله عز وجل: (إنه كان حوباً كبيرا)    21فنراه يترك اللفظة الأصلية ويستطرد في لفظه أخرى مبتعداً عن معنى الضدية.

          ومن ذلك قوله: وذعور من الأضداد، يقال: فلان ذعور، أي ذاعر، وذعور، أي: مذعور: أنشدنا أبو العباس.

تنول بمعروف الحديث وإن تُرد                سوى ذاك تَذعر منك وهي ذعور

          أي: مذعورة ويروى: تنول بمفروض الحديث أي: يطريه، واللحم الغريض عند العرب، الطري، قال الشاعر:

إذا لم يجتزر لبنيه لحماً                           غريضاً من هوادي الوحش جاعوا

          ويروى تنول بمشهود الحديث، والمشهود: الذي كان فيه شُهداً من حلاوته وطيبه8فابتعد عن ضدية اللفظة المقصودة.

 

2.    ويُلاحظ على ابن الأنباري أنه قد سهى في شرحه لعدد من الأفعال الثلاثية وغير الثلاثية، فلم يلتفت إلى عدم وجود الضدية في الأفعال المختلفة، قال ابن الأنباري: "وقسط صرف من الأضداد، يقال: قسط الرجل إذا عدل، وقسط إذا جار، والجور أغلب على قسط. قال الله – عز وجلّ – "وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا" أراد: الجائرون... ويقال: أقسط الرجل بالألف: إذا عدل لا غير. قال الله – عز وجلّ – "إن الله يحب المقسطين 22فنلحظ اختلاف القاسط من قسط والمقسط من أقسط، وهذا الخلاف لا يقود إلى الأضداد.

3.    اختلاف منهجية الشواهد التي أتى بها، فالمعروف أن لكل لفظة من الأضداد يُأتى بالشواهد عليها، ولا نجد ذلك في عدد منها مما يثير حيرة عند القارئ في مصداقيتها. قال ابن الأنباري: "وقال قطرب أيضاً من حروف الأضداد النّحاحة، يقال في السخاء ويقال في البخل23

 

          وقد يأتي بشاهد من غير أن يبين على أي من المعاني قصده، قال: "ومن الأضداد أيضاً قولهم: مُشِب للمسن ومشب للشاب، قال أبو خراش الهذلي:

بُموركتين من صدوى مثبب        من الثيران عقدهما جميل24

 

          ورأى أيوب سالم في رسالته الأضداد أن الألفاظ التي لا شواهد عليها يمكن لنا أن نخرجها من الأضداد25والحقيقة أننا لا يمكن أن نخرجها من الأضداد إلا بعد التمحيص واستقصاء الشواهد عليها ثم نخرج بأحكام دقيقة في ذلك.

4.    لا يخلو الكتاب من التكالف بإقرار ضدية عدد من الألفاظ، والمتتبع لذلك لا يجد الأضداد فيها، قال آل ياسين: والكتاب حفل بطائفة كبيرة من الألفاظ التي ألصقت بالأضداد، ولا تتوفر فيها فكرة الأضداد بوجه من الوجوه26

ومن ذلك قوله: ومن الحروف أيضاً الحفض، يقال لمتاع البيت، حَفض وجمع الحفض أحفاض. قال الشاعر:

 فكيه بالرمح في دمائه                        كالحفض المصروع في كفائه

وقال الآخر:

ولا تكُ في الصبا حفظاً ذلولاً                 فإن الشيب والغزل الثبورْ

 

وقال الآخر:

يا بن قُّروم لسن بالأحافض

 

ويروي بيت عمرو بن كلثوم على وجهين:

ونحن إذا عماد الحي خرّت          على الأحفاض نمنع ما يلينا

  ويروى: على الأحفاض، فمن رواه عن الأحفاض قال الأحفاض: الإبل، ومن رواه على الأحفاض قال: الأحفاض: الأمتعة27

  ولا يفوتنا أن نشير إلى التكلف في إقرار ضدية عدد من الاعلام التي ذكرها، وقد عقب آل ياسين على هذه المسألة وأزال الغموض التي اكتنفها28

المبحث الثالث

القضايا الصرفية والنحوية والبلاغية

حفل كتاب ابن الأنباري بالكثير من قضايا اللغة، فلم يكتفِ بذكر معاني الأضداد، وإنما زاد في ذكر قضايا النحو والصرف والصوت والدلالة وعلم البلاغة، مما يدل على علمه الواسع وثقافته الغزيرة، فأخذ منه النحويون والبلاغيون، ومن اهتم باللغة وعلومها، وصدق ابن النديم في قوله: "كان – ابن الأنباري – في غاية الذكاء والفطنة، وجودة القريحة، وسرعة الحفظ يضرب به المثل في حضور البديهة وسرعة الجواب29

