القلم العلمي

 

مدخل إلى التداولية

خليفة بولفعة



 


         مدخل إلى التداولية بقلم خليفة بولفعة*

  لعل من أكبر التحديات التي يواجهها الباحث في هذا الميدان ،هو الإبهام الذي يسود العديد من المصطلحات والمفاهيم ،خاصة وأن التداولية ذاتها عبارة عن مجموعة من النظريات المتفاوتة من حيث المنطلقات والمتفقة على أن اللغة نشاط يمارس ضمن سياق متعدد الأبعاد([1]) .

   والتداولية بصفة عامة، مبحث لساني جديد عرف تأسيسه الحقيقي بين سنة            1950 و سنة 1990 ([2])، وهو مفهوم أدخل أول مرة من طرف "موريس" Morris (1938) الذي ميز  بين ثلاثة فروع داخل السيميائيات :

-  علم التراكيب الذي يدرس العلاقات المنطقية أو الشكلية بين العلامات .

- علم الدلالة الذي تتمثل وظيفته في البحث عن الدلالة المتواضع عليها بين هذه العلامات ، أو علاقات العلامات بالأشياء التي تؤُول إليها نتيجة المواضعة.

- والفرع الثالث هو التداولية الذي يهتم بعلاقة العلامات بمستعمليها ومؤوليها([3]).

  وعلى هذا الأساس ، تعتبر التداولية ميدانا يهتم بالكيفية التي يفهم بها الناس بعضهم بعضا وطريقة إنتاجهم وتأويلهم للأفعال التواصلية في موقف محدد في الزمان والمكان ، وبذلك فهي تميز بين فعلين: فعل القصدية الإخبارية وفعل القصدية التواصلية ، أي:  بين معنى الجملة الملفوظة و معنى المتكلم. وحسب "مونتاج" Montague و "ستالناكر" Stalnaker ، فإن هناك كفاءة نحوية تعمل على معرفة وصياغة العبارات بشكل جيد ، وكفاءة دلالية تعمل على تحديد العبارات المفيدة والمناسبة، وكفاءة تداولية تهيئ شروط نجاح التلفظات الواردة في السياقات المختلفة([4]).

    ومرد اهتمام الباحثين بهذا الحقل، يعود لكونه حاملا لرؤى متعددة في مقاربة الخطابات، خاصة بعد العجز الكبير الذي أبدته المناهج الشكلية ، التي أقصت الجانب الفعلي في اللغة ؛ المتمثل في الكلام ، وهو الجانب الذي يمثل قطب العملية التواصلية كلها، التي اعتبرت اللغة ظاهرة تجريدية سواء عند" تشومسكي" أو "دوسيسير "، وهو الأمر الذي انتقل إلى الدراسات الأدبية أيضا ، فقد اعتبرت الخطابات بنيات مغلقة معزولة عن سياقها وظروف إنتاجها.

   ومع التطور الكبير الذي عرفته التداولية، تم تحديدها بتعريفات مختلفة ، فكل تعريف يكشف عن اهتمامات الباحث وميدانه " فقد يقتصر الباحث على دراسة المعنى ، ولكن ليس المعنى بمفهومه الدلالي البحت ،بل المعنى في سياق التواصل ، مما يسوغ تسميته بمعنى المتكلم ، فيعرفها بأنها دراسة المعنى التواصلي ، أو معنى المرسل ،في كيفية قدرته على إفهام المرسل إليه بدرجة تتجاوز معنى ما قاله"([5]) وقد يأتي تعريفها انطلاقا من المرجعية اللفظية الواردة في الخطاب ومن خلال أثرها فيه مثل المبهمات أو الإشاريات، وموقع طرفي الخطاب ، المرسل والمرسل إليه ودورهما في إنتاج الخطاب وتوجيهه وتحقيق معناه وتأويله ، بالإضافة إلى أثر كل طرف في العملية الحجاجية و الإنجازية .ومن ناحية المرسل ، تنظر في قدرته على تمثل المعايير المساهمة في إنتاج الخطاب وتوجيهه ، ومدى تكيف تلك المعايير  وجوانب السياق المختلفة ، وكذلك مختلف أصناف العدول والتجاوزات التي تصدر عن المرسل حين اختراقه لبعض هذه المعايير ، مما يجعل السياق هو الفيصل في عملية الفهم والتأويل .

