القلم النقدي

 

الخيال الشعري وعلاقته بالصورة الفنية

عبد الحميد قاوي



الخيال الشعري وعلاقته بالصورة الفنية

الأستاذ عبد الحميد قاوي

جامعة عمار ثليجي – الاغواط- الجزائر

Hamid38@maktoob.com

رقم الجوال : 0790656249

ملخص

 

الصورة الفنية صياغة فنية تهب المعنى المجرد شكلا حسيا يمكّن حواس الإنسان الظاهرة والخفية من التفاعل معها تفاعلا إيجابيا عن طريق تلق مفتوح يتجدد باستمرار، كما تنوه على ذلك المناهج النقدية الحديثة والمعاصرة. ولمّا كان نقادنا القدامى قد تناولوا مفهوم الصورة الشعرية في منظومتين بلاغيتين هما المشابهة والمجاورة, اعتمادا على استقصاء الأوجه البيانية من تشبيه واستعارة وكناية ومجاز مرسل.. فإن نقادنا المحدثين جعلوا المفهوم مواكبا للفتوحات الإبداعية المستجدة بما فيها من تغيرات وتحولات، خاصة على أيدي رواد المدارس الأدبية والمناهج النقدية الحديثة . ولقد كان الخيال - وما يزال - المبحث الأسمى من مباحث الأدب، والكلام الذي لا يدل على درجة من درجات الخيال لا يدخل باب الفن بحال من الأحوال، والخيال هو مصدر الصورة الخصب، ورافدها القوي، وسر الجمال فيها، وهو نظرية جديدة حديثة في مفهوم الصورة الفنية حيث تعتمد عليه كلية. وبناء على هذا جاء هذا البحث لبيان الوشائج والروابط بين الخيال الشعري والصورة الفنية لإيضاح هذا المصطلح ( اعني الصورة الفنية ) الذي غمض والتبس على الكثير من قرائنا والمشتغلين في حقل الإبداع والنقد الأدبي  .

 

 

توطئة :  

لا جرم أن الفنون الجميلة  تشترك في أنها تعبير عن تجربة الفنان الشعورية سواء كان هذا في زوايا ذاته ، أو في احتكاكها وتفاعلها مع الآخرين، أو في تأملها لهذا الكون الذي نعيش فيه ([1]) إلا أن الأداة التي يتوسل بها كل فن من هذه الفنون الجميلة في تجسيد تجربته وتحقيق غايته هذه، تختلف من فن لآخر فهي في الموسيقى أصوات وأنغام، وفي النحت أحجام وأشكال، وفي التصوير ألوان وخطوط، وفي الرقص إلتواءات وحركات...([2]).

ثم إن الإحساس بجمال هذه الفنون جميعا لا يتولد لدى الإنسان من تأثير مظهرها أو شكلها الخارجي على حواسه فقط، بل بالمعنى الذي توحي به، فالإحساس بجمال الرسم أو الموسيقى- مثلا- لابد أن يتبعه إحساس ما بالمعنى الذي توحي به الألوان والظلال في الرسم، أو الأصوات والأنغام في الموسيقى و إلا أصبحت ضربا من البعث لا طائل من ورائه.

والأدب – بضربيه- واحد من هذه الفنون الجميلة، مادته الألفاظ والعبارات وجماله يتأتى من ترابط ألفاظه وعباراته، وتعاونهما في تقديم صورة فنية جميلة موحية ذات معنى يهتز لها المستمع (أو القارئ، المتلقي) وتطرب له نفسه.

- وكلمة "أدب" في ظاهرها تبدو كلمة موجزة، بسيطة لا لبس فيها ولا تعقيد ولكن محاولة الاقتراب منها لتعريفها تعريفا دقيقا، محددا يبين لنا أنها جد معقدة، وحسبنا في توضيح هذا التعقيد أن نذكر أن الذين حاولوا تعريف هذه الكلمة 'أدب) –على كثرتهم- لم يتفوا بعد في تقديم تعريف محدد، جامع مانع لها، ولا تزال المحاولة التي يبذلها النقاد، والدارسون في تعريف الأدب وتفسيره، دليلا واضحا  وبرهانا قاطعا على ما بينهم من اختلاف في تحديد معناها ومدلولها.

