خاطرة

 

سيطول بنا الانتظار؟؟؟

ميسون برهومة



سيطول بنا الانتظار؟؟؟

 

المطر كئيب،والشتاء بليد،وتلك السماء التي بلون الوحل على المقابر تحاول أن تقلد سماء خلقها الله منذ الأزل،فلا هي بالتقليد تنجح ولا بالمحاكاة تصيب مطرا هو الآن لا معنى له ،وهذه السماء تحاول أن تصيب من رحمتها علينا مياه تصل إلينا من جحيم الفضاء،فتبصق علينا فتات ماء ليس بطاهر.

وحدي أحترق والمدفأة بلونها الصدأ تنتظر من يحملها ليلقيها في الخارج، فسخف أن تبقى وغباء النهاية، هل طلب مني أحد السهر؟أم أنه نديم الليل البعيد؟سأكون الآن لأنيستي فارسا قويا،سأريها ذلك عندما أسهر لأحمي أمي وأخوتي ،ثم أجلس معك أختلس منك نظرة شاردة وأبقيك في صمتك وشرودك لأبكي على فراق أبي،لفقد أبي،أصبحت يتيما.

ملايين ذرات التراب هالت على جسده وأنا المضمخ بعبق الذكرى ورائحة ما كان،"هيا أنا جاهز،متى ستأخذني إلى السوق معك؟الآن أرجوك ،أريد تفاحا وبرتقالا من البيارات التي رويتها لنا قصص كفاح"،وأمسك بطرف معطفه لتحاذي أذني جيبه ،فأسمع طقطقة نقود معدنية أفرح لكثرت احمرارها مع أنه وضيع القيمة،أبي... لماذا تركتني؟ لم أكبر بعد،فأحلام سدادي لدينك ما زالت،وأنا المستيقظ منذ الصباح حاملا حقيبتي وما فيها من قلم ألقى ذنبه مقالا على ورقة،وصور مبعثرة من عدسة حدباء جوفاء صامتة،تماما هي نفسها التي أخذت لك هذه الصورة الخرساء مهما تكلم العالم.

أذهب لعملي وأنتظر آخر الشهر،فثمة أمور كثيرة ،دوري في اصطحابك للمستشفى،وسأشتري لك حلوى تحبها مهما قال أو أمر الطبيب بحميه،وأقتطع من نقودي ثمن سجائر أفاجئك بها كل يومين أوثلاثة،لتتعفف أنت ،قوة الأسد الذي لا يريد من الغنائم.

لماذا رحلت؟فأنا لا أذكرك سوى بضع سنين، وذهبت... بلا خجل من العودة ذهبت، دون أن تجد ذلك ذنبا، ولكننا سننتظر، أنا وأحلامي وأفكاري، وسيطول بنا الانتظار،بل ويا ليتنا نمل الانتظار.

حسبي الآن والدنيا ظلام،ولا أحد منا مد يده على مدفأة الكاز بعدك إلى الآن،فمنهم من وجد حين التغيير قد آن،ومنهم من ينتظر لمعرفة سعرها ميراثا مشتعلا،وأنا الصامت السامع لتأنيبك وقت جلوسي بعيدا عنها خوفا علي من البرد،أو قريبا منها خوفا علي من الاحتراق!

ألهذا ذهبت ؟! كي لا أراك ولا تراني من أجل ذنبي في كلمة (لا)؟عد ولن أقولها،فما تركت لي أكثر مما يمكن لي أن أحتمل،فهذا العالم أكبر من حجم جسدي الضحل الصغير ومكنونات عقلي أحلاما وردية تدهش في كل لحظة.

عد أرجوك...فملايين الأفراح ما زالت تنتظر أن أزفها لك عروسا من خير الدنيا وخير ما أنجبت، عد فلم ترني وعروسي ولا أحفادك أولادي ولم اخذ منك قروشا هدية اجتهادي،فشهادة تفوقي الدراسي قد جاءت وقت مغادرتك أنت.

عد وسأسمع أوامرك،سأغلق النوافذ وأحكم إغلاق الباب وأتأكد من انطفاء نار المدفأة وأتفقد اسطوانة الغاز،سأدفئ أخي وأسهر لوضع الغطاء على أمي كلما سقط،سأحضر لك الدواء وزجاجة الماء،عد أرجوك سأفعل كل ما تريد لكن لا تتركني فأنا خائف ومكانك فارغ،والسماء بلا نجمك ظلام، عد إلينا أرجوك.

 

 

                                                                       ميسون عزالدين برهومة.

 




  خواطر سابقة

اطبع الموضوع  

Home