  وعلى هذا الأساس ، تكون التداولية هي دراسة اللغة في حالة الاستعمال ، مما يجعل للسياق دورا حاسما في عملية إنتاج الخطاب وتأويله بصفة عامة .

    لقد ظهر في أدبيات الثلاثين سنة الأخيرة التي تناولت الخطاب، أطروحة قوية يساندها كثير من الباحثين ، مفادها أن الخطاب وحدة لسانية جديدة تضاف إلى الوحدات السابقة المعروفة : الفونيم و المورفيم والجملة .إلا أن هناك اعتراضات كبيرة قد سجلت في هذا المجال رافضة هذا التصور الذي اعتبرته اختزالا للخطاب ، مستندين في ذلك إلى أن إنتاج الخطابات وتفسيرها لا يخضع لقواعد خاصة تتحكم في تركيبه وتفسيره . ويظهر من هذا التوجه أنه يرفض التصور العام للسانيات الجملة ولسانيات الخطاب. وإذا كانت لسانيات الخطاب ترى في الجملة أصغر وحدة في الخطاب ، و الخطاب مجموعة متتالية من الجمل ، فإن التداولية ترى في الخطاب ملفوظا أو مجموعة من الملفوظات .والفرق بين الجملة والملفوظ هو الأساس الذي تقوم عليه التداولية في مقارباتها كلها.

   والتمييز بين الجملة و الملفوظ يرجع إلى التمييز الهام الذي أضافه "جريس"  Grice في تحليل اللغة حيث اعتبر أن "الجملة سلسلة من الكلمات لا تتغير بتغير الظروف التي أنجزت فيها ،والتي تتميز ببنيتها التركيبية وقيمتها الدلالية . وهذا ما يعبر عنه بـ (المقول) الذي هو نتاج لمعاني الكلمات التي يتشكل منها ، وعلى هذا الأساس  تكون دراستها موضوعا للسانيات . أما الملفوظ هو نتيجة لعملية تلفظ الجملة، أي عملية نطقها ، يتغير بفعل الظروف التي يتلفظ فيها ويكون حاملا لما يريد أن يقوله المتكلم([6])،أي يكون حاملا لمعنى المتكلم.

    ونفهم من هذا، أن الاكتفاء بتحليل مستوى واحد من مستويات اللغة أو الخطاب، أمر ترفضه المقاربة التداولية ؛ إذ لا يمكننا الاكتفاء بالتراكيب مفصولة عن دلالاتها ، مثلما هو الأمر في نظرية "تشومسكي" ، في مراحلها الأولى، إذ لم تلتفت إلى مسألة قدرة الفرد على إنتاج الخطابات /النصوص وفهمها ، ليس من منطلق أنها تتمتع بخصيصة "النحوية" –التي هي مبدأ من مبادئ قبول الجمل أو رفضها- فحسب، بل لأنها تتوافر إلى جانب مبدأ النحوية ، على الخصيصة "التداولية " بمعنى مراعاتها للسياق الذي تم فيه إنتاج هذه النصوص وفق القدرة التواصلية([7]) .وبالرغم مما يوفره هذان العنصران من صحة نحوية ومنطقية دلالية في العملية التواصلية، ،فإنهما يبقيان غير فعالين في غياب المستوى التداولي الذي يتطلب استدعاء عناصر أخرى خارج لغوية مثل السياق والقصدية .

   ومن هنا نلاحظ بداهة، التزام المرسل بالسياق الخارجي، فقبل أن ينتج ملفوظه يجب عليه أن يأخذ بعين الاعتبار لعدة معطيات ، منها المرسل ووضعيته في الزمان والمكان والسياق النفسي والاجتماعي، بل والإيديولوجي والثقافي ومختلف العناصر السوسيو لسانية.وهنا نجد أن المعاني وقيمتها يتم تفسيرها وتأويلها ضمن سياقها التلفظي الخاص ، وليس فيما تشير به الوحدات المعجمية والتركيبية، وإن كانت هذه العملية لا تتم إلا في تركيب  لغوي محكم ، فإن الفعالية الإنجازية لأي تركيب تكمن فيما يصطنعه المرسل من استراتجيات مختلفة في السياقات المتعددة ، فلا يكون لنفس البنية اللغوية نفس التأثير ونفس القوة الإنجازية.

