مقال

 

معاني إنسانية

سيد يوسف



 

معانى إنسانية (1)

حول الحرمان من الحبيب

سيد يوسف

تمهيد

بعض القلوب تهفو إلى أليفها في غير معصية. تهفو إليه وكأنها تستنشق للحياة معاني أخر يتذوقون بهذه المعاني مشاعر تجعلهم يطيرون بأجنحة من الشوق إلى أحبائهم...فماذا لو توارى جسد الحبيب  تحت الثرى؟

إلى هؤلاء الذين ينزفون مشاعراً لا يملكون لها دفعاً...

إلى هؤلاء الذين لم يستطيعوا أن يتعايشوا مع الأحياء بقوانينهم.

إلى هؤلاء الذين تظل قلوبهم تهفو إلى أليفهم .

إلى هؤلاء الذين لا يستطيعون التصديق بفراق أحبائهم.

إلى هؤلاء الذين لا يعرفون سوى دمع الفراق والحرمان.

إلى هؤلاء الذين يعيشون بأجسادهم معنا ..أما قلوبهم فهي هناك تتطلع إلى أن يجمع الله شمل لقاء أَبى القدرُ أن يجمعهما معا في الدنيا.

إلى هؤلاء جميعاً وهؤلاء فقط ( رغم ندرتهم في حياتنا ) نسوق تلك المعاني.

قال لى

أعلمُ أنك من الذين يرون أنه قد مات من فقد حباً أو فقد قلباً كانا معا متحابين حباً حقيقياً تتناقله الأجيال . ولكنْ اعلمْ أنى ممن يؤمنون أن من فقد حبيباً بموت أو سفر أو هجر يبقى ميتاً ولربما كان ابن 25 سنة وينتظر أن يدفن وهو ابن 60 عاماً. أنا أوقنُ بذلك وأعنيه تماماً وأعيشه واقعاً أتجرعه كل يوم.

قلت : هون على نفسك صديقي ..إنما الدنيا متاع وخير متاعها الزوجة الصالحة و..

قاطعني قائلا:هل تعلم كم كنت أحبها؟

سكتُّ مطرقاً ساهماً سارحاً في قلوب المحبين يا لها من قلوب لا يفقهها كثير من الناس ..إن لهم قلوباً قلما تتناغم إلا مع الأحبّاء ... وكأن كل الناس موتى إلا الأحبّاء ...وكأن الأحباء  بعضهم ببعض عليماً.

أعاد سؤاله: هل تعلم كم كنت أحبها؟

قلت: أعلمُ انك كنت تحبها كثيراً ولربما كنتَ شديد الإخلاص لهذا القلب بيد أن الحياة واسعة و..

قاطعنى ثانية قائلا:هل تسمح لي أن أقول لك كم كنت أحبها؟

قلت: حسناً ولكن لم أنا تحديداً ؟

قال: لا تسلني ...فقط اسمع لي

قلت في نفسي : إن المحبين يلتذون بالتنفيس عن مشاعرهم ولا يخجلهم تلك المشاعر...و كيف يخجلون؟!! وهي الطاهرة العفيفة........

قلت : صديقي أنتَ وما تريد افعلْ ما يحلو لك أنا لك بأذني ونفسي .

ثم رأيت صديقي يتمثل حبيبته أمامه ونسيني تماماً وأخذ في الحديث كأنه يحدثها وعاش في زمن آخر ثم أخذ يوجه كلامه لها وكأنها أمامه وكأني لست معه ثم قال:

حبيبتي

 أنا ما رأيت جمالاً امتزج فيه هذا الكم من الرقة إلا فيك لو كان للجمال من عرش لصرت مليكة ذلك العرش ولا عجب فأنت مليكة قلبي.

حبيبتي

إن اسمك ليحلو لي فأردده بيني وبين نفسي فتفيض عيني من الدمع من فرط مشاعري فأين أنت؟

قلت في نفسي ( ودموع عين المحبين مدفوعة دوما بهياج قلوبهم.. وإني لأعلم بأنه إذا بكى القلب فلن تكف العين عن الدموع ..وإن دموع المحبين لهى الجسر الذي تعبر عليه آهات العاشقين).

