قصة

 

كاتب وقصة

د.أسد محمد



كاتب وقصة

ظلت حبيسة رغبة زوجها كأنها في زنزانة انفرادية بانتظار الإفراج عنها ، تأوهت وتململت من وضعها وهي تحضنه وتضمه إلى صدرها بحنان مفرط ، لاحقتها كلماته كتهمة " لا تخرجي .. فقد يراه الضيف " راحت تعيد ترتيب ما يردده الزوج كلما جاء زائر ، أو طرق البابَ طارق " قد يزعج الناس .. يخيفهم .. لازم نعترف بالحقيقة رغم مرارتها .." امتص وجهها أشعة ضوء خافتة، مسحت دمعة شمعية عن وجنتها ، والتصقت به أكثر ، شوَّه الحزن لون بشرتها الطرية ، وطفرة الحنان أشاعت في وحدتها نوعا من الاحتراق الباطني الذي تجاوز ضرع عاطفتها الجياشة تجاهه ، دندنت " يا طير الحمام " بصوت شجي ، واستدعتها الأمومة لتسيطر على حالة الرهبة والعزلة التي هي فيها " يا ربي ، صبّرْ قلبي عليه !.." أيدت زوجها فيما يقوله ويخشاه ويتجنبه ، خاصة سيل الأسئلة الذي تتكرر بعد كل من يقع عليه نظره ، أسئلة تبدأ بغرابة وتنتهي بمجهول وبشفقة مؤلمة..

مددته على السرير بغية أن يرتاح ، واهتمت به كي لا يبكي ، ومرة بعد مرة اعتادت أن تركز على سكوته كي لا يزعج الأب ومعه الضيف الجالس في الصالة المجاورة ، فاض بها حنانها الممزوج بحسرة .. نظرت إليه بعينين حزينتين ، وهي لا تزال تتفاعل مع الموقف الرديء ، و أصبحت تكره رنات جرس البيت ، وترهب أي صوت أو حتى همهمة التي تُحفز فعلها المنعكس الممزوج بصوت الأب " خذيه للداخل ، احبسيه ، أبقي معه ، لا تدعيه يخرج ، كوني حذرة .. مفهوم ! " ..

كانت جالسة تسند خدها بيدها منتظرة فرج الله ورحمته عندما دخل زوجها وطلب منها أن تخرج ، رمقها وهي ملتصقة به ، تضمه إلى صدرها بقوة ، ناداها ، وكرر النداء ، كانت مكومة معه كأنها في شرود أبدي ، تقدم منها ولكزها من كتفها " هه ، الضيف راح ويمكنك الخروج " رفعت رأسها وحدجته باستغراب ، حسبها غاضبة منه ، حاول تطييب خاطرها بكلمات لا تخلو من المواساة ، ابتسمت ثم غنت بصوت حنون أغنية الولد الذي سيكبر وتفرح به أمه ، تنهد الزوج تنهيدة مخنوقة وخرج منكمشا على نفسه ، أدار ظهره لوجعه القديم دون أن يعرف كيف يتصرف .. ابتعد عنها قليلا " أعرف أن قلبها محروق عليه ، وأنا قاسٍ ، قاسٍ ، لكن لا أعرف ما هو الحل .." اندفع إليها ليطلب منها ثانية الخروج بأسلوب أكثر ليونة .. اقترب منها بهدوء ، وقف بجانبها وراح ينظر إليها كيف تداعبه ، تدلك يديه الشاحبتين ، تمسكه من شحمة أذنه الصغيرة والمغمورة خلف مفصل الحنك ، وتلامس طرف أنفه المفتوش فوق شفته ، تمسح وجهه الجاف كقشر البرتقال اليابس بمحرمة كلينكس .. تشابكت نظراته مع نظراتها عند عينيه المغمورتين كبحتي خرز صغيرة .. رددت عن غير قصد :" يا فلذة كبدي ، يا روحي ، فأنا أمك وأنت نور عيني .."

انتفض قلب الزوج ، ونزف صمته شجاً " إنها الأم " انحنى فوقها كمن ينحني فوق وردة لشمها ، أمسكها من تحت إبطها ، أحاطها من خصرها ، و ساعدها على النهوض ، تناول الطفل من حضنها دون أن ينبس ببنة شفة ومشى مترنحا ، تمايلت وهي تخطو وراءه باتجاه الكريدور الضيق ، تركت الطفل في حضن والده وراحت تهتم بأشغال البيت ، همس :" لا تميز عاطفة الأم بين طفل سليم وآخر شبه ميت ، بل على العكس تهتم بهذا الولد أكثر من كل أولادها.."

تمشّى في بهو البيت ، أمسكته نوبة حزن من أوصال روحه ، وقف أمام القدر كجذع شجرة يتعرض لمنشار حطاب لا يرحم.. لاحت أمامه قصة ابنة أخته التي ولدت مشوهة وماتت بعد عناء أهلها وتكاليف باهظة ثمن العلاج غير المجدي " أنا لم أقصر بحق ابني وفلذة كبدي ، لم أسمع بطبيب في مثل هذا الاختصاص إلا وزرته ، وذهبت لأطباء شعبيين وحتى للدجالين .. نعم الغريق يتعلق بقشة .. لكن ما في أمل .. يا إلهي ولا يمكنني السكوت أو الإهمال .. صمت أمه يحرق قلبي من جوا.. لا يوجد حل ، هذا ما قاله الأطباء صراحة .."