وقد جرت عادة الكثير من المؤلفين والدارسين للأدب أن يميزوه بالخيال والابتكار فالأديب إنسان متخيل مبتكر، وقد خصه الله تعالى بالحس المرهف والخيال الخصب الذي يتيح له أن يتجاوز حرفية المعطيات ويركب من شتات العناصر شيئا جديدا مبتكرا، لا يصل خيال عامة الناس إلى مثله وإن كانوا يعرفون من قبل هذه الأشتات المفرقة من العناصر، ولكن خيالهم يقصر بهم على أن يصوغوا  في النهاية من هذه العناصر المبعثرة المتفرقة شيئا منظما مبتكر([3]) .

فالخيال – إذن- هو المبحث الأسمى من مباحث الأدب، والكلام الذي لا يدل على درجة من درجات الخيال لا يدخل باب الفن بحال من الأحوال-كما تقول سهير القلماوي- . ومن هنا أمكننا أن نتخذ الخيال أساسا في النقد الأدبي([4]).

إن خيال الأديب طاقة تستمد وجودها من الواقع المعاش ، لا يضيف إليها ولا ينقص منها إلا ما تتطلبه الرؤية الفنية للأشياء، فمادة الخيال – إذن – لا توجد من العدم، وإنما هي حقائق لها وجود خارجي يصنفه الأديب تصنيفا خاصا مستلهما من رؤيته الفنية([5]).

وقد كان الخيال- ولا يزال- محورا نقديا هاما في المناقشات النقدية ولقد حاول نقادنا المعاصرون أن يطبعوه بطابع يتسق ودوره في تشكيل الصورة الفنية المبدعة والتعبير عن ذات الفنان([6]) وتمثّّل هذا في موقفين:

أحدهما: اكتفى بترديد نظرية كولريدج في الخيال، وأثرها في تشكيل الصورة الفنية([7]) .

والآخر: برز في محاولة طائفة من نقادنا المعاصرين في البحث عن جذور هذا المصطلح في تراثنا النقدي والبلاغي والفلسفي القديم، وتضاربت آراؤهم في هذا فمنهم من رأي أن العرب القدماء لم يهتموا بملكة الخيال. وإنما كانت نظراتهم النقدية المختلفة تعتمد على التنظيم والتعقيد وتهتم به اهتماما بالغا، حتى في أدق الأمور التخيلية كالتشبيه والمجاز والاستعارة([8]).

ومنهم من رأى أن العرب وإن لم يعرفوا مصطلح "خيال بمعناه المعاصر الحديث، فإنهم عرفوا مصطلحا آخر أمكننا اتخاذه كبديل لمصطلح خيال هذا المصطلح هو التخييل الذي يرادف لغويا التوهم، وهو في الأصل من المصطلحات الفلسفية، انتقل من دائرة البحث الفلسفي إلى دائرة البحث البلاغي والنقدي، نتيجة ذلك الاحتكاك الفكري المستمر بينها ([9]) .

وبما أن الخيال أداة الصورة الفنية ومصدرها فإن الحديث عن الصورة الفنية التي هي محور دراستنا في هذا الفصل بمعزل عن دراسة الخيال الشعري يعد ضربا من العبث وجهدا لا طائل من ورائه.

كيف لا ؟ والخيال هو مصدر الصورة الخصب، ورافدها القوي، وسر الجمال فيها فالخيال- إذن- هو مصدر هذا كله، وهي نظرية جديدة حديثة في مفهوم الصورة الفنية حيث تعتمد عليه كلية.

