القلم النقدي

 

تصحيح مشاركة "قراءة في رواية " البحر ينشر ألواحه"

فيصل عبد الله حيدر / عمر خليفة بن إدريس (من ليبيا



رواية " البحر ينشر ألواحه " § لمحمد صالح الجابري §§ إدانة للبنية المعرفية السائدة

د. عمر خليفة بن إدريس

أ.  فيصل عبد الله حيدر

 

   تتوسّل رواية " البحر ينشر ألواحه " بجدلية : ( الرفض / والإذعان ) في موضوعَيْ : ( المكان ، والتقاليد ) . إذ يتوسّل الروائي بحكاية سَفَر ابن الريف إلى المدينة ممثلةً بالعاصمة ، في محاولة من البطل للهروب من طابع الحياة الريفية ببداوتها وبدائيتها ، إلى أضواء المدينة وأجوائها الصاخبة . ولأن ما يمكن أن يُعدّ خرقاً لقيم الريف وتقاليده - يكمن في الخروج عن الالتزام الاجتماعي تجاه منظومة الأسرة ابتداءً ؛ فقد كانت المرأة هي المعيار الذي تقاس به هذه المحافظة ، الأمر الذي يجعل من المرأة المنحرفة رمزاً ممكناً لقيم المدينة المعادية لقيم الريف ؛ من أجل ذلك نرى الجدل القائم في القرية ، إبّان سفر البطل إلى العاصمة للدراسة ، سواءً في معارضة شيوخ القرية [1] لهذا السفر ، أم في وصية أمّه التي حرّمت عليه النظر إلى نساء المدينة ؛ لأنهن متبذلات [2]. ويشار في هذا السياق إلى أن ( الدراسة ) التي تعلّلَ بها البطلُ للهروب من المكان ، يمكن أن تكون إشارة فنية دفع بها الروائي لتشي بموقف معادٍ لمترتّباتها في السرد .   

  لقد ازدحمت الرواية بأجواء الحانات والخمور ، إلى جانب مظاهر التعهّر في كل ما يخصّ النساء ، حاشا أم البطل التي اقتصر وجودها في الرواية على تلك الوصية التي زوّدت بها ابنها " دربالاً " وقت سفره ، وشكّلت باختفائها في أثناء السرد ، بعد تركها في القرية ، توحُّداً مع قيم المكان ( أو الوطن ) ، التي حاول البطل جاهداً التملُّص منها ، ومحوها من ذاكرته بمجرد أن صار في المدينة  وانبهر بأجوائها المنحلّة ؛ فتناسى وصية أمه . والكلام نفسه ينطبق على أم " حبيبة " ، وهي المرأة القاسية المراقِبة لسلوك ابنتها ، وقد أدى غيابها إلى جنوح ابنتها ، ومعاشرتها لدربال [3] ؛ فكانت الأمّ رمزاً لصرامة المكان ، ورمزاً كذلك لهذه التقاليد المحافظة ، أي أنها يمكن أن تختزل قيمتيْ ( الوطن ، والأصالة ) ، فيما عدا ذلك ، فأغلب شخصيات الرواية ، من النساء ، هنّ أدواتٌ للانحراف ، وإغراءٌ للتمرّد على المحافظة ، ابتداءً من البطلة " حبيبة " ، التي تطوّرت شخصيتها لاحقاً ، من طالبة مراهقة تبحث عن إثبات أنوثتها لزميلاتها اللائي يتباهين أمامها بعلاقاتهن الحميمة إلى زوجة تتحاشى التمادي في علاقتها بالبطل إلى حدّ المعاشرة الجنسية ، على الرغم من أن تواصلها السرّي مع دربال ، واختلاءه بها ، هو شكل من أشكال الخيانة الزوجية ، ويكثر غيرُ حبيبة من الشخصيات التي تمارس العهر الخفيّ أو الدعارة السافرة ، فنجد العجوز التي دفعت البطل إلى كسر الناموس بينه وبين نساء " حي مبروكة " بدعوى النصيحة المخلصة ، وأنها بمثابة أمه [4] ، ويمكن اعتبارها رمزاً لروح المدينة الزائفة التي حاول البطل أن يجعل منها بديلاً لوطنه الأصل ، ثم نرى صبيحة وغيرها من نساء الحي اللائي تقاطرن على بيت المُعلِّم " دربال " خلسة من خلف أزواجهن أو أهلهن [5] ، وكذلك خيرة المومس التي اتّخذها الجزار لنفسه عشيقة [6] ، وقد سبقتهن نعيمة وابنتها في بنزرت [7] ، ومبروكة صاحبة الماخور التي شكّلت توبتها المفاجئة بفعل الميتافيزيقا ( أو كرامة صاحب الضريح ) - " حي مبروكة " أحد أهم مسارح النص[8] ، ثم النايلية ، وفتيات النايلية [9]، وخادمة العجوزين الأجنبيين [10]، والمومس في المقهى [11] ، وأخيراً تبرز لمياء التي دفعت الأحداث نحو نهايتها بخيانة زوجها مع رفيق ؛ الأمر الذي ترتّب عليه حبس رفيق [12] ، واكتشاف دربال أن ارتباط حبيبة بعائلتها هوّة سحيقة ، تقف حائلاً بينه وبين تواصله مع حبيبة التي اختارها الكاتب رمزاً لمحاولة دربال التوطّن خارج وطنه .