  وبدوره ذكر الأزهري بأن ابن الأنباري: "كان أعلم من شاهدتُ بكتاب الله ومعانيه وإعرابه ومعرفة اختلاف أهل العلم في شكله30

  وأرى أن من الضروري التعرض لتلك القضايا التي أوردها ابن الأنباري في كتابه، وسأتناول ما استطعت من هذه القضايا :

أ‌.       القضايا الصرفية:

          وقد تعرض للكثير من القضايا الصرفية في أضداده والتي أعانت على حدوث الأضداد وبيان المعاني، وفهم التفسير، ومن ذلك ما يأتي:

الصيغ الصرفية

   قال: وأما معنى التهمة، فهو أن تقول ظننت فلاناً فتستغني عن الخبر لأنك تريد اتهمته ولو كان بمعنى الشك المحض لم يقتصر به على منصوب واحد. ويقال: فلان عندي ظنين، أي منهم، وأصله مظنون فصرف عن مفعول إلى فعيل كما قالوا: مطبوخ وطبيخ31

جمع التكسير:

   قال: "والقُرءُ حرف من الأضداد يقال: القُرءُ للطهر، وهو مذهب أهل الحجاز، والقُرءُ: للحيض، وهو مذهب أهل العراق، ويقال في جمعه: أقراءُ وقرُوءُ32وهذا مما يطرد جمعه على القلة والكثرة33

   وقد يتعرض للجمع والتثنية في شرحه لأحد الألفاظ، قال ابن الأنباري: "ويقال في تثنية الندّ: نِدّان، وفي جمعه أنداد، ومن العرب من لا يثنيه ولا يجمعه ولا يؤنثّه فيقول: الرجلان ندّى، والرجال ندّى، والمرأة ندّى، والنساء نِدّى.

كما قالوا: القوم مثلى، أو أمثالى، قال الله – عز وجلّ – (ثم لا يكونوا أمثالكم34

الإدغام والإبدال:

          يرى عدد من الدارسين أنهما من الموضوعات التي توجد فيها صعوبة في استيعابها بسبب قواعدها المتشابكة وصورها المتخيلة، إذ يقتربان من دراسة اللهجات أحياناً والأصوات في أحيان أخرى35ولكننا نجد أن ابن الأنباري يعالج عدداً من الألفاظ ببيان ما طرأ عليهما من أمور الإدغام أو الإقلاب، قال: وكان أبو البلاد النحوي ينشد هذا البيت:

عسعس حتى لو يشاء ادنَّا           كان له من ضَوئه مقبس

   ومعناه: لو يشاء إذا دنا، فتركت همزة إذ، وأبدلوا من الذال دالاً، وأدغموها في الدال التي بعدها36

  التمييز بين الاسم والمصدر:

          فرق ابن الانباري في مواضع عدة بين الاسم والمصدر لما لذلك من أهمية في تحديد المعنى بشكل دقيق. قال: ويقال في دعاء للعرب: به للورى وحمَّى خيبري، وشرُّ ما يُرى فإنه يسري8 وقال أبو العباس: الوَرْى المصدر بتسكين الراء، والوَرَى بفتح الراء: الاسم37

صيغ الأفعال:

          ووقع على الصيغة الصحيحة للأفعال التي فيها لبس عند الدارس أو الباحث. قال: "ويقال أرديت الرجل إذا أعنته من قول الله – عز وجلّ – "فأرسله معي ردءاً يصدقني" معناه: عوناً، ويقال منه: أردأت الرجل، وأرديتُهُ، فمن قال: أرداته: ليّن الهمزة، ومن قال: أرديتُه انتقل عن الهمزة وشبه أرديت بأرضيت38

ب- القضايا النحوية:

          لا يختلف اثنان على سليقة ابن الانباري النحوية ونحيزته الإعرابية، واطلاّعه الواسع على آراء النحويين ومذاهبهم، وذلك لكثرة المسائل التي جاءت في كتابه، ومن ذلك:

الأفعال التي تنصب مفعولين: في قوله: قال الله –عز وجلّ – "وإن هم إلا يظنون" فمعناه: وإن هم إلا يكذبون، ولو كان على معنى الشك لاستوفى منصوبيه أو ما يقوم مقامهما39

التأكيد: ومنه قوله: "وينشد في هذا المعنى أيضاً:

أتانا فلم نعدل سواه بغيره            نبييٌّ اتى من عند ذي العرش صادق

معناه: أتانا فلم نعدله بغيره، على هذا أكثر الناس، ويقال فيه: قولان آخران.