   وعلى هذا الأساس، يبدو أن " الدرس اللغوي التداولي يدرس المنجز اللغوي في إطار التواصل ، وليس بمعزل عنه، لأن اللغة لا تؤدي وظائفها إلا فيه، فليست وظائف مجردة ، وبما أن الكلام يحدث في سياقات اجتماعية ، فمن المهم  معرفة تأثير هذه السياقات على نظام الخطاب المنجز"([8]).

   ودراسة السياق بمظاهره المختلفة ، سواء عند المرسل حينما يكون بصدد إنجاز تلفظه أو عند المرسل إليه وما يتطلب ذلك من آليات التأويل والتفسير ، ليست بالأمر البسيط، لأن هناك آليات متعددة ومتداخلة تخضع لها هذه العملية . وقد دأب الباحثون على إثارة أسئلة من نوع من يتكلم ؟ من يقع عليه الكلام ماذا نفعل عندما نتكلم ؟ ما هي قيود الحديث ؟ أين يكمن الغموض في الكلام ؟ لماذا التلميح أبلغ من التصريح ؟ لماذا نقول أشياء ثم نصرح مباشرة بعدم قولها ؟ متى يكون الكلام إقناعا ؟...([9]) وللإجابة على هذه الأسئلة وغيرها تلجأ التداولية إلى الاستعانة بعلوم إنسانية واجتماعية أخرى ، وهو الأمر الذي أعطاها هذا البعد الحيوي ضمن فضاء الدراسات اللغوية.

  ويرجع الباحثون ثراء البحث التداولي، إلى إثرائه بالعديد من الدراسات والتطبيقات المتنوعة في هذا الميدان، فقد ساهم في ذلك ذوي الاختصاص اللغوي، و ذوي اختصاصات أخرى، مثل علماء المنطق والفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس.

وعلى الجملة فإن النظريات التداولية تسعى إلى إثبات العلاقة المغيبة في المقاربات الأخرى ، وهي علاقة المتلفظ بسياقه الكلامي.وهذا هو الذي نجده في برنامج "هانسون"Hanssson  الذي حاول فيه التوحيد بين النظريات التداولية ،مبرزا أن هناك ثلاث درجات للتداولية بحيث يكون فيها السياق هو العامل المشترك ،بل إن درجة  حضوره في كل نظرية هو الذي يميزها عن غيرها ،وهذه الدرجات هي: 

1- الدراسة المتعلقة بالجانب الذاتي في الخطاب، أو المرجعية بصفة عامة.

2- الدراسة المتعلقة  بقوانين الخطاب ومظاهرها المختلفة من حجاج وأقوال مضمرة وافتراضات مسبقة

3- الدراسة المتعلقة  بنظرية أفعال اللغة([10]).   ومن هنا برزت مقاربات تداولية تناولت الخطابات المختلفة؛ مثل الخطاب اليومي و السياسي و الإعلامي والثقافي والديني والأدبي...(يتبع)

* باحث من الجزائر

 



[1] - عمر بلخير ،تحليل الخطاب المسرحي ،في ضوء النظرية التداولية  ،ط 1،منشورات الاختلاف ،ص.7

[2]-  Martine Brocaps , introduction à la pragmatique: les théories fondatrices ,De BKoek Université,                         2006 ,p .11                                                                                                     

[3]- Lita Lundquist , La cohérence textuelle,syntaxe,sémantique,pragmatique,éd .Forlaget  Samfundslitteratur,1994,p.7                                                                                               

[4]-  http://www.universalis.fr/encyclopedie/P150021/Pragmatique.htm

 -[5] - عبد الهادي بن ظافر الشهري  ، إستراتجيات الخطاب ،مقاربة لغوية تداولية، ط 1،دار الكتاب الجديد المتحدة ،بنغازي –ليبيا،2004، ص.21-22

[6] - Introduction à la pragmatique, op.  ,cit.  p .67-68

[7] -   يوسف ، احمد ، سيميائية التواصل وفعالية الحوار ، ط 1،منشورات مختبر السيميائيات وتحليل الخطاب ، جامعة وهران، 2004، ص.54.

 

[8] -  إستراتجيات الخطاب، مرجع سابق  ص.23

 -[9] تحليل الخطاب المسرحي في ضوء النظرية التداولية، ص.8

[10] - http://www.universalis.fr/encyclopedie/P150021/Pragmatique.htm




  أرشيف القلم العلمي

اطبع الموضوع  

Home