القلم الفكري

 

إسرائيل وأميركا هزيمة جديدة لكن في القوقاز هذه المرة

رشيد شاهين



 

 إسرائيل وأميركا هزيمة جديدة لكن في القوقاز هذه المرة

 

رشيد شاهين

 

لا نعتقد بأن الحرب الدائرة في القوقاز هي بين جورجيا وروسيا أو محاولة من جورجيا للسيطرة على اوسيتيا الجنوبية أو استعادتها إلى الحضن الجورجي كما تم التداول على نطاق واسع أو ما حاولت الدوائر الجورجية وكذلك الغربية الترويج له، حيث إن ما يجري هناك له علاقة أو امتداد للحرب الباردة التي جرت على مدار عقود من الزمن بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي ومنظومة الدول الاشتراكية التي كانت تدور في فلكه في السابق، صحيح أن البعض لا يحبذ استخدام هذا المصطلح "الحرب الباردة" بعد مرور عقدين من الزمان على تفكك الاتحاد السوفييتي، إلا أن ما يجري في تلك المنطقة من العالم لا يمكن فصله عن تلك الحقبة واستمرار أميركا في محاولاتها الإبقاء على "الاتحاد الروسي" و روسيا تحديدا في حالة من الضعف والتردي والتخلف حتى لا تقوم لها قائمة من جديد بحيث تظل الولايات المتحدة الأميركية سيدة هذا الكون بدون منازع.

 

 إن ما حدث مؤخرا في منطقة القوقاز لم يكن سوى محاولة فاشلة للرغبة الأميركية والإسرائيلية والغربية بعامة للتوغل بنفوذها وهيمنتها بشكل مفضوح وفج على المنطقة في محاولة للإبقاء على ضعف روسيا وإبقاؤها عاجزة ضعيفة وغير قادرة على استعادة أي جزء من "أمجادها" السابقة كقوة عظمى لها وزنها ودورها الفاعل في الأحداث والشؤون العالمية.

 

لقد أثبتت تلك "الحرب أو المعارك " بأن الولايات المتحدة الأميركية بشكل خاص لا تزال تتخوف من استعادة روسيا لدورها كقوة عظمى يحسب حسابها ويمكن أن يكون لها تأثيرها في الساحة العالمية،وهي على هذا الأساس ذهبت في تماديها بعيدا خاصة بعد أن نجحت في نشر الدرع الصاروخي على تخوم روسيا من خلال  دولة التشيك ومن خلال بولندا التي منها بدأت عمليا ملامح تفكك المنظومة الاشتراكية عندما قامت التظاهرات النقابية بداية الثمانينات من القرن الماضي.

  

لقد بدت الأصابع الأميركية والإسرائيلية عدا الغربية واضحة جلية في تلك "الحرب"  التي لم تدم طويلا والتي لم تستطع خلالها الدولة الجورجية التي تحاول أن تكون النموذج الأمثل للقيم والمفاهيم الغربية في منطقة القوقاز الصمود أمام رد الفعل العنيف الذي أبدته روسيا تجاه ما قامت به جورجيا من عدوان على اوسيتيا الجنوبية وذلك عندما قامت القوات الجورجية بالاعتداء على القوات الروسية التي تعمل في المنطقة كقوات لحفظ السلام والتي تم نشرها منذ بداية التسعينات من القرن الماضي.

 

من الواضح أن جورجيا في ظل رئيسها ساكاشفيلي الذي قاد الثورة التي تسمى "الوردية" والذي عملت أميركا على دعمه بشكل كبير من اجل الوصول إلى رأس السلطة في البلاد اتجهت بدون تردد إلى الحضن الأميركي، وقد عمل ساكاشفيلي على ربط بلاده بالولايات المتحدة الأميركية ودولة الكيان العبري كما استوزر وزيرا للدفاع جورجي الأصل يحمل الجنسية الإسرائيلية ودفع ببلاده بشكل مريب بالاتجاه الأميركي من خلال تحالف مع أميركا لا يمكن فكاكه عدا عن إرسال اكبر القوات عددا بعد قوات أميركا وبريطانيا للمساهمة في احتلال العراق، وكذلك تسليح الجيش الجورجي بكل أنواع الأسلحة الأميركية والإسرائيلية عدا عن استقدام مدربين إسرائيليين لتدريب القوات الجورجية وهذا ما دفع احد الوزراء الجورجيين "يهودي متصهين" بالقول أن القوات الجورجية سوف تقاتل مثل الأسود لأنه تم تدريبها على أيدي خبراء من إسرائيل وهو "الرئيس الجورجي" لم يتردد عن تحويل البلاد إلى قاعدة متقدمة للاستخبارات الأميركية والإسرائيلية في منطقة القوقاز.