          وسواه: صلة للكلام معناها التوكيد، كما قال الله – عز وجلّ – "ليس كمثله شيء".

أراد: ليس كهو شيء فأكد بمثال، قال الشاعر:

وقتلى كمثل جذوع النخـ                            ل يغشاهم سَبَل منهمر 40

 الأفعال الناقصة: ومنه قوله: وقال أبو عبيدة: كان من الأضداد، يقال: كان للماضي، وكان للمستقبل، فأما كونها للماضي فلا يحتاج لها أي شاهد وأما كونها للمستقبل فقول الشاعر:

فأدركت من قد كان قبلي ولم أدعْ                             لمن كان بعدي في القصائد مصنعا

          أراد: لمن يكون بعدي. قال: وتكون كان زائدة كقوله تعالى: "وكان الله غفوراً رحيماً". ومعناه: والله غفور رحيم41

    الحذف: ومن ذلك قوله في تفسير قوله تعالى: "إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولا". قال: وقال آخرون: محال أن يكون الله – عز وجلّ – عرض الأمانة على السموات في ذاتها لأنها مما لا يكلف عملا بفعل ثواباً وإنما المعنى: إنا عرضنا الأمانة على أهل السماوات وأهل الأرض وأهل الجبال فأبوا أن يحملوها فحذف الأهل وقام الذي بعده مقامه وجعل (أبين) للسماوات والأرض والجبال لقيامها مقام الأهل، كما قالوا: يا خيل الله اركبي، وأبشري بالجنة. أرادوا: يا فرسان خيل الله اركبوا فاقيم الخيل مقام الفرسان42

 

 النائب عن المصدر: قال: "وقال الفراء: مرحباً وأهلاً وسهلاً: حروف وضعت في موضع المصدر، يذهب الفراء إلى أن التأويل رحّب الله بك ترحيباً وأهلّك تأهيلاً وسهّل امورك تسهيلاً فأقيمت الأسماء مقام المصادر43

  المصدر النائب عن فعل الأمر: قال ابن الأنباري: وظَفَار اسم مدينة في اليمن، وإليه ينسب الجزع الظفاري، وظفار: كسرت لأنها أجريت مجرى ما سُمي بالأمر كقولك قطام وحَذام لأنهما على مثال: قوالِ وَنَظار، ومن ذلك حلاقِ من أسماء المنيّة.44

الاستثناء: قال في قول تعالى: "لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم".

فمعناه: لا معصوم اليوم من أمر الله إلا المرحوم، ويجوز أن يكون عاصم بمعنى فاعل، وتكون مَن في موضع نصب أو رفع على الاستثناء المتقطع45

  الضمائر: قال: "ومما يشبه حروف الأضداد نحن، يقع على الواحد، والاثنين، والجميع، والمؤنث، فيقول الواحد: نحن فعلنا، وكذلك يقول الاثنان والجميع والمؤنث46

          الحروف والأدوات: قال: "ومن حرف من الأضداد: تكون لبعض الشيء، وتكون لكله، فكونها للتبعيض لا تحتاج فيه إلى شاهد، وكونها بمعنى كل شاهده قول الله – عز وجلّ – "ولهم فيها من كل الثمرات" معناه كل الثمرات47

التصغير: قال: والجذيل تصغير الجذل، وهو الجذع: وأصل الشجرة.

والعَذيق: تصغير العِذق وهو الكياسة والشمّراخ العظيم48

د. القضايا البلاغية:

   امتلك ابن الانباري حساً بلاغياً من خلال الآراء التي جاء بها في كتابه، فتعرض للفنون البلاغية المختلفة كالجناس والاستعارة والتشبيه وغيرها، ومنها:

   الاستعارة: في شرحه لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "استثفري وتحيضي في علم الله ستا أو سبعاً ثم اغتسلي وصلي49

   قال: واستثفري له معنيان: يجوز أن يكون شبَه اللجام للمرأة بالثفر للدابة إذا كان ثفر الدابة يقع تحت الذنب، ويجوز أن يكون استثفري كناية عن الفرج لأن الثفر للسباع بمنزلة الحياء للناقلة ثم يستعار من السباع فيجعل للناس وغيرهم.

 

          قال الأخطل:

جزى الله فيها الأعورين ملامة                وفروةَ ثِفرَ الثورةِ المتضاجم50

فجعل للبقرة ثفراً على جهة الاستعارة51

  المجاز والتشبيه: قال ابن الأنباري: وقال امرؤ القيس:

وأفلَتَهنّ عِلياءَ جريضا                ولو أدركنه حَفِرَ الوطابُ

          فُسر قوله صَفِر الوطاب تفسيرين: أحدهما: قُتِلَ وأخرج روحه من جسده، فصار جسده بعد خروج الروح منه كالوطب الخالي من اللبن، والوطب للّبن بمنزلة الزّقِّ للعسل والنّحي للسمن، وتأويل صَفِرَ: خلا. جاء في الحديث: إن أصفرَ البيوت لبيت لا يُقرأ فيه كتاب الله.