وبناء على ما تقدم، أمننا القول، إن دراسة الخيال هو المدخل المنهجي والمنطقي لدراسة الصورة الفنية، ويجدر بنا قبل أن نتكلم عن علاقة الصورة بالخيال أن نشير إلى نقطة هامة وهي أن كل الدراسات الحديثة والمعاصرة تؤكد صعوبة تحديد مصطلح الصورة إذ تتعدد مفاهيم هذا المصطلح حسب تعدد الاتجاهات النقدية والأدبية وتطور الحقول المعرفية التي يتكئ عليها النقد في تقديم أعماله، وعدم الاتفاق بين هذه المدارس حول تعريف محدد مضبوط لها.

وأجدني غير مبالغ لو قلت: إن مصطلح الصورة الشعرية من بين المصطلحات الأكثر التباسا في النقد الحديث والمعاصر، ليس فقط  لتعدد مفاهيم هذا المصطلح -كما أشرنا سابقا – بل ولارتباطه بالعملية الإبداعية الشعرية ذاتها من جهة، و وجود مصطلحات أخرى متداخلة معه كالصورة الفنية، والصورة الأدبية ، والصورة البيانية، والصورة البلاغية...الخ([10]).

وقد اختلف النقاد في بعد هذا في قضية تأصيل المصطلح، فمنهم من دافع عن أصالته في نقدنا العربي القديم، ومنهم من تعصب لحداثته لا يرى أي امتداد تراثي فيه.

والمتتبع في تراثنا النقدي والبلاغي والفلسفي القديم يجد ورود هذا اللفظ- أعني الصورة – في نصوصهم النقدية والبلاغية والفلسفية القديمة، وسنقتصر على إيراد النصوص التي يقترب فيها اللفظ من المصطلح الحديث ويطالعنا في البدء تعريف الجاحظ للشعر، يقوم: « إنما الشعر صناعة، وضرب من النسيج، وجنس من التصوير»([11]).

وقد ارتبط هذا المفهوم بالثنائية الحادة التي شغلت نقادنا القدامى على المفاضلة بين اللفظ و المعنى طبقا للمفهوم الصناعي للشعر، ويذهب جابر عصفور أن المصطلح يشي بثلاثة مبادئ:

أول هذه المبادئ : أن للشعر أسلوب خاص في صياغة الأفكار، أو المعاني وهو أسلوب يقوم على إثارة الانفعال، واستمالة المتلقي إلى موقف من المواقف.

وثاني هذه المبادئ: إن أسلوب الشعر في الصياغة يقوم - في جانب كبير من جوانبه على تقديم المعنى بطريقة حسية، أي أن التصوير بترادف مع ما نسميه الآن بالتجسيم .

وثالث هذه المبادئ: أن التقديم الحسي للشعر يجعله قرينا للرسم ومشابها له في طريقة التشكيل والصياغة والتأثير والتلقي، وإن اختلف عنه في المادة التي يصوغ بها ويصور بواسطتها»([12]) .

ولكن الجاحظ لاشتغاله بثنائية اللفظ والمعنى جعلته لا يقدم لنا مفهوما متماسكا عن فكرة التصوير.

ويتعرض قدامة بن جعفر لهذا اللفظ عند تكلمه عن الصناعة الشعرية فيقول: «  إن المعاني كلها معروضة للشاعر، وله أن تكلم فيما أحب وآثر من غير أن يحضر عليه معنى يروم الكلام فيه، وإذا كانت المعاني للشعر بمنزلة المادة الموضوعة، والشعر كالصورة ، كما يوجد كل صناعة، من أنه لا بد فيها من شيء موضوع يقبل تأثير الصور فيها مثل الخشب للنجارة والفضة للصياغة»([13]) .

فالصورة حسب مفهوم قدامة الوسيلة أو السبيل لتشكل المادة وصوغها شأنها في ذلك شأن غيرها من الصناعات، وهي أيضا نقل حرفي للمادة الموضوعة، المعنى يحسنها ويزينها ويظهرها حلية تؤكد براعة الصائغ من دون أن يسهم في تغيير هذه المادة أو تجاوز صلاتها ، أو علائقها الوضعية المألوفة([14]).