  في مقابل المرأة نرى الرجل في الرواية يرزح تحت نير السلبية والضياع ، يُستثنى من ذلك " والد دربال " الذي خلق الروائي على يديه النبوءة الفنية التي لازمت البطل مذ سافر إلى أن عادت به إلى قريته [13] ، مروراً بشيوخ القرية من أعمامه ، الذين مانعوا في خروج دربال من القرية ، ثم ألحّوا على السلطات لنقل عمله من بنزرت إلى القرية [14] . والأب رمز يكمل في السرد ما وُظِّفت الأم من أجله . فيما عدا ذلك من الرجال فجمهورهم ، إذا تجاوز القارئ مجتمع ماخور مبروكة التاريخي ، يمكن أن يمثله رفاق دربال في بنزرت ، ورفاقه في العاصمة الذين اختزلهم الروائي في الجلوس في المقاهي والحانات أو على موائد الاحتفالات ، والاكتفاء بتجاذب الأحاديث ( السطحية في أغلب الأحيان ) ، والتشاغل عن عظائم الأمور بمشاكسة بعضهم بعضاً ، الأمر الذي يشي بإدانة الروائي لانغماس المجتمع العربي في سلبيته تجاه القضايا المصيرية ، وقد عبّر الروائي عن ذلك من خلال مشهد متابعة دربال ورفاقه لأنباء أزمة مصر مع الإسرائيليين ، على هامش أحاديث المقهى في الفصل ( 11 ) [15] ، وكذلك بإلصاق مشهد المومس في أثناء ذلك الجدل ، ثم بتحوّل عثمان إلى الحديث عن رفيقته التي غمزته في المدرسة ؛ فشغلت باله لساعات ، وفي مقابل تلك اللامبالاة يتندّر المجتمعون على تعاطف مثقفي أوربا ، وعلى رأسهم سارتر ، مع إسرائيل ضد العرب .

  كما يمكن أن يلحظ القارئ هذه السلبية فيمن استعبدتهم حاجات عوائلهم . وقد وظّف الروائي لذلك محاولة والد حبيبة اليائسة التملُّص من قسوة زوجته بالطلاق ، وما تبع ذلك من حبسها إيّاه ، وإجباره على العودة مذعناً لقيد الأسرة والعمل في الميناء جلّ النهار [16] .

   أمّا دربال بطل الرواية فقد حاول منذ بداية السرد الهروب من قرية عمدون ( باعتبارها الوطن ) إلى وطن بديل هو ( العاصمة ) ، ومن المحافظة على قيم وطنه الأصل ، بتناسيه قريته ، والانغماس في ملاهيه مع النساء والخمر ، ثم بسلبيته أمام حبيبة التي تحوّلت علاقته بها إلى التسامي على الجسد ( بحسب النص ) [17] ، فنراه يتمادى في هروبه ، بدل أن يتمّم علاقتهما بزواجٍ في البيت الذي أعدّه ليكون وطناً ؛ هرب إلى روما [18] ، ثم فاجأ حبيبة بخطاب بريديّ يحثّها فيه على البحث عن السعادة بعيداً ، وتحاشي أمثاله من الرجال [19] . ولعل القارئ يلاحظ أن فترة إقامة دربال في روما مسكوت عن تفاصيلها وأحداثها ، إذ قفز السارد إلى عودة دربال إلى أصدقائه ، وبحثه عن حبيبة ؛ الأمر الذي يقوّي الظن بأن الروائي أراد من سفر دربال أن يخلق ازوراراً وهروباً من الارتباط بحبيبة ( التي يمكن اعتبارها رمزاً لمحاولة التوطّن ) . وحتى في مشهد عودة البطل إلى القرية في آخر السرد ، يرى القارئُ البطلَ هارباً يائساً مذعناً ؛ وقد استشعر ضياعه من خبر تهدّم بيتهم في القرية ، ثم من اضطرابه أمام سؤاله عن الفرق بين القرية والمدينة ؛ الأمر الذي يجعله يتحول إلى خصم محمد علي المهزوم[20] ، فيما تبتهج العاصمة بأضوائها وأناسها المزيفين على كراسيهم في المقاهي ، والحانات ، والأماكن العامة ، وعلى عتبات مبانيها الرسمية ( وأحياناً الرأسمالية ) [21]. لقد اختزل الروائي صحوة البطل ( أو صدمته ) في عِيد الاستقلال ؛ فجعل من كل هذا الاحتفال موكباً يزفّ دربالاً إلى قريته في اعتذار جاء متأخّراً لما يمكن أن يرمز إلى : النظام ، والقانون ، والمكان ، ألا وهو شرطي المرور [22].