واسترسل صديقي مع مشاعره:

حبيبتي

 رأيتكِ قصائد شعر ممتلئة دفئاً وشذى عبيرها يسد علي مسالك نفسي...وما الحياة بغيرك حبيبتي ؟

ما الحياة بغيرك أنتِ حبيبتي ؟

إنها كقطعة جحيم يتلظى فيها قلبي....فأين أنت؟ أين؟

قلت في نفسي

لقد ماتت حبيبة صديقي في دنيا الناس لتحيا في قلب صديقي لتحيا داخل حنايا قلبه.

ماتت وما درى أحد أن صديقي هو الذي مات في دنيا الناس : مات يوم أن ماتت حبيبته لكنه ظل على قيد الحياة يتجرع قسوتها في غيابها.

 ولا عجب فمن غيرها هي- وهي فقط - من يمسح جراح قلبه من الأحياء...لا ملاذ إلا باللجوء لرب الأحياء ....

ثم استرسل صديقي قائلا:

حبيبتي

كنتِ لي هدية السماء فأهديتك مشاعري الفياضة،

 فملكتِ قلبي فأنتِ أعز حبيب،

كم رأيتُ في مشاعرك نبع حب صاف ،

ولكم شَعُرْتُ بك حبيبتي كم شَعُرْتُ...

حين أرى السماء مبتسمة فإني على يقين أنك سعيدة ،

وحين أرى السماء غائمة فإني على يقين أنك حزينة ،

وليس في ذلك بدع فالسماء تبكى لحزنك والسماء تفرح لابتسامتك

فكيف لا افرح بك مثلها؟

حبيبتي

كم رأيتُ في عيونك بريقا يسكر عيون الناظرين وكأنه بريق نجم استعصى على الأفول.

وبريق عيونك حبيبتي يشعل ضوء المصابيح ..

وبريق عيونك حبيبتي يجعل حاضري ألذ حاضر

وبريق عيونك حبيبتي يصنع لي ذكرياتٍ جميلة: ذكرياتٍ خُلقتْ لتبقى ..

ولا عجب فهي تستعصي على النسيان.

قلت في نفسي : حقا ما الإنسان إلا مجموعة ذكريات فإن ذهب بعضها ذهب عمر الإنسان.

ثم قال صديقي

حبيبتي

أراكِ بدعاً من الجمال تساق على نموذج جمالك معاني الجمال والحسن في دنيا البشر.

حبيبتي

أحسستُ بك فأنتِ الرئة الأخرى بصدري ، أحببتكِ فكنتِ الصوت الحنون على شفتي، عشقتكِ فكنتِ المعنيّة في أغاني الحب والفرح، هفا إليكِ قلبي  فحفرتُ اسمك بأحرف من نور داخل حنايا قلبي ، جاءك زماني لينضم إليك فكنتِ أنت الأمس والمستقبل، رأيتُ فيك حواء الأولى فامتزجتْ بحبك شرايينُ قلبي .

حبيبتي

أراكِ كورد حدائق يتفتح في ربيع الكون الجميل, أحسستُ بك كرقة حانية في دنيا القساة ، ورأيتكِ كالطاعة البصيرة في زمن العصاة ، ولو شئتِ لقلتِ كأمن جميل في دنيا الخائفين، رأيتكِ إيثارا في زمن الأثرة ، أراكِ صمتا جميلا أو همسا صادقا في دنيا المحبين ، شممتكِ عطرا فواحا ولمستك كنسمةٍ عابرةٍ وطيفٍ أخّاذ ، وصرتِ لي ذكرى عطرة. فأين أنت؟

كنتِ حلمي وحلم الليالي ،

كنتِ كشعاع الثّريا فأين أنت؟!

كنتِ لي نبع الرؤى..فأين أنت؟!

تعالى

خذيني

خذيني

خذيني

فما الحياة بغيرك حبيبتي؟ ما الحياة؟!!