وقد ربط القاضي الجرجاني في وساطته الصورة بروابط شعورية تصلها بالنفس وتمزجها بالقلب في موقفه، وهو يدافع عن المتنبي- بأمور يحسها في شعره، تعجز النعوت عن نعتها، فموقع الكلام- كما يقول- أمر تستخبر به النفوس المهذبة و تستشهد عليه الأذهان المثفقة، وإنما الكلام أصوات محلها من الأسماع محل النواظر من الأبصار وأنت قد ترى الصورة تستكمل شرائط الحسن، وتستوفي أوصاف الجمال، وتذهب في الأنفس كل مذهب، وتقف من التمام بكل طريق، ثم تجد أخرى دونها في انتظام المحاسن، والتئام الخلقة، وتناصف الأجزاء، وتقابل الأقسام، وهي أحظى بالحلاوة وأدنى إلى القبول وأعلق بالنفس، وأسرع ممازجة للقلب، ثم لا تعلم –وإن قاست واعتبرت ونظرت وفكرت- لهذه المزية سببا، ولما اختصت به مقتضيا([15]).

وبقي هذا المفهوم الذي صاغه القاضي الجرجاني للصورة مجرد إحساس محض إلى أن جاء عبد القاهر الجرجاني ، فاقترب بهذا المفهوم إلى المفهوم المعاصر له وارتبط هذا بنظريته المشهورة في النظم، فلم ينظر عبد القاهر الجرجاني إلى الشعر على أنه معنى أو مبنى يسبق أحدهما الآخر، بل نظر إليه جملة واحدة، على أنه معنى ومبنى ينتظمان في الصورة لا سبق، ولا فضل ولا مزية لأحدهما عن الآخر، يقول عبد القاهر في هذا الصدد:

« وأعلم أن قولنا الصورة إنما هو تمثيل وقياس لما نعلمه بعقولنا على الذي نراه بأبصارنا فلما رأينا البينونة بين آحاد الأجناس تكون من جهة الصورة فكان بين إنسان من إنسان وفرس من فرس بخصوصية تكون في هذا، ولا تكون صورة ذاك... ثم وجدنا بين المعنى في أحد البيتين وبينه في الآخر بينونة في عقولنا وفرقا، عبّرنا عن ذلك الفرق بالصورة شيئا نحن ابتدأناه فينكره منكر، بل هو مستعمل في كلام العلماء، و يكفيك قول الجاحظ :وإنما الشعر صناعة، وضرب من التصوير»([16]).

والذي يمكن أن نستخلصه من هذا النص أن لفظ الصورة لم يكن من إبداع عبد القاهر الجرجاني، بل كان مستعملا قبله في قول العلماء، وأنه تمثيل وقياس فإذا كان الاختلاف بين الأشياء الموجودة في الطبيعة إنما يكون في الصور المختلفة التي تتخذها تلك الأشياء فالأمر يختلف بالنسبة للمعاني، فالاختلاف بين المعاني في أبيات الشعر المختلفة راجع إلى الاختلاف بين الصور التي تتخذها المعاني في تلك الأبيات المختلفة وجلي أن الصورة هنا لا تشير إلى مفهوم التقديم الحسي، بقدر ما تشير إلى طريقة الصياغة أو النظم التي بها، وتتحد تبعا لها قيمة النص الأدبي([17]) .

فمناط الفضيلة في الكلام راجع إلى الصورة التي يرسمها النظم، والنظم عند القاهر يرادف الصياغة([18])، فإذا قلنا النظم إنما نعني به الصياغة التي حدثنا عنها عبد القاهر الجرجاني في قوله: « ومعلوم أن سبيل الكلام سبيل التصوير والصياغة وأن سبيل المعنى الذي يعبر عنه سبيل الشيء الذي يقع التصوير والصوغ فيه كالفضة والذهب يصاغ منها خاتم أو سوار»([19]).

وإذا كان النظم- هذا- هو محور كتاب عبد القاهر الجرجاني دلائل الإعجاز ومناط بحثه وجوهر نظريته في الإعجاز، فإن فكرة التصوير هي محور فكرة كتابه أسرار البلاغة الذي اتخذه لتحليل الصورة الأدبية، وبيان منزلتها في الشعر خاصة ودورها في التأثير النفسي([20]).