   وإذا كنّا في هذا السياق نبحث عمّا يحسّه القارئ من توظيفات ورموز في النص ، فإنّ عنوان الرواية " البحر ينشر ألواحه " جدير بلفت الانتباه إليه باعتبارين : أحدهما معنى العبارة اللغوي ، والآخر موقعها من النصّ ؛ ففي المعنى اللغوي : " البحر ينشر ألواحه " ، تحيل العبارة على التعبير القرآني " وحملناه على ذات ألواح ودسر " [23] ، والبحر في المعنى المتبادر ينشر أمواجه في حركته الدائبة ، لكن تعبير ينشر ألواحه ، يستدعي أن ينشر البحر ما علق على سطحه من بقايا سفن ضلّت سُبُلها ، ويلفظه على الشواطئ ، وذلك ربما يختزل فكرة التطهّر ، وقد يكون النشر من النشور ، وهو البعث من جديد ؛ فيكون المعنى هو قيامة الأبطال من موتهم المعرفي لحظة تجلّي الحقيقة . وفي المعنى الموقعي يدرك القارئ مغزى أن توضع العبارة في مشهد تجاوز رفيق ولمياء خطّ الحذر من زوجها المتربّص [24] ، والسقوط في متاهة الملاحقة القضائية ، وما نتج عن تلك اللحظة من انقشاع الضباب ، واصطفاف حبيبة خلف قيم أسرتها ، وتسليم دربال بأنْ لا شيء يمكن أن يربطه بالعاصمة ( أو بحبيبة ) ، الأمر الذي يدفع باتجاه عودته إلى وطنه الأم " قرية عمدون "

 

لحظة الانقلاب عند ذروة العقدة

 

لمياء ورفيق تحت طائلة القانون                 حبيبة تتمسّك بعائلتها

 

البحر ينشر ألواحه

 

 

دربال يبحث عن حبيبة                               دربال ييأس من حبيبة

                

               دربال يغادر...   (  القرية   )  دربال يعود...

 


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

، فالبحر يبدو للقارئ رمزاً موظّفاً بدقة بعد أن تحوّل في الفصل ( 12 ) [25] إلى أحد أبطال الرواية من خلال تقنية " اللصق " ؛ وأوحى في آخر السرد بعدائية المكان تجاه مشهد الخيانة ، أو تجاه تزييف قيمة المواطَنَة ( باعتبار المنظومة الأسرية ) ، وقد كان أليفاً في أوله تجاه دربال في أثناء تسكّعه على شواطئ بنزرت في الفصل ( 2 ) [26] .

وإذا كان الكاتب يدين الهروب من قيمة الوطن من خلال  إدانة :

  

 الهروب من المكان ( القرية ) .

 والهروب من الواجب ( العمل بالقرية ) .

 والهروب من المواطنة ( أي من الزواج بحبيبة ) .

 والسلبية تجاه قضايا الوطن ( التشاغل عن أحداث السويس بالمومس ) .

 

فإن القارئ يرصد إدانة واضحة أو موقفاً ثائراً كذلك على البنية المعرفية السائدة ،

( باعتبار أن انعدام الوطنية نتيجة لفشل المنظومات المعرفية ) ، ويمكن أن تُلحظ تلك الإدانة من خلال توظيفه لرموز الهيكل التربوي ، والمشهد الثقافي ، والبُعد الميتافيزيقي السائد في مجتمع الرواية .