والتفسير الآخر: لو أدركت الخيل عِلباء قتل.

          وأخذت إبله فَصَفِرت وِطابه من اللبن. فالجواب الأول على المجاز والتشبيه52

2. شواهد الكتاب ومصادره

القرآن الكريم:

          أتى ابن الأنباري على جميع القرآن الكريم فاستقى من سوره، وفسّر عدداً منها، وذكر آراء المفسرين في ذلك، ويمكن أن نوضح ما يأتي:

 

أ‌.       تفسير الآيات القرآنية:

          قال ابن الأنباري: "ومما يفسر كتاب الله – عز وجلّ – تفسيرين متضادين قوله – جلّ اسمه – (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه). فيقول بعض المفسرين: الرجل المؤمن هو من آل فرعون؛ أي: من أمته وحيه ومن يدانيه في النسب. ويقول آخرون: الرجل المؤمن ليس من آل فرعون، إنما يكتم إيمانه من آل فرعون، وتقدير الآية عندهم: وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون53

ب- مناقشته لآراء المفسرين والإتيان بآراء جديدة

     ومن ذلك رأيه في آيات سورة يوسف التي أثارت جدلاً بين المفسرين، والآية: "ولقد همّت به وهمّ بها". قال ابن الأنباري: "ولا وجه لأن نؤخر ما قدم الله، وتقدم ما أخر الله" فيقال: معنى (ةهم بها) التأخير مع قوله – عز وجلّ – "لولا أن رأى برهان ربه" إذ كان الواجب علينا واللازم لنا أن نحمل القرآن على لفظه، وأن لا نزيله عن نظمه – إذا لم تدْعنا إلى ذلك ضرورة – وما دعتنا إليه في هذه الآية ضرورة – فإذا حملنا الآية على ظاهرها ونظمها كان (همّ بها) معطوفاً على (همّت به) – و (لولا) صرف مبتدأ جوابه محذوف بعده، يراد به لولا أن رأى برهان ربه لزنى بها بعد الهمّ – فلما رأى البرهان زال الهم – ووقع الانصراف عن العزم54

 ت- يتعرض في شروحه إلى القراءات القرآنية:

   قال في قوله تعالى: "يرونهم مثليهم رأي العين"، ومن قرأ "تَروْنهم مِثليهم" جعل الفعل لليهود أي: يا معاشر اليهود – ترون المشركين مثلي المسلمين – وقال أبو عمرو بن العلاء: من قرأ (ترونهم) بالتاء لزمه أن يقول: مثليكم – فرُدّ هذا القول على أبي عمرو – وقيل: المخاطبون: اليهود، و(الهاء) و (الميم) المتصلتان بمثل للمسلمين55

 الحديث الشريف:

          استشسهد ابن الأنباري بالحديث النبوي في توثيق آراءه، ومن أهم ما وجدته في استشهاده بالحديث أمرين:

   أحدهما: شرحه لعدد من الأحاديث النبوية، وعدم الاكتفاء بذكرها، ومن ذلك قوله، وفي الحديث: "أفضل الحجّ العجُّ والثجُّ" فالعجُّ: التلبية، والثجُّ: صب الدماء56

    الآخر: يذكر في أحاصين أكثر من رواية للحديث، نحو قوله: عن عبد الله بن الزبير أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لما هاجر إلى المدينة ودخلها جاءت ناقته إلى موضع المنبر فاستناخت وتلحلحت، وفي غير هذا الحديث: وأزرمت.

فمعنى تلحلحت ها هنا: أقامت وثبتت57

الشعر العربي:

رصدت عدداً من النقاط التي اتبعها ابن الأنباري في شواهده الشعرية، وهي:

ا-بين الشعر بالشعر: وذلك في مواطن عدّة، فيأتي بالبيت من الشعر ثم يتبعه بما يشبهه، قال: "قال الشاعر يصف قِدراً:

تقسم ما فيها فإن هي قُسمَت                          فذاك وإن أكرت فعن أهلها تكرى

 أراد: فإن نقصت فعن أهلها تنقص، أي: ضرر النقصان على أهلها يرجع.

وشبيه بهذا قول الآخر:

أقسم جسمي في جسوم كثيرة                         وأحسو قراح الماء والماء بارد




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home