وتحمل فكرة التصوير في جانب من جوانبها فكرة التجسيم المعنوي، وتمثيل الشيء في المخيلة، لذا راح عبد القاهر الجرجاني يقارن بين التصويرات والتخييلات الشعرية وبين تصاوير الرسامين([21]) .

وقد تطرق عبد القاهر الجرجاني إلى الشبه بين طريقة الشاعر في تشكيل مادته وطريقة الرسام من زاوية حسن التأليف، وبراعة المحاكاة، فلاحظ أنهما يهدفان إلى إحداث الانسجام والتناسب بين أحرفه وكلماته في القصيدة، والرسام يحدث هذا بين ألوانه وأشكاله([22]).

ولم يقف عبد القاهر عند هذا الحد، بل تعداه إلى ملاحظة قدرة كلا من الشاعر الرسام على إحداث التأثير على إحساسات وتخيلات المتلقي، فلاحظ أن كلا من الشاعر والرسام بطريقته الحسية في التقديم، ونجاحه في صياغة مادته يمكن أن يحدث تأثيرا خاصا في نفوس المتلقين، ويمكن أن يوقع المحاكيات في أوهامهم وحواسهم بطريقة تجعلهم ينفعلون أشد الانفعال([23]) .

وقد نجمت عن هذه المقابلة التأكيد على الخصائص البصرية، والوضوح في عملية التصوير ومن ثم قيل « إن الشعر بما يقوم عليه من تخييل، يمثل لمخيلة المتلقي مشاهدة بصرية واضحة، وأن أفضل الوصف ما قلب السمع بصرا، وجعل المتلقي يتمثل مشهدا منظورا كأنه يراه ويعاينه»([24]) .

ولا يخف علينا ما لهذه النظرة من إهمال لخيال المبدع فكأن خيال الفنان ما هو إلا تقديم الصور الحقيقية البصرية .

ومن ثم أمكننا أن نقول: إن عبد القاهر ركز في كتابه أسرار البلاغة على ما تحدثه الصورة في أحساسات وخيالات المتلقي أكثر من تركيزه على بيان طبيعة الصورة الفنية.

ويمكننا بعد أن قدمنا لمحة موجزة عن دلالات الصورة في نقدنا العربي القديم أن نقدم لمحة أخرى مماثلة لدلالات هذا المصطلح في النقد الغربي الحديث.

تنحصر دلالات لفظه صورة عند الغربيين في خمس دلالات هي([25]):

1.      - الدلالة اللغوية المعجمية : وهي أقدم الدلالات ، فقد كانت تستعمل في ميادين مختلفة إلى أن اقتصر معناها في الدراسات الحديثة على نطاق الدراسات اللغوية، وعلم المعاني وأصبحت تعني: نسخة copy أو صورة Picture بتمثيل أو محاكاة حرفية لموضوع خارجي.

2.      - الدلالة الذهنية وميدان استعمالها الفلسفة، وتدل على أن الصورة وحدة بناء الذهن الإنساني، ووسيلته لمعرفة الأشياء، وافترضت الفلسفة اليونانية القديمة ثنائية (الصورة والمادة) وهي ثنائية لا تمازج بين طرفيها، وعدّوها مقابلة للمادة الموجودة في الخارج.

3.      - الدلالة النفسية: وتقترب هذه الدلالة من الدلالة الذهنية، إلا أنها تقتصر في مجال علم النفس.

4.      - الدلالة الرمزية: وحقل استعمال هذه الدلالة الدراسات الانثروبولوجية، والصورة في هذه الدراسات هي القصيدة كلها بوصفها رمزا يكشف على أشياء كثيرة متعلقة بذات الفنان المبدعة.

5.      - الدلالة البلاغية: وتستخدم هذه الدلالة مرادفه للدلالة البلاغية للصورة([26]).

 

ويختزل نورمان فريدمان هذه الدلالات الخمس للصورة إلى ثلاث دلالات هي([27])

1- الصورة الذهنية

2- الصورة بوصفها مجازا.