  ففيما يخصّ الهيكل التربوي ( أو المنظومة التعليمية ) تطالعنا شخصيّات :  المدير ، ودربال ، وعثمان ، وحبيبة ، وصديقاتها في المدرسة . فالمدير شكّل بحادثة مصرعه مع صبيحة في سيارته بسبب الخيانة [27] صدمة للقارئ لما كان يظهر عليه بمظهر المتزمّت تجاه سلوك دربال في " حي مبروكة " ، وهو يمثّل السلطة التعليمية الرسميّة ( أو يرمز إليها من بعض جوانبها على أقلّ تقدير ) ، فيما تتمظهر شخصية دربال في سمتي : السلبيّة والضياع ، وما يجرّانه من هروب مستمرّ من جهة ، ومن انحراف متمثّل في إدمانه على الخمر وانغماسه في الجنس من جهة أخرى ، ويظهر ذلك جليّاً أولاً في علاقته الحميمة مع جارته التلميذة " حبيبة " ، وبخاصة في أثناء دراستها وأوقات مذاكرتها ، ثم في مغامراته مع نساء حي مبروكة التي كنّى عنها الروائي بوظيفة ( الكاتب العمومي الليلي ) [28] ، وهي سمات تقف على النقيض من الشخصية النمطية للمعلّم ، التي ألمح السارد إلى أنها من الشخصيات التي لا تتحرّج نساء الحي في الظهور أمامها أو محادثتها [29] ، ثم يأتي على هامش السرد حديث عثمان عن زميلته التي غمزته في المدرسة ، وتعليقه على المومس[30] ، وفي هذا السياق لا يمكن تجاوز زميلات حبيبة في المدرسة ، اللائي انغمسن في العلاقات الجنسية والليالي الحمراء ( بحسب النص ) وحرضن حبيبة على الانحراف [31].

   وقد حفل الفصل ( 19 ) [32] بالسخرية من مثقفي العاصمة وموظفيها ، ومن الرسّامين والمحامين كذلك ، من خلال مشهد تسكّع دربال في احتفال عيد الاستقلال . كما سخر الروائي من الصحافة العربية التي لا تختلف في بُعدِها عن الحقيقة عن الصحافة الغربية [33] .  

    من منظور آخر ، يجد القارئ توظيفاً للبعد ( الميتافيزيقي ) للبنية المعرفية السائدة ، من خلال توظيف رمز ( ضريح الولي الصالح ) في أثناء معجزة قلب الماخور إلى حي سكني ، إثر توبة مبروكة في الفصلين ( 5 ، 8 ) [34] ، وهو  إصلاح غيبي طارئ ، يحمل في طياته ميلاد النقائض من رحم واحد ؛ إذ تولد الفضيلة من وكر الرذيلة ؛ ليحتضن المكان عينه الرذيلة مرة أخرى ، بفعل التدخّل البشري الفاعل قبل الحدث ، مُمَثلاً بميوعة الرأي الفقهي في عبارة شيخ العاصمة : " كلما تعدّدت مواطن الرذيلة كان طريق الفضائل أبين " [35] ، والفاعل بعد الحدث كذلك ، ممثلاً في الجدل الدائر حول أفضلية كبش العيد على غيره من الكباش في الفصل ( 18 ) [36] ، وما يشي به ذلك من إفراغ قيمة الدين من مضامينها السامية . وكأنّ الكاتب أراد من ذلك أن يقول : إن إزاحة المقدّس إلى منطقة وجهات النظر يخرجه عن قداسته .

وفي هذا السياق ، حاول الروائي تصوير حالة من الضبابية تجاه القيم والمعايير التي تقاس بها الحقيقة ، من خلال مشهدَيْ : مقتل المدير وصبيحة على يد زوجها بعد اكتشافه خيانتها [37]، ومقتل مبروكة على يد " عبادو " [38] ، بعد أن كفرت بالرذيلة ، وحوّلت الماخور إلى حيّ سكنيّ يضمّ فقراء العاصمة وصعاليكها ، الأمر الذي يوحي بتشوّش مفهوم القِيَم في الواقع المعيش ، وبرفض حاد لتسطيح البنية الدينية.