أظهر تماسكا في غير محله ، وكاد ينهار وهو ينظر إلى كتلة كبيرة في رأس طفله ، حرّك الطفل رأسه فأصابت الكتلة نتوء ذقن الأب ، شعر كأن عاصفة اجتاحت آخر ما تبقى لديه من أسئلة .. استسلم لرخاوة أحاسيسه وكأنه مشتبك مع مخالبها " أفكاري عصبية وعلاقتي بالناس تغيرت ، ولم أذهب في مهمة إلى العاصمة بسبب وضعي هذا ، وكأن هذا الولد يقف بيني وبين أي نشاط أريد القيام به ، يا ليتني مثل أمه ، فهي أقوى من السابق، على عكس ما أنا عليه من ضعف .." ..

ضغط على أعصابه المكهربة ، وهو يراقب ابنه الكبير الذي يلعب بدمية متحركة ، استهجن المقارنة بين الطفلين ، شرد قليلا ، تحرك في البيت تحت وقع العجز الآبق ، حسد زوجته التي لاتكل ولا تمل من العناية به ، وتشعر أنها مقصرة تجاهه رغم اهتمامها الكبير بصحته ، وهو مدرك تماما بأنها تتحمل أعباءه و قلقه وقلة حيلته ، وتشحذ همته وتدفعه للعمل كي يتناسى وضعه .. " كأنني واحد من أطفالها .." دوت هذه الجملة في داخله كصرخة ، انتهى مرميا على الكنبة كخرقة ناشفة .. حاول إقناع نفسه بضرورة الاستجابة لنداء الأمومة .. " وهل أستطيع ؟ " كان السؤال كالجرح في الروح .. تقيأ الطفل فجأة ، وأخرج سائلا نافوريا من فمه ، مخاطي الشكل ممزوجاً بمادة صفراء ورائحة كريهة جدا، قفزت الأم من مكانها ، مسحت السوائل بيدها ، وطرف فستانها ، أسرع الأب وأحضر منشفة ، هاله منظرها وهي تهتم به ، انحنى ومسح بقايا طعام عن وجهها وطرف شفتيها .. تابعت تنظيف الطفل وتغيير ثيابه ، همس " هي حالة مزمنة ، وهذه المرة كمية الإقياء كبيرة جدا " فزّ من جانب الزوجة ، أخذ الطفل الذي تكرر إقياؤه ، وأسرع إلى أقرب مستشفى تتوازى همته مع همة الزوجة ، وعاطفته مع عاطفتها ونبض قلبه مع نبض قلبها ، ومنسوب اهتمامه مع منسوب اهتمامها ..

* * *

كان في دكان الحي المجاور لمنزله ، قابل صديقا قديما ، وبعد السؤال عن صحته رمق طفلا ملامحه مطمورة في وهاد جسده الناحل كعود وهيئته كورق تين أصفر في نهاية الخريف ، ارتد عن السؤال ، لكن صديقه الذي لاحظ ردة فعله ، أجاب على سؤال متوقع :

إنه ابن أختي .

ارتبك الكاتب أكثر ، فتابع صديقه :

إنه طفل منغولي ، تهتم به أختي كثيرا ، و هو أغلى أطفالها .

ووالده ؟

يدلِلُه كثيراً..

هل يتقيأ أوينمو كبقية الأطفال ..

أحيانا ، و نموه بطئ ..

اشترى له قطعة حلوى ، واشترى له الكاتب لعبة متحركة ، لمس خديه ، دلعه قليلا ، ودع صديقه وعاد إلى مكتبه مباشرة.. أخذ بسرعة أوراق القصة التي أهملها منذ وقت، تهيأت له صورة الطفل الذي كتب عنه قصة ناقصة ، قصة لم يتجرأ ويكتب نهايتها ، رجعت له لهفة الأبوين الممزوجة بلون الإقياء المصفر وصورتهما وهما مسرعان إلى المستشفى .. قارن بين وجهي الطفلين ، تراءت له لوحة متشابهة ومتطابقة إلى حد كبير ، عاد و قرأ ما كتب مرة أخرى ، تلعثم عند النهاية " .. واهتمامه مع منسوب اهتمامها .." تدفقت الروح في القصة ، أصبح لها جسد و عاطفة وتفاعل مع صورة الطفل الذي اشترى له هدية ، ردد بعد ملاحظات عديدة :" لم يعجبني البناء المأسوي للطفولة في قصتي ، ويجب أن أكتب عن الطفولة بطرقة مختلفة ، وهي في جميع الأحوال جميلة ، على الأقل تخلق شعورا مختلفا في البيت لا كما تصورت .. وهل أستطيع أن أغير الفكرة لتكون المواجع حافزاً للتآلف .. " راجع أفكاره التي لا تزال تختمر ، قبل أن يخطها على الورق.. وكاد يصل إلى نتيجة مضادة لواقع حاله ، سقط القلم من يده بعد أن حاول إضافة جملة جديدة لقصته ، قرأها أكثر من مرة " عادا من المستشفى وهما .." وتساءل " كيف عادا ؟ ما حالة الطفل ؟ هل مات أم عاش ؟ أقتله وأتخلص من المشكلة ؟ " صفن طويلا ، ثم حملق في قلمه الممدد أمامه كسيف مسموم يقتل ، وتراءت له الصورة المضادة للموت وقدرته على إحياء الطفل .. تخير بين فاعلين : قاتل وباعث الحياة ..

