القلم الفكري

 

"النص" القرآني وآليات الإنتاج المعرفي

حسام أبو حامد



شكل النص الإسلامي (قرآنا وسنة) سلطة فكرية وثقافية حكمت، ومنذ البداية، مجمل عملية الإنتاج المعرفي العربي الإسلامي في العصرين الأول والوسيط، وحددت أبعاده وهيمنت على توجهاته. ومثل القران الإطار المرجعي العام للفكر العربي الإسلامي، إذ كان للنص القرآني من حيث الشكل(البنية) والمضمون ( الموضوعات والأحكام والتصورات العامة) دور محوري في توجيه التطور اللاحق لهذا الفكر. لم ينطلق القران من فراغ تاريخي وسيوسثقافي، بل يبني على ما سبق "تصحيحاً" وإغناءاً وتطويراً (( وما كان هذا القران أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين)) (يونس:37). وإن كان القران يقطع مع ما سبق، فإن هذه القطيعة هي قطيعة نسبية، بمعنى النقلة النوعية من إطار معرفي إلى آخر. فلم يخاطب القران المجتمع المكي بلغة غريبة، فما أن صدع به النبي، حتى قالت العرب((أساطير الأولين)). والأسطورة من (سَطَرَ) بمعنى صف ورتب ونظم، فهي الكلام المنظم سطر وراء سطر بحيث يسهل حفظه وتداوله مشافهة أو كتابة. فراجح أن المجتمع المكي كان منفتحاً على جملة معارف مختلفة هي حصيلة لمختلف الديانات والمعتقدات السائدة في شبه الجزيرة العربية ذات التأثر بالحضارات الشرقية القديمة التي طبعتها الحياة البدوية بطابعها الخاص(1). فالموضوعات المختلفة التي تضمنها الخطاب القرآني كالبعث والنشور والقيامة وقصص الأنبياء من بني إسرائيل…، لم تكن غريبة كلياً عنهم، بل حتى الفكرة التوحيدية والمحورية في القران كانت منتشرة أو مطرحة على الأقل لاسيما من خلال ما عرف بظاهرة الحنفاء. وقد حفظ العرب تلك المعتقدات على شكل نظم وكلام مسطور شعراً تارة، وسجعاً تارة أخرى كسجع الكهان المنتشرون حول الكعبة. فإن كانت موضوعات الخطاب القرآني قد تقاطعت مع كثير من تلك المعارف ورأى فيها المشركون مدخلاً للتشكيك في البعثة المحمدية، فإنها بالنسبة للقران وللوعي الإسلامي عامة دليل على استمرار الرسالة الإلهية لبني الإنسان والتي ختمت بالنبي محمد. وحسب الاعتقاد الإسلامي، فالقران بأكمله وحي مباشر من الله، على خلاف الأناجيل الأربعة التي هي وحي غير مباشر لآباء الكنيسة الأربع، أما الاعتقاد السائد في اليهودية فهو أن الإصحاحات العشر الأولى من العهد القديم منزلة أما الباقي فهو تاريخ. مع ذلك فالقران كان مشروطاً بالظروف الاجتماعية والتاريخية التي عاصرت نزوله، وهو في الوقت الذي يمثل امتداداً معرفياً لما سبقه، فإنه يصادر على ما سيأتي حين ُيقدم على أنه الفصل الأخير في التاريخ الروحي للبشر، والذي تتحقق فيه المشيئة الإلهية الكونية والاجتماعية: (( …اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً…الآية)) (المائدة:3) . نحن هنا أمام عملية من طرفين متعاكسين ومتكاملين في آن واحد: الاستحواذ على ما سبق واستيعابه وممارسة التعديلات اللازمة عليه بما يتناسب والمرحلة التاريخية المعاصرة للبعثة، ومن طرف آخر، المصادرة على ما سيأتي وإخضاعه للحظة الدينية الأولى باعتبارها أصلاً(2)، وأما نتائج هذه العملية فهي حقل دلالي ومعرفي وقيمي جديد وإشكاليات ميتافيزيقية واجتماعية ومعرفية جديدة. وإذا كان المسيح في النصرانية يملأ المسح بشخصه، فإن القران- حسب تعبير هيغل- هو البحث عن الواحد. فخلافاً للارتباط الأنطولوجي بين الاب والابن والروح القدس في المسيحية، يقيم الإسلام هوة أنطولوجية لا يمكن تجاوزها أو ردمها بين الله والإنسان(3). ومقارنة باليهودية، فإن الإسلام يستبدل عالمية الإله بالفكرة الأقوامية اليهودية. فالله في التصور الإسلامي هو " رب العالمين" وليس إله لشعب مختار. والإسلام يقدم نفسه على أنه دين ودنيا، و"الخطيئة الأصلية" التي يمكن تجاوزها مسيحياً بتضحية ذاتية جوانية، وباختزال الخلاص في تضحية المسيح وحده، فإنها في الإسلام يتم تجاوزها عبر "الكفاحية الدنيوية" والنهوض بأعباء "الجماعة" في سياق التشريع لها ضمن حاكمية مدنية. يعرض القران ميتافيزيقاه الخاصة بطريق تبدو أكثر مطابقة للعقل. فدعا القران للتأمل والتفكر في ملكوت السموات والأرض وعبر تكرارها في مواضع عدة، فتكررت كلمة "عقل" في تسع وأربعين آية، ومادة "فكر" في نحو ثمانين آية، ومادة "علم" في حوالي تسعمائة آية. لكن هذا الإلحاح على أهمية العلم والعقل في الخطاب القرآني قد ارتبط بوظيفة محددة، فدلالة العقل هنا أقرب إلى التأمل والتدبر في الكون ومظاهره من حيث دلالتها على الخالق، أي أننا هنا أمام عقل التعرف على الشيء كما هو معطى، فتحددت وظيفة العقل في استخلاص العظة والعبرة من خلال الدهشة الناتجة عن فعل التأمل، هنا يبقى العقل داخل دائرة النص والاعتقاد. ستبرز هنا صيغتان متعارضتان، أرادت الأولى أن تبقي العقل داخل هذه الدائرة، دائرة النص والاعتقاد، والاكتفاء بوظيفته التسويغية التأملية عبر الإلحاح على النص بوصفه ماضياً وحاضراً ومستقبلاً والذي تجسد في مقولة "القران صالح لكل زمان ومكان"، بينما حاولت الثانية تحرير العقل من تلك الوظيفة التسويغية ومنحه حركته الذاتية من حيث هو أداة المعرفة بدل أن تكون حركته مفروضة عليه من خارجه أي من دائرة النص والاعتقاد وبتوجيه منه. واستطاعت هذه الصيغة الأخيرة أن تحقق نجاحاً متفاوتاً ونسبياً، لكن عبر كثير من التعرجات والانحناءات بل والتحولات التاريخية، وعبر تطوير آليات وأدوات جديدة في التعاطي مع "النص" كان من أبرزها التأويل العقلي. ولكن كلا الصيغتين كانتا بحاجة إلى الاستناد إلى النص لتبرير مشروعيتها النظرية والأيديولوجية. إن إحدى الخصائص الكبرى للنص القرآني تمثلت في بنيته المفتوحة على صعيد القراءة(البنية اللغوية) وعلى صعيد الموضوعات. إن انفتاح البنية اللغوية سيجعل من القران "حمال أوجه"، بينما سيكسب الانفتاح على صعيد الموضوعات واتساعها القران مرونة عالية لمواكبة الواقع المتطور بدءً بلحظة "النزول" الأولى. فالمعروف أن القران قد"نزل" منجماً خلال ثلاثة وعشرين عاماً، الأمر الذي أكسبه اتساعاً في الموضوعات والقدرة على مواكبة كل جديد ومستجد في حياة المسلمين( ولو أن القران نزل جملة واحدة، لتحول سريعا إلى كلمة مجردة خامدة، وإلى فكرة ميتة، وإلى مجرد وثيقة دينية، لا مصدراً يبعث على الحياة في حضارة وليدة)(4)، لذا كانت الدعوة الإسلامية متطورة ونامية واكتسبت تشريعاتها مرونة عالية، بل تغيرت التشريعات من فترة إلى أخرى عبر ما عرف بعملية" النسخ"، وسيصبح العلم بالناسخ والمنسوخ أحد الشروط الواجب توافرها في المفسرين والمجتهدين والفقهاء. وكان الرسول يشرح لأصحابه ما خفي عليهم من معنى ويفصل الأحكام الواردة في القران ويبين ناسخه من منسوخه. لكن مع مرور الزمن وتقادم العهد سيختلط ناسخ القران بمنسوخه وسيصعب العثور على اتفاق عام بين المسلمين على الآيات الناسخة والمنسوخة، لاسيما إذا أخذنا بعين الاعتبار فترة العلم الشفاهي الممتدة منذ وفاة النبي وحتى عصر التدوين في القرن الثاني الهجري. وسيؤدي هذا بدوره إلى الاختلاف في التشريع وتعدد وجهات النظر الفقهية. وألح بعض المفسرين الذين تحلوا بحس تاريخي بحدود قليلة أو كثيرة، على أسباب النزول واعتباره حاسماً في تفسير القران واستنباط الأحكام الشرعية. فالآية- الحكم كانت تشرع عقب الحادثة المشرع لها، لكن هذا الوضع سيتغير بعد وفاة الرسول وانقطاع الوحي، حيث ستسير العملية في الاتجاه المعاكس ليتقدم التشريع أو الحكم الحادثة المشرع لها. وسيتضح هذا التوجه أكثر عند "الارأيتيون" كما يحلو لخصومهم تسميتهم، وهم أصحاب المذهب الفقهي الحنبلي وبعض أصحاب المدرسة الفقهية التي ستعرف بأهل الرأي، وكان أبرزهم الإمام أبو حنيفة النعمان وعبد الله بن مسعود. فقد استطاع الأحناف تطوير نوع من الفقه الافتراضي عبر اقتراح حوادث مفترضة والتشريع لها. وربما