ومن خلال ما تقدّم يمكن تبيّن إدانة الروائي للبنية المعرفية متمثِّلة في : 

 

الهيكل التربوي ( مديـر المدرسة ، وعثمان ، وحبيبة وزميلاتها ، ودربال)المثقفين ( مظاهر الزيف والتسطيح في مشهد عيد الاستقلال

البنية الميتا فيزيقية ( الضريح ، وشيخ العاصمة ، والجدل حول كبش العيد )

 

وإذا كان توظيف الروائي لرموز : ( الأم ، والأب ، والمرأة والخمر ، وعيد الاستقلال ، والبحر ، والعاصمة ، والضريح ) يمكن للقارئ أن يقارب المنوط بها ، فإن رموزاً أخرى قد تُوقِعُ القارئَ في الحيرة بين أن تكون موظّفة توظيفاً حادّاً للتنديد بواقع المواطَنَة ، أو أنها لم تتطوّر من خلال النص إلى ما كان يُتوقَّع منها! يأتي في مقدّمة تلك الرموز " العمارة التي يسكنها دربال  " ؛ فقد أشار السارد إلى أنها " يجوز أن تنعت بأنها ( مجمع الأديان الكبرى ) "[39] ، أو " عمارة الأديان الكبرى " [40] ؛ الأمر الذي هيّأ القارئ لأنْ يرى فيها رمزاً مثاليّاً للوطن ( باعتباره يحوي الأديان الثلاثة ) ، وذلك يبرّر توظيفها على ذلك النحو ، إلاّ أن القارئ يُفاجأ بأن العمارة تُختزل في شقة دربال التي أُعِدَّت لتكون مسرحاً لعهره مع حبيبة ، وهي إلى ذلك لم تربطه إليها برباط الموَاطَنة ؛ فلم يتمّ زواجه من حبيبة ، على الرغم ممّا وُصِفت به علاقتهما من تسامٍ في مراحلها الأخيرة ، ثم يُتوَّج ذلك  بتمادي دربال في هروبه . ومثل ذلك في الفصل ( 13 ) ، إذ نرى الكاتب يتحدّث عن : " المرّة الأولى التي يُتاح له فيها أن يعتلي طابقين اثنين درجتين دفعة واحدة " [41] ، وعلى الرغم من ذلك فلم يرَ القارئ توظيفاً لهذا الرمز في مسألة الطبقات الاجتماعية التي لاحت في الفروق بين (حي مبروكة ، ونهج ابن خلدون) ، ثم في احتفالات العاصمة بعيد الاستقلال في الفصل ( 19 ) [42] .

  من أجل تلك الرؤية ربما كان على الروائي أن يتّخذ " رواية الشخصية " مطيّة لرؤياه ؛ فكانت الرواية روايةً شخصيةً ، البطلُ فيها لم يكن ذلك البطل المندفع المتهوّر الذي تدفعه الأحداث من موقف لآخر ، بل كان " دربال " سلبيّاً تجاه ما يعترضه من تحدّيات ، يكتفي إزاء ذلك بالهروب المستمر ، والانغماس في اللهو بالخمر والنساء ، كذلك لا يوجد في النص حبكةٌ بارزة ، فالأحداث تتغيّر ؛ لأن الأماكن تتغيّر ، وليس لأن الشخصيات تتغيّر ؛ فالتطوّرات في الرواية منشؤها المكان والتقاليد التي فرضت على حبيبة نوعاً من الالتزام بالأسرة ، وفرضت في حكاية "حي مبروكة " ، على مبروكة التوبة وتحويل الماخور إلى حي سكني للإيجار ( باعتبار الضريح ) ، فالفاعل الحقيقي في حبكة حكاية دربال هي نبوءة والده بالعودة إلى المكان ( الأصل ) ، والفاعل الرئيس في حبكة حي مبروكة هو الرؤيا أي : ( البعد الديني ) . من خلال ذلك يمكن اعتبار الحبكة في الرواية حبكة بسيطة غير معقّدة ، ليس فيها حدث حاسم تشارك كل العناصر في صنعه ، ولا يوجد فيها نهاية يتحرّك نحوها كل شيء في الرواية ؛ لأن النصّ أقرب ما يكون إلى التحليل النفسي لشخصية دربال الهارب من سلطة المكان وتقاليده ؛ لذلك يظن القارئ أن شخصيات الرواية مستقلة بذواتها وأن الأحداث تابعة لها ، كما أن مواقف هذه الشخصيات هي مواقف نمطية وضعها الروائي لتعرّفنا بشخصياته ، أو لتعرض لنا ما يستجدّ في الرواية من شخصيات جديدة .