 

لقد كانت محاولات ساكاشفيلي التعاون مع الغرب واضحة وجلية في إبقاء روسيا ضعيفة وغير قادرة على استرجاع "أمجادها" كدولة عظمى مؤثرة في محاولة منها لاستعادة ولو القليل من التوازن و"فرملة" الاندفاع الأميركي للسيطرة على العالم والبقاء كقوة واحدة وحيدة تتحكم في هذا الكوكب.

    

الموقف الأميركي مما حدث في القوقاز لم يكن بعيدا عن المواقف الأميركية التي تعود عليها العالم من تزوير وقلب للحقائق، فهي حاولت قلب الحقائق من خلال القول إن روسيا واوسيتيا هي من اعتدى على جورجيا في محاولة فجة ووقحة للتزوير والدجل، وقد كان ذلك نتيجة للهزيمة الساحقة التي تلقتها القوات الجورجية في ساحات القتال، وقد كان من الممكن لأي مراقب أن يلاحظ آثار تلك الهزيمة بادية تماما ليس فقط على وجه الرئيس الجورجي الذي خرج يخاطب الجماهير الجورجية، بل هي كانت كذلك وربما أكثر وضوحا على وجه الرئيس الأميركي الذي كان أكثر تجهما وربما مصابا بالصدمة عندما خرج على شاشات التلفزة يلقي خطابه مطالبا القوات الروسية بالانسحاب وهو يعلم علم اليقين أن هذه القوات تعرضت للهجوم عليها وأنها كانت في مهمة لحفظ السلام في المنطقة.

 

الهزيمة التي منيت بها القوات الجورجية كانت هزيمة بكل المقاييس للتواجد الأميركي والأسلحة الأميركية والتوجهات الأميركية، كما كانت كذلك بالنسبة للدولة العبرية التي تحاول التدخل في شؤون تلك المنطقة من خلال بيع الأسلحة وتحويل الأنظمة التسليحية إلى أنظمة غربية وإسرائيلية ومن خلال إرسال الخبراء العسكريين ورجال المخابرات إلى تلك الدول للتدخل في شؤونها والعبث بسياساتها ومساعدة الولايات المتحدة على تحقيق غاياتها في تلك المنطقة.

 

الهزيمة الإسرائيلية والأميركية في القوقاز ليست الأولى التي تمنى بها هاتان الدولتان خلال السنوات الأخيرة، فهاهي أميركا وبرغم مرور أكثر من خمس سنوات على احتلالها للعراق لم تستطع أن تحقق سوى الخيبة والفشل، وهي لا تزال تفشل حتى بتوفير الخدمات الضرورية للعراقيين برغم كل الفائض المالي الذي تحقق نتيجة ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية، وهي كذلك فشلت حتى اللحظة في أفغانستان، وهي فشلت ومعها إسرائيل في أن تحول لبنان إلى محمية إسرائيلية، وفشلت في ما دعت إليه رايس من خلق الشرق الأوسط الجديد، وهي كذلك تفشل في تجنيد العالم من اجل توجيه ضربة لدولة إيران بحجة البرنامج النووي عدا عن فشلها في مواقع أخرى في العالم.

 

إن ما يحصل في القوقاز هو جزء من الإستراتيجية الأميركية في رغبتها السيطرة على العالم، وهو كذلك جزء من مخططاتها السيطرة على ما 40 إلى 50 دولة من دول العالم كانت تحدثت عنه الدوائر الأميركية نهاية الثمانينات من القرن الماضي، إلا أن ما حدث في العراق من مقاومة لم تتوقعها الولايات المتحدة - وهذا ربما أجل مؤقتا تلك الخطط- كذلك فان الهزيمة التي تلقتها الدولة العبرية في لبنان وما حدث أخيرا في القوقاز قد يكون من بين الأسباب التي قد تقنع أميركا بأن مخططاتها ليست "قدر" العالم.

 

بيت لحم

15-3-2008

Sadapril2003@hotmail.com

 

 

 

 

 




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home