تمثلت ردة الفعل على هذا الفقه الافتراضي في عملية تقعيد القواعد وتأصيل الأصول العامة التي قام بها الشافعي، وهدفت أساساً إلى رد المسائل الجزئية الكثيرة التي نجم كثير منها عن الفقه الافتراضي إلى أصول عامة. وبالرغم من المنهج العقلي الذي يبرز عند الشافعي بحدود كثيرة أو قليلة فإنه انتهى إلى تضييق حدود الاجتهاد في الرأي واختزله في القياس ملحاً على إعطاء النص (قراناً وسنة) وحده الأولية التشريعية. يأتي إعلان علي بن أبي طالب أثناء موقعة " صفين" بأن القران ((إنما هو خط مسطور بين دفتي المصحف لا ينطق وإنما يتكلم به الرجال))(5) ليؤكد أن القران حمال أوجه. يقول الماوردي في "نصيحة الملوك": (( كلام كل كتاب وأخبار كل نبي لا يخلو من احتمال تأويلات مختلفة، لأن ذلك موجود في الكلام بنفس طباعه ولا كلام أولى بهذه الصفة من كلام الله جل ذكره، إذ كان أفصح الكلام وأوفره وأكثره رموزاً وأجمله للمعاني الكثيرة(…) ولابد في الدين من وقوع الحوادث التي يحتاج إلى النظر فيها والنوازل التي لا يستغني العلماء عن استخراجها، ولذلك صار لكل رأي تبع ومشرعون ومأتمون، وكان سبباً لاختلاف الأمم وانشقاق عصاها))(6)، وإذا كان قراء النص المقدس يفترضون أن هناك وحدة على المستويين: وحدة النص ووحدة المعنى فإن الواقع يشير على (( أن هناك تعدداً فعلياً في القراءة، هو الذي أنتج مختلف الاتجاهات والمذاهب إزاء النص الواحد، وهناك بالمقابل رفض لتعدد المعنى من كل اتجاه أو مذهب مادام يدعي أن قراءته هي القراءة الوحيدة الممكنة))(6). تشترك السنة النبوية من حيث كونها "نصاً" مع القران في إشكالية القراءة، وتنفرد بإشكالياتها الخاصة، التي ربما يتمثل أهمها في عملية التوثيق، ففي خضم الصراع السياسي والأيديولوجي والفكري ستكثر الأحاديث الموضوعة وسيحدث التضخم في رواية الحديث، حتى ليصح القول مع غولدتسيهر أن الحديث (( يعتبر وثيقة ثمينة للتطور اللاحق الذي حدث في الإسلام وليست مصدراً تاريخياً لنشأة الدين))(7). ويعلل ابن خلدون ظهور الخلاف في الأحكام الشرعية بقوله: (( وكان السلف يستخرجونها [ الأحكام الشرعية] من تلك الأدلة على اختلاف فيما بينهم. ولابد من وقوعه [الاختلاف] ضرورة أن الأدلة غالبها من النصوص وهي بلغة العرب وفي اقتضاءات ألفاظها لكثير من معانيها اختلاف بينهم معروف وأيضاً فالسنة مختلفة الطرق في الثبوت وتتعارض في أكثر أحكامها فتحتاج إلى الترجيح، وهو يختلف أيضاً فالأدلة من غير النصوص مختلف فيها، أيضاً قالوقائع المتجددة لا توفي بها النصوص وما كان غير ظاهر في النصوص فيحمل على النصوص المتشابهة بينهما وهذه كلها إشارات للخلاف ضرورية الوقوع من هنا وقع الخلاف بين السلف والأئمة من بعدهم))(8). إذا كان الخلاف قد وقع حول الأحكام الشرعية ،أي في الجانب العملي، فإن الخلاف في الجانب النظري (العقائد) هو من باب أولى. يقول صاحب "المقدمة" مفسرا نشأة علم الكلام: (( عرض بعد ذلك خلاف في تفاصيل العقائد أكثر مثارها الآيات المتشابهات فدعا ذلك إلى الخصام والتناظر والاستدلال بالعقل زيادة إلى النقل فحدث بذلك علم الكلام))(9). إن القران نفسه يميز بين المحكم والمتشابه ((هو الذي أنزل إليك الكتاب فيه آيات محكمات وأخر متشابهات… الآية))(آل عمران:7)، ولكن الإلحاح على هذا التمايز بين المحكم والمتشابه هو مقدمة للتمييز بين ظاهر وباطن للنص القرآني، ومقدمة لإعطاء العقل دوراً أساسياً ليكون حكماً على النصوص كي يفصل في صحتها، ويفتح الباب أمام التأويل العقلي ليلعب دوره في النفاذ إلى باطن النص ليفض كنهه ويستنطقه بما سكت عنه والذي لم ينطق به ظاهره. وبالتالي أن يخرج هذا العقل من دائرة النص ليكون أداة إنتاج معرفي مستقل عن النص وعن الوظيفة التسويغية التي أنيطت به مبكراً أي ليتحول من "عقل التعرف على الشيء" على "عقل معرفة الشيء".




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home