قلت: صديقي إحساسك جميل ومعانيك في قلبك ، وإني لأعلم خسة اللفظ إذا قورن بطهر وعمق المشاعر الفياضة النبيلة.

قال لي

هل تعلم صديقي أنه ما من شمس تشرق، ولا من غروب يغرب، ولا من رياح تهب، ولا من نجم ينجم، ولا من برق يلمع، ولا من روض يضحك ،ولا من ذكرى تهتاج لها قلوب المحبين، ولا من أغنية حب صادق إلا ولى معها ذكرى..

 وكانت ماثلة أمامي أراها نضحك معاً ...نسمع معاً ...نحس معاً ...نحب معاً ....نتلاقى معاً....دوماً معاً

ثم توجه صديقي إلى خياله كأنه يتمثلها هلالا أو قمرا أو بدرا وأخذ يناجيها وهى الحاضرة الغائبة قائلا:

حبيبتي

أنت أسطورة حب لا يقهر، أو جيش مشاعر لا يهزم ، أو مركب عشق يستقر عليه قلبي.

ثم التفت إلى قائلا: أو تدرى كيف هي حبيبتي؟؟

إنها الرقة الكاملة اجتمعت وصار لها جناحان فطارت بعيداً بعيداً  وأخذت تبحث عن أحن قلب وأصدق حب وأرق نفس وأنفس مستقر فما وجدت غير قلبي أنا... نعم قلبي أنا.... فتلك حبيبتي فأروني مثلها من حبيبة؟؟!!

ثم قال لي

هل تعلم قطر الندى حين يتجمع فيصير ماء عذباً سلسبيلا؟؟

لقد تجمع حب حبيبتي في قلبي وكأنها قطر ندى يتجمع حتى صار وكأنه أنهار شوق وحب لا يجد من بين قلوب كل البشر إلا قلبي أنا...نعم قلبي أنا....فأروني مثلها من حبيبة؟

وأخذ صديقي يسترسل في تلك المعاني إلى أن قال:

لو كنتَ تعلمُ كم هي غالية على لعلمت موتى أن تكون هي هناااااااك بعيداً

لكمْ كانت تتوق نفسي أن أموت قبلها...إنها أعز على من روحي...

 لو كنت أملكُ من الأمر شيئاً لصنعت لها من خيوط الشمس مملكة أو قصرا للخالدين وكتبت على بابه: أنت أعز على من روحي ، أنت أغلى حبيب، فأين أنت؟!!

أين؟!!

تعالى

تعالى

خذيني

خذيني

خذيني....تحت عينيك ...داخل حنايا قلبك ...بين رموش عينيك....خذيني

تعليق

لا عجب فقوانين الحب لا تعرف العقل...ولدى البعض منا أحاسيس لا يقدرها إلا هو- هو وحده- لا يشاركه الناس آلامه فيها...كيف والجرح جرحه هو ؟؟!!

لقد باء صديقي بالحرمان من الحبيب لا الحرمان من الحب وكلا الأمرين لا تستقيم الحياة الحقيقية بغيابهما.

وإن من صور الحرمان : فقدان التواصل لاعتبارات تتعلق بالسفر مثلا أو السن ( تفاوت سن كبير لصالح أيهما ) أو السفر أو الهجر أو اختلاف المستوى الاجتماعي والاقتصادي بشكل حاد أو..........أو بالموت وتلك من أقسى صور الحرمان.

وقد عبر عنها صديقي بمعان إنسانية عامة لا يشعر بها إلا من ذاق مرارتها وقسوتها .... عافانا اللـه جميعا.

وفى الحياة مشاهدُ متنوعة من الحب التي تختلف قوتها وصورتها بحسب الأشخاص ( وهو الجزء الثالث من المعاني الإنسانية ).

فى النهاية

 هي تجربة وجودية إنسانية حاضرة علّنا نستفيد منها ولو في تقدير مشاعر الآخرين والتأكد من قانون الفروق الفردية بين الناس وغير ذلك.

اسأل اللـه أن ينفعنا جميعا.

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home