القلم النقدي

 

الشعر البدوى

عبد الله السلايمة



 

الشعر البدوى

إشكالية ثنائية البداوة الحضارة

بغض النظر عن اختلافنا مع المفكر العربى الكبير عبد الرحمن بن خلدون في كتابه المقدمة حول مفهومه عن البداوة حيث يراها نقيضاً للحضارة وضداً لها، لما يغلب على طبيعة أهل البادية من الخروج على ربقة الحكم، ومن نظام وأسلوب حياتهم غير المستقر، تلك الطبيعة التي يراها ابن خلدون منافية للعمران ، لما يتطلبه البناء من استقرار، أو اتفاقنا مع بعض ما ذهب إليه المفكر الفرنسي المعروف " جاك آتالى " في كتابه الأخير " الإنسان البدوي "حيث يرى أن البدو لم يكونوا ، وعلى العكس من المفهوم الخلدونى، والصورة الشائعة عنهم متوحشين يهدمون الحضارة ، ويقوضون المدن، بل هم في الحقيقة ـ كما يقول آتالى ـ قوى الإبداع والاكتشاف الحقيقية التي أنشأت كل الإمبراطوريات .

وإذا اتفقنا أن من سمات البداوة عدم الاستقرار والترحال الدائم طلباً للماء والكلأ، أو بأنهم حسب ما يعرف في الأدبيات الاجتماعية " حالة رعوية" هل ذلك يعطينا الحق في النفور من تراثهم الذي يعد بكل ألوانه وصوره المكون الأساسي لحضارة البادية، ولشعرها البدوي كأحد مفردات التراث البدوي الشفهي لأن أبناء البادية وحدهم الذين يختصون بإبداعه ، ولرفض لغتهم التي هي معين شعرهم .

و لأن اللغة هي معين شعرهم، ويرفضها الحضر لأنها مسكونة بالبداوة ، مما يعد رفضاً بدوره لقيم الصحراء التي يستلهمها هذا الشعر ، بل رفضاً لحياة البادية في عمومها التي تشكل المادة الفنية لهذا الشعر، هذا الرفض وإن اتخذ شكل الصراع بين العامي والفصيح ، تحكمه جدلية الصراع الأزلية بين البدو بثقافتهم الشفهية ، والحضر بثقافتهم الكتابية ، وانتصار الثقافة الكتابية على الثقافة الشفهية يعنى في نهاية المطاف انحسار البداوة وقيمها أمام الزحف المدني المدجج بالتكنولوجيا والأيديولوجيا وأدوات الكتابة .*(1)

وفى تتبعنا لتاريخ العلاقة بين البدو وبين الحضر، ومحاولة تفسير إشكالية الصراع بينهما نجد أنفسنا بحكم ثقافتنا المدرسية، وتنشئتنا الكتابية، نتبنى دونما أن نشعر موقفاً ذهنياً ومعرفياً لا يختلف في بنيته وتكوينه عن موقفنا تجاه الأدب البدوي، ونتقمص دوماً، وبدون وعى منا وجهة النظر المدنية الحضرية المنحازة ضد البداوة.

وعلينا إذا ما أردنا فهم الثقافة البدوية فهماً حقيقياً أن نتجاوز تحيزنا لهويتنا الحضارية، وأن نفهم حقيقة البداوة أولاً لا كضد الحضارة ومنافياً لها، وأن البداوة لا تتعدى كونها " حالة رعوية" وفوضوية لا تستحق غير النفي والإقصاء ، بل علينا أن نفهم الثقافة البدوية من داخلها ووفق شروطها هي ، حتى نتمكن من رؤية العالم بعيون بدوية ، وأن البداوة ليست رمزاً للفوضى والدمار وإنما كثقافة مكيفة لاستغلال مناطق إيكولوجية وموارد طبيعية غير متاحة، ولا تتواءم مع طبيعة الحياة الحضرية، بعدها علينا أن نعيد تقييم علاقة البدو مع الحضر، وتفهم طبيعتها من وجهة النظر البدوية والحضرية على حد سواء.* (2)

وإذا كانت الحضارة تعرف بأنها حصيلة من الذكريات التي تعبر عن نفسها في شكل نظم فكرية تكشف عن كنهها في كل مظاهر الحياة اليومية, وفي حصيلة المعارف المتوارثة التي تحدد الممنوع والمرغوب فيه قولاً وفعلاً, وفي كل شكل من أشكال الإبداع التي تفهمها الجماعة, وتكتشف فيها أبعاد إدراكهم للمحدود واللامحدود فيما وراء الفهم الحسي. (3).