3- الصورة بوصفها أنماطا تجسد رؤية رمزية أو حقيقة حدسية.

ويكون  الاهتمام في الصورة الذهنية منصبا على ما يحدث في ذهن القارئ أو ما تولده في ذهنه وهي محددة في هذه الدلالة بكونها حسية تصف العلاقة بين العبارة المكتوبة في الصفحة والإحساس sensation الذي تولده في الذهن، ويتضمن بحث مشكلتين متوازيتين: تتصل أولاهما بوصف القدرات الحسية لذهن القارئ بطريقة موضوعية وتحليلية، وتتصل ثانيتها بفحص واختبار، وربما تحسين قدرة القارئ على تقدير قيمة الصورة في الشعر والمنهج المستخدم في ظل هذا التعريف منهج إحصائي بمعنى أن يقرأ الدارس القصيدة التي يحللها، ثم يسجل بطريقة إحصائية وتصنيفية الصور المختلفة التي يمكن أن تثيره في ذهنه([28]) ،وتولي هذه الدلالة العنصر الحسي من عناصر الصورة أهمية بالغة.

أما دلالة الصورة بوصفها رمزا فتهتم بطبيعة العلاقة بين المجاز والحقيقة ويرتبط التعريف الثالث والأخير بوظيفة أنماط الصورة الفنية ، سواء حقيقية أو مجازية أو كليتها معا باعتبارها رموزا تستمد فعاليتها من التداعي السيكولوجي([29]).

وقد اختلف النقاد- بعد هذا- في أي الدلالات يمكن اتخاذها أساسا للنقد فنجمت عن هذا الاختلاف مناهج عدة، تبنى كل منهج فيها دلالة، أو أكثر من تلك الدلالات، ويمكن حصرها في ثلاثة مناهج هي:

1.      المنهج النفسي والمنهج الرمزي والمنهج الفني أو البلاغي([30])

وبعد هذا المسح الشامل لمفهوم الصورة أمكننا الوقوف بشيء من التفصيل عند طبيعة الصورة الفنية، متخذين من دراسة الخيال-كما سبق وأن أشرنا – المدخل المنطقي لدراستنا.

 

علاقة الصورة بالخيال:

يتوسل الشعر في النقد بالمحاكاة، أو بالتخييل بمعنى أدق، وهو المرتبط بالخيال في التصوير الفني. فالتخييل هو العنصر الهام في الشعر، وهو المؤثر في النفس، بل هو المحك على جودة الشعر أو رداءته، ولهذا التخييل في الشعر- كما يقول إحسان عباس-  «قيمة العلم في البرهان، والظن في الجدل، والإقناع في الخطابة»([31]) لأن هدف التخييل أو المحاكاة الإثارة والحفز إلى الفعل بغض النظر عن صدق التخييل أو عدم صدقه، حقيقته في ذاته أو عدم ذلك، وبالتالي فإن ذلك هو السبب في قدرته على التأثير، وذلك لما يسببه من استمتاع ولذة([32]) .

والمتتبع لدراسة هذه الملكة - أي الخيال- عبر العصور يجد اختلافا كبيرا في اهتمام النقاد والفلاسفة بها، ويرجع هذه الاختلاف بين النقاد والفلاسفة إلى اختلاف اتجاهات الأدباء، وطبيعة كل عصر وقيمه الفنية.

فمعروف أن  قدماء اليونان قد اهتموا بكلمة خيال لكن اهتمامهم بها كان مقيدا ومرتبطا بعقيدتهم القائلة بان الشعراء متبوعون ، وأن أرواحا خفية- إما شريرة أو خيرة- تتبعهم([33]) .

إن أدب قدماء اليونان قد ارتبط ارتباطا وثيقا بمعتقداتهم الدينية، ومعبوداتهم التي ألهمت الشعراء والأدباء، وخلدت أعمالهم الأدبية التي لا زال التاريخ إلى يومنا يحفظ لنا منها الكثير.