ظل مع مشافهته يتحاور دون أن يعرف كيف سينتهز فرصة اختلال التوازن ويكتب النهاية كمجرم أم كمخلص .. فكّر بالصدق وعبّر عن شكه في قدرته على قول الحقيقة ، تنهد بعمق وترك لأنفاسه حرية التحرك فوق كتلة خياراته القريبة من العاطفة وليس من العقل " يجب أن أخلصهما من العذاب ، الموت جرعة واحد للخلاص من القهر ، وليس سفرا من الطهارة .. يجب أن أقتل الموت دفعة واحدة وأحرر العذاب منه .. ياه ، موت العذاب .. موت القهر ..! للخلاص طعم مختلف .. " توقف عند مشادة لئيمة مع فكرة طارئة ، معزولة ومتوحشة جعلته يرى الدم ، يشتم رائحته ، صرخ " القتل الرحيم ، القتل الرحيم .." ضغط على رأسه بشدة ، وكأن صوتا جاءه من بعيد " اجعل الدم يسيح على الورق أو لا تكتب .. قل الحقيقة بشرْ بها ، أو اخرس ، لا تنافق ، لا تخنث العهد.. " أخذ القلم واستعد للكتابة استجابة لهذا النداء الذي استحوذ عليه ..

نسي فنجان القهوة الذي أحضرته له أخته ، وتركته متوحدا مع مزاج الكتابة التي تعرف وقع هولها عليه ، كتب مضيفا :" .. منسوب اهتمامه مع منسوب اهتمامها .. تحسن الطفل في المستشفى، وبعيدا عما قاله الطبيب وما نصح به ، قال الأب لزوجته: لا تهتمي لأنه طفل منغولي ، بل اهتمي به كابن من أبنائنا الثلاثة .. أسدلت الأم جفنيها معبرة عن رضا وقبول و .."

شعر الكاتب بخيبة كبيرة ، لأنه ترك بياض النهاية يرتسم على خاتمة القصة ، " من غير المعقول أن تكون الأسرة راضية من وضعها هذا، ثم ما هذا النفاق الذي ينزف بلغماً ، إنني أكذب .. " عاد ثانية إلى فكرة القتل الرحيم ، استهجن تردده، وأصابه خمول نسف قدرته على البحث في ملف المعقول الذي أسس عليه كثيرا من قصصه الواقعية .. ثانية وثالثة ورابعة انشد إلى استدعاء القصة له ، أمطرته بوابل التحريض الذهني ، دافع عن وجهة نظره " صحيح أن الأسرة تعاني ، لكنني لن أدعوها للفرح ، فلن أكون سخيفا وأكتب عن السعادة.. يمكنني أن أخدع وأقول أن الألم هو شكل من أشكال ترويض الروح وقبولها الفرح .. عادة يكذب الكتاب ويقدمون نماذج واهمة عن الخلاص ، لكنهم .. أقسم بالله العظيم لم يجربوا ذلك الوجع الذي يتكلمون عنه ، وعند أول سقطة سيبكون ، سيحملون وجعهم ويركضون إلى الطبيب أو إلى الله .. من بعيد يكون التنظير سهلا ، والدعوات للسكينة كالشعارات الجوفاء أسهل ، لكن عند أول انتكاسة يتم دفن الأحلام والقيم تحت تراب الحقيقة .."

تقاذفته الفكرة ، استرجع صورة الطفل وحنان الأم والأب الهلوع ، وخاطب نفسه بصوت جلي : " أصلا من أين جاءتني تلك الفكرة ؟ لم أكن مقتنعا بفكرة القصة ، وكنت سأمزقها ، والآن تغير الموقف ، لو لم أر بطل قصتي يمشي على الأرض وقدمت له هدية لكان بإمكاني تمزيق هذه الوريقات العبثية ، لقد أصبحت قيمة من لحم ودم وروح ، والواقع يخط قصصه التي هي أبلغ من الخيال ويفرضها علينا كواحد يعيش بيننا .. "

ترك قلمه والأوراق ، وذهب مباشرة إلى بيت صديقه ، وأثناء الطريق ، قال في نفسه : " يجب أن أقابل بطلي وأتحدث إليه ، إنه موجود ، ويجب أن يقول لي ماذا أكتب عنه ، وسأجد لديه نهاية واقعية .. سأكتب النهاية من الواقع ، كما هي بالضبط .. "





  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home