مقال

 

ظاهرة

حسين أحمد سليم



                        ظاهرة

بقلم
حسين أحمد سليم

حالة الرفض للواقع الحياتي تتمثل في فعل حركة الثورة العشوائية لشبابنا،المترجمة في مسارات ميدانية غريبة عجيبة دخيلة على بيئتنا، ولا علاقة لها بتراثنا أو تقاليدنا وعاداتنا وأخلاقنا، ظاهرة متفشية بشكل لافت في الكثير من الأحياء والقرى والبلدات والمدن, وغالبا ما نشاهدها أو نشعر بها أو نسمعها في حزام الضواحي المحيطة بمدينة الغد بيروت . وأحياء الضاحية الجنوبية للعاصمة تشهد سيلا من هذه الظاهرة, التي يمارس فعلها شبابنا في عمر المراهقة غالبا, لتنتقل العدوى لمن هم أكبر سنا بلا خجل ولا حياء أو وازع من ضمير أو وجدان. الهبوط في ترجمة المشاعر الإنسانية والأحاسيس في التعبير عما يختلج في الكوامن عند الأفراد في البيئة, تفسير لا يقبل الشك في مستوى حركة التفتت الخلقي والتحلل الأدبي, وهو ما يحمل الكمد للنفس والغم للقلب والسخرية للفعل والإستهزاء للممارسات, التي يقترفها شباب اليوم عندما تشاهد أحدهم في عمر لم يتجاوز السنوات العشر إلا قليلا, يركب سيارة فخمة مزينة بكل ما يلفت النظر وثمنها يساوي مبلغا باهظا, يمارس فيها شبقه النفسي وهيجانه الشبابي وثورته الهوجاء في الطرقات وفي الأزقة والباحات وبين البيوت والمنازل المكتظة على بعضها, لابسا ثياب الرياضة المزركشة الألوان أو بنطاله القصير جدا وقميصه المشرع عن صدره العاري, رافعا صوت مذياع سيارته عاليا يتفجر من مكبرات الصوت الإضافية, ليصم الأذان ويثير الإشمئزاز ويؤثر بشكل سلبي على أعصاب الناس, فتشعر وكأن زجاج السيارة سيتفجر من جلجلة الصوت ويتحطم, ويخيل لك أن الدماء سوف تتفجر من جلده أو من وجهه, وهو غير آبه لأحد غير ملتفت مأخوذا بفعلته نشوانا بسكرته, وكأنك تشاعد فيلما من أفلام الرعب التي تتقزز لها النفوس.
هذا الشباب هو صورة عن الكثير من الشباب بممارسات نزقهم, وهم يستمعون إلى أغنية أجنبية صاخبة, لا يفهمون منها حتى لهجتها أو لكنتها أو نوع موسيقاها ولا معانيها, ويرددون معها كل على مزاجيته ويدندنون بأصواتهم النشاز, التي تثير النفوس قرفا ووالأبدان قهرا للأداء الرديء. وهم يمخرون الطرقات الضيقة بسرعة جنونية تكاد لا تلتقط أنفاسك معها, والبعض منهم يسير ببطء قاتل وكأنه يمشي على البيض ليقتلعك من هدأتك المسائية أو الليلية أو الصباحية أو قيلولتك, راميا بك في أتون توتر الأعصاب لتضرب الأرض برجليك دون وعي, وتشبع جبينك لكما بقبضتيك حتى تخور قواك, رافعا صوتك بالتهديد والوعيد والويل والثبور وعظائم الأمور. فإذا راودتك نفسك لحاقا بالفاعل لا تدركه لأنه قد أسرع بسيارته مفلتا منك كالمجنون, وإذا حالفك الحظ التعيس ونهرته يرفع من صوت مذياع سيارته أكثر, وإذا لم يعجبك الفعل يترجل ببطء من سيارته ويمارس إظهار مسدسه المزروع في خصره, ليشير لك بأنه مستعد لكل طاريء, هامسا بأذنك ما يجعلك تتراجع معتذرا له عن تسرعك فهو تابع لتنظيم حزبي, أو لعائلة لها تاريخها الحافل بالقتل أو عشيرة مشهود لها بالتفلت من إحترام النظم والقوانين, فترجع من حيث أتيت حانقا مشمئزا متوترا أكثر, تمارس عض أصابعك بأنيابك ليتفجر منها الدم, لاعنا ساعة سكنك في هذا المكان الذي يطلقون عليه تسمية لا تليق بشأنه ولا مستواه, محدثا نفسك بترك المكان أو هجره لمكان آخر أكثر راحة وأكثر أمان.
الفعل المستشري في بعض الأحياء في أمكنة عديدة في البلاد, ما هو إلا ردات فعل سلبية للحالات السيئة التي وصلنا إليها في عملية الأداء التربوي أولا, ومنهجية مساراتنا التي لا تتوافق والرؤى النظرية التي نحلم بها, بحيث أننا في حركة تنظيراتنا في كافة الأمور الإجتماعية والثقافية والتربوية والوطنية وغيرها, لم نراع عملية الإجراءات التطبيقية ميدانيا, ومدى إستيعاب عقولنا لها قبل عقول أبنائنا وشبابنا, وهو ما يدفع رعيلا من أجيالنا وشبابنا للتفلت من عقال ما نخطط له لممارسة العكس, محاكاة لرؤى شبابية أخرى غير ناضجة تستهوي أولادنا وتجذبهم لإمتطاء صهواتها, لترمي بهم في عالم آخر مليء بالوهم والسراب ولا يتطابق وواقعنا ولا يتوافق وتقاليدنا ومعتقداتنا ولا يجاري مساراتنا وطرقنا.
مقياس رقي الأمم والشعوب أخلاقهم المرتبطة بمستوى ممارساتهم الميدانية, وسمو حضارة المجتمعات إنعكاس رقي مناقب أفرادها وجماعاتها, وهي مهمة من نصّبوا أنفسهم للناس قادة بدءا من ولي الأمر في البيت كرب أسرة مرب مكلف, مرورا بالمدرسة وطاقمها التربوي الموجه في المراحل الأولى, وصولا للمؤسسات الجامعية فالعملية, وليس إنتهاءا بالمؤسسات الإدارية المسؤولة في البلاد كل وفق صلاحياته. 
 


 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home