مقال

 

درويش سجل انك نصف العرب

تومي عياد الأحمدي



 

درويش سجل أنك نصف العرب

 

تومي عياد الأحمدي/الجزائر

 

أصحيح غيب الموت الشاعر الكبير محمود درويش بعد عملية القلب المفتوح.. الأكيد أنه مازال حيا يرزق لأنه ولد بقلب مفتوح على قضيته الكونية الكبيرة بل أضاف لرصيد القلوب العربية نوعا آخر من إحساس الكينونة... الأطباء قالوا أنه مات جسدا لكني أراه حيا حتى يوم القيامة في دم فلسطين وأحلام الشهداء وعرق الرجال وفي صهيل الخيول العربية... 

 

 

 

في عام 1948 تاريخ نكبة الاحتلال دمر الكيان الصهيوني قريته "البروة" التي فتح فيها عينيه على زبانية العالم وهم يعيثون فسادا في الأرض المقدسة، فكان لهول تلك الأحداث المتعاقبة تأثيرا شديدا على مخيلتة العذراء. وفي لبنان التي نزح إليها رفقة أسرته هروبا من القمع زاد إحساسه بالظلم ولم تقر له عين حتى عاد إلى أرض الأنبياء متخفيا وفي قلبه مليون وجه للانتقام لكنه في النهاية اختار الشعر لأنه الأكبر من كل المدافع والقنابل والبنادق.

 

وفي فلسطين اعتنق النضال الأبدي وفي يده اليمنى رشاش الشعر وفي اليسرى قنبلة الصحافة وعلى صدره علق قلادة السياسة، وعلى رأسه وضع خوذة القضية. لكن النجمة الوحيدة التي حملته كانت نجمة الشعر الوطني، فكتب قصائد حرك بها أفئدة الناس في شتى أنحاء العالم، وكان كل قصيد جديد يخرج للعلن يتلقفه المترجمون ويمنحونه حياة أخرى بكل لغات العالم تقريبا.

 

عصافير بلا أجنحة، أوراق الزيتون، أصدقائي لا تموتوا، عاشق من فلسطين، العصافير تموت في الجليل، مديح الظل العالي، حالة حصار.. وحتى آخر ديوان أصدره سنة 2007 أراد محمود درويش رحمه الله أن يتغلغل شعريا في حالة الضياع التي يعيشها العالم العربي ويحولها إلى إعصار شديد أحدث حالة ترقب دائمة لدى عدوه الأبدي، وأكثر من هذا حاول إزالة الصديد الذي يأكل الشعوب العربية بنهم بتوقيع من الكيان الصهيوني. ورغم محاولات هذا الأخير لإسكاته لم يلف درويش لسانه داخل حلقه بل كان يصنع حالة توتر في منطقة الشرق الأوسط بمجرد إطلاقه أية قصيدة جديدة.

 

درويش بصوته القوي عند إلقاء الشعر وبراعته في مزاوجة اللفظ بالمعنى استطاع على مدار خمسين عاما أن يلهم جيشا من الشعراء والمثقفين الشباب من المحيط إلى الخليج، فصار مرجعا لهم لاقتناص روح الشعر وتعلم أبجدياته، كما كان خزانا مهما لأعمدة الغناء العربي الأصيل الذين حولوا قصائده إلى ثورات متنقلة تزلزل المسارح والساحات. وحتى الأطفال العرب كان لهم نصيب في إرث درويش لأنهم في مدارسهم يقرؤون قصائده لتنمو أوطانهم في دمهم مع نمو أجسادهم.

 

ونحن نمر بين كلماته غير العابرة لانجد في رصيده من شعر الغزل إلا ديوانا واحدا لم يقل فيه كلاما رومانسيا كحال كل الشعراء  بل اعترف فيه لسيدات فلسطين بدروهن في الثورة ومنح لكل واحدة منهن وسام اعتراف وحب، وخشي أن يتزوج منهن واحدة فتغضب منه الأخرى لأن الوطن لجميعهن وهو وطن كامل... بل أكبر بكثير من نصف العرب. 

 

  ***

ك.خ

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home