فقد عبد اليونانيون في تاريخهم القديم آلهة متعددة، اعتقدوا أنها تتحكم في القوى الطبيعية، وتصوروا أنها ذات طبيعة بشرية تعيش كعائلة واحدة في جبل " أولمب" وتفننوا في تكريمها ببناء المعابد، ونحت التماثيل، وإقامة الحفلات التي تتخللها مهرجانات رياضية، ويعد "زيوس" كبير الأرباب و "أريس" إله الحرب و" أفروديتا" إلهة الحب و الجمال و " أبولون" إله الشمس والموسيقي و" أثينا" إله الحكم والذكاء ... من أشهر الآلهة التي عبدوها.

وقد ألفت حول هذه الآلهة قصصا وأساطير تسرد أعمالهم وكفاحهم وبلاءهم الذي خولهم أن يرتقوا إلى مرتبة الألوهية والتقديس، فتلقف الشعب اليوناني هذه القصص والأساطير، ودخلت قلوبهم، فتكونت منها عقيدتهم([34]).

ولقد سجل لنا الشعر اليوناني تلك القصص والأساطير، ثم كانت من بعد ملاحم ومسرحيات يقوم بتمثيلها عدد من الممثلين المنشدين، وتشهدها الألوف من النظارة في المسارح.

وتأتي الإلياذة والأوديسا- المنسوبتان إلى شاعر اليونان"هوميروس" في طليعة تلك الأعمال التي خلدها لنا التاريخ([35]).

وكان من الطبيعي أن ينشأ وراء هذا التراث الأدبي الضخم نقد يقوم بتقويم هذه الأعمال، وقد كان الفلاسفة والمفكرون في مقدمة نقاد الأدب، لأن الأدب كان عندهم يمثل جانبا مهما من جوانب التفكير، ويأتي سقراط و أفلاطون و أرسطو  في طليعة أولئك الفلاسفة والمفكرين والمهتمين بالأدب ونقده.

اعتقد سقراط أن الخيال نوع من الجنون وظل هذا الاعتقاد سائد عند أفلاطون الذي كان يؤمن بأن الخيال ضرب من الجنون تولده ربات الشعر، وآلهته في نفس الشاعر « فكل الشعراء المجيدين، شعراء الملاحم وشعراء الغناء على السواء يؤلفون شعرهم الجميل لا عن فن أو حذق، ولكن يوحي إليهم، ولأن روحا تنقصهم»([36]).

واستنادا إلى فلسفته المثالية- التي ترى أن الوعي أسبق في الوجود من المادة – حكم أفلاطون على الفنون بما فيها الشعر على أنها قائمة على التقليد أو بعبارة أدق على محاكاة المحاكاة.

فأفلاطون يرى أن عمل الأديب يشبه عمل المرآة، فمحاكاته للأشياء، والظواهر الخارجية آلية فوتوغرافية ( أي تقليد حرفي) ، ولذلك فهو لا يقدم إلا صورة مشوهة لعالم الحائق، أو بعبارة أخرى تقليد للتقليد.

وتبعا لهذا رفض أفلاطون الفن بعامة، لأنه لا يمس الحقيقة، بل يكتفي بتمثيل معطيات الحواس التي هي في حد ذاتها صورة مشوهة([37]) .

وقد تتبع أرسطو خطى أستاذه أفلاطون في أن الشعر ضرب من المحاكاة إلا أنه منح مفهوم المحاكاة هذا مفهوما جديدا مغايرا لأستاذه.

فإذا كان أفلاطون قد عمم المحاكاة على جميع الظواهر والأشياء الخارجية، فإن أرسطو قد قصر مفهوم المحاكاة على الفنون  الجميلة المعروفة ولم ير  في المحاكاة النقل الحرفي لمظاهر الطبيعة بل ذهب إلى أبعد من ذلك حينما أوجب على الشاعر الذي يريد أن يصور الأشياء أن يضع نصب عينيه إحدى غايات ثلاث:

1.      أن يصور الأشياء كما كانت وتكون.

2.      أو كما يعتقد كيف تكون.

3.      أو كما ينبغي أن تكون([38]).




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home