   وشخصيات الرواية سواءً في حكاية دربال ، أم في قصة إنشاء حي مبروكة ، أو حكاية " رفيق ولمياء " ، شخصيات تكاد تكون ثابتة أو شبه جامدة ، لها ملامحها وصفاتها منذ أن ابتدأ السرد وحتى نهايته ، لم يتغيّر منها شيء بل اكتفت بالتلوّن بألوان المكان بحسب المواضع التي ظهرت فيها ، وذلك من أجل عرض مجتمع الرواية ، فما يمكن أن يعدّ صراعاً بين شخصيات الرواية هو بالدرجة الأولى من أجل نقد مجتمع العاصمة في مقابل مجتمع الريف المسكوت عنه ، والمعبَّر عن خصائصه بنقيض الواقع المعيش في أحداث السرد ، من انحلال وخيانة وزيف وخيبة أمل ، وقد عبّرت عن ذلك بإخلاص شخصيات الإجرام في تاريخ حي مبروكة ، وشخصيات حاضر الرواية بما انطوت عليه من رغبات وأهواء ، فكان تطوّر علاقاتها هو ما يدفع في اتجاه نهاية السرد .

   لقد ابتدأ الروائي سرده بشخصية دربال الكاملة منذ البداية نموذجاً للإنسان الهارب إلى الأمام ، وامتدّت حبكة الرواية مع دربال ، لعرض ما يمكن عرضه من أوهام الوطن البديل ، ومشاهد حياته الزائفة ، وكان المكان هو العنصر الرئيس في مقابل الزمن المحيَّد ، تتنقّل فيه شخصية دربال ، وتتأقلم مع ما فيه من مظاهر عيش وصداقات ، وفي أثناء ذلك نرى مختلف التوليفات في مجتمع المدينة : الشخصيات المتعلّمة أو السويّة بحسب منطق المدينة ، ويمثّلهم أصدقاء دربال ، والشخصيات المنحرفة وذوات الإجرام ، ويمثّلها شخصيات حي مبروكة وبعض الشخصيات الأخرى ، وهي في عمومها شخصيات تُكسِب المكان ازدحاماً وتنوّعاً ، وتدفع بالبطل دربال لأنْ يبحث عن تطوّر ما في دواخل نفسه ، ينتصر به لقيم يتطلّع إليها ولا يجدها . كما يمكن اعتبار المكان في هذه الرواية مكاناً دائريّاً ، يبدأ من قرية عمدون التي غادرها دربال بصعوبة ، وينتهي بقرية عمدون كذلك ، التي رجع إليها دربال بصعوبة أيضاً ( أو هكذا أراد الروائي بحسب ما يُفهم من النص ! ) ، ويُظهِر ذلك سلطة المكان على الإنسان الذي يبدو من خلال هذه الحركة ضائعاً مسلوب الإرادة .    

              

 كما حاول الروائي التحايل على محدودية الزمان ودونيته أمام الشخصيات في مقابل تنوّع المكان واتساعه عبر السرد ، بحيلتين : أولاهما تمثّلت في ربط الزمن في الرواية بتواريخ محددة ، وأحداث خارجية فرضها عن طريق الاستماع لوكالات الأنباء حول أزمة العرب مع إسرائيل والغرب في بداية السبعينات ( وهي المرحلة التي سبقت طبعة الرواية الأولى ) . أما الحيلة الأخرى فقد كانت بتلاعبه بالأنساق الزمنية للحكي من خلال التقديم والتأخير والإزاحة ، في بنية تشي برغبة الروائي في تهشيم النسق السببي للأحداث ، وقد حاولت هذه الورقة رصد الحكايات الثلاث في الرواية في مقاربة أوليّة ، ورأت من حيث الإجراء أن حكاية " دربال وحبيبة " تتظافر مع حكاية " رفيق ولمياء " من خلال علاقة زواج " رفيق بحبيبة " ؛ فاعتبرتهما الورقة حكاية واحدة رمزت لها بالرمز : " د " ، في حين رأت استقلالية حكاية مبروكة باعتبار البعد التاريخي ، ورمزت للحكاية بالرمز : " م " ، وقد رُصِدت المقاطع [43] المكونة لهذه الحكايات ( ورُتّبت أولاً وفق تسلسلها السببي ) على النحو الآتي :

 

مسرد للمقاطع وفق ترتيبها السببي §

 

1 : حكاية دربال وحبيبة متظافرة مع حكاية رفيق وحبيبة ولمياء :

 

ف2  أ / مقدم دربال إلى العاصمة .

 ف2  ب / ثلاث سنوات دراسة في العاصمة .




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home