 ويعد التراث الشعبي عملية طبيعية تنتمي كل الانتماء إلى العملية الحضارية, فهو لم يوضع وضعاً وإنما نشأ من خلال عملية معقدة, تتراكم فيها المعارف الحياتية والكونية, وهذه المعارف تظل تـغربل وتـُنقى حتى تستقر في تشكيلات فنية ذات قيم إشارية عالية, وقيم جمالية شديدة الخصوصية. (4).


والشعر البدوي كأحد مفردات التراث البدوي الشفهي ، والذي ـ فيما أزعم ـ  يضيف رافداً جديداً للأدب في الوقت الذي أفقدت الحداثة في شعر الحداثيين بعض خصائصه الجمالية ، وإن أثرت حقوله الدلالية اللغوية، إلا أن الأصالة لها من السمات القادرة على إحداث التوازن بين الشكل والمضمون ، وبين المعنى والمبنى ، لذا غدا الشعر البدوي ـ فيما أحسب ـ همزة الوصل بين الأصالة والمعاصرة ، لأنه يدخل للشعر مفردات لهجية ، وحقولا دلالية ولغوية لم تكن موجودة من قبل ، كما يضيف للقاموس اللغوي مفردات جديدة، وأفضية زمانية ومكانية ، لتعيد لنا قضية المطبوع والمصنوع في الدرس البلاغي ، كما تحيلنا إلى البلاغة الجديدة عبر فضاءات الألسنية ، وتلك ـ أظنها ـ سمات وخصائص تخدم اللغة والأدب معاً ، وتضيف أبعاداً جديدة للدرس الأدبي والنقدي معاً . *(5)

وهذا يدعونا لمحاولة بدء جادة وحيادية لاستكشاف حقيقة البداوة والثقافة البدوية، وعلاقة البدو والحضر ، تلك العلاقة التي تقوم على التعاون والتكامل والإجلال .

وتقتضى الضرورة هنا الإشارة إلى أنه إذا كان التشبث بالتراث رجعية ـ كما يظن بعض مثقفينا الأفذاذ الذين لا يتوانون عن اللهاث خلف قيم الحضارة السوقية ـ فأمامهم اليابان كنموذج يحتذى به،  حيث تجمع بين إنتاج أحدث منتجات العصر تكنولوجياً ، أما على المستوى الثقافي فهي رجعية ـ إن صح القول ـ لأنها تتمسك إلى أبعد الحدود بموروثها الثقافي والشعبي والمحلى .

ترى هل يستيقظ ضمير تلك الفئة، وضمائرنا نحن قبل أن نواصل ـ وبجهل منا ـ ارتكاب جرم لن تغفره لنا أجيال قادمة سوف تجيء، ربما وجدت نفسها بلاهوية أو شخصية، وربما ذاكرة أمة غيبها أبناؤها قبل أن يغيبها أعداء يتربصون بلا كلل بتاريخ وحضارة وذاكرة أمتنا ليل نهار.. فهل من مستيقظ ؟!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1-    د/سعد بن عبدا لله الصويان ، البداوة والحضارة ، عن صحيفة الجزيرة الإلكترونية

2-    المصدر السابق

3-    د/ نبيلة إبراهيم ، الصور الجمالية للتعبير الشعبى ، الهيئة العامة لقصور الثقافة،مصر1996

4-    نفس المصدر

5-    حاتم عبدا لهادى السيد،الشعر البدوى فى سيناء،دراسة مقدمة لمؤتمر السويس الأدبى،مصر2007

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home