مقال

 

أموال الدول المانحة أهداف مشبوهة وأغراض خبيثة(1)

رشيد شاهين



 

أموال الدول المانحة أهداف مشبوهة وأغراض خبيثة(1)

 رشيد شاهين

    ما أن تتم الدعوة إلى عقد اجتماع يتعلق بالقضية الفلسطينية وخاصة تلك التي صارت تسمى المؤتمرات الاقتصادية حتى تنهال التوقعات بأحجام المبالغ المالية التي سيتم رصدها وكيف سيكون تأثير هذه المبالغ على الوضع العام في فلسطين من حيث التطوير والتنمية والرفاهية وانتهاء الأزمة الاقتصادية الخانقة، ووضع حد لحالة البطالة المستشرية في الأراضي المحتلة، وقد بالغ البعض بالتوقعات إلى الدرجة التي صار يعتقد معها بان الأراضي الفلسطينية ستصبح سويسرا المنطقة، ناسيا أو متناسيا بان هذه الأراضي لا زالت ترزح تحت احتلال بغيض منذ ما يزيد على الأربعة عقود، وان لا إمكانية ليس فقط لاقتصاد ناجح لا بل لا إمكانية لنجاح أو تقدم لأي شيء في ظل احتلال بمثل "قباحة وفاشية" الاحتلال الإسرائيلي. 

    هذا الحديث عن الأرقام وتحسين أو تحسن الأوضاع ينسحب على معظم إن لم يكن كل الزوار الرسميين الذين يأتون لزيارة الأراضي الفلسطينية المحتلة، فهم خلال وقبل وبعد وصولهم واجتماعاتهم مع المسؤولين الفلسطينيين "يهرونا وعود" بأموال لا حصر لها، وان الأوضاع الاقتصادية في هذه الأراضي لا بد لها من تغيير وتطوير وتنمية، ولا بد من تشغيل آلاف العمال الذين يعانون من البطالة سواء الحقيقية أو تلك المقنعة، وقد كان من بين من شرف إلى المنطقة ووعد بتقديم مثل هذه المساعدات السيد رئيس الوزراء البريطاني غوردن براون الذي وعد بتقديم 60 مليون دولار للسلطة الفلسطينية. والمثير أن موضوع تقديم منح للشعب الفلسطيني صار محل تَبارٍ أو تَباهٍ حتى لا نقول دجل وكذب – في باريس وصل الرقم إلى ما يزيد على سبعة مليارات دولار، لكن كم وصل وكم سيصل منها إن وصل وكم سيبقى مما سيصل بدون لهف وسوء استخدام وهدر وسرقة- بين هؤلاء الزوار وكأن المشروع الفلسطيني أصبح موضوعا غير مرتبط بقضية ووطن وطموحات سياسية وحقوق لا يمكن التنازل عنها – أو هكذا يتم الترديد على مدى سنوات المسالة الفلسطينية- وشعب مشتت في أصقاع الدنيا، وانه تحول إلى مشروع "للشحدة" وانه إذا ما حلت المسالة الاقتصادية فهذا يعني أن الإشكال الفلسطيني أصبح قاب قوسين أو أدنى من الحل الكامل والشامل أو الجذري.

لقد صار هناك ما يشبه الإجماع – على الأقل في الدول الغربية- بان الإشكال الفلسطيني في جزء كبير ومهم منه ليس صراعا على وطن أو قضية بقدر ما هو إشكال اقتصادي، وأنه وإذا ما  تدخل العالم لحل هذا الإشكال فان باقي المسائل تصبح في غاية السهولة وتحت السيطرة، ويمكن التعامل معها بشكل يسير، لكن هل هذه هي الحقيقة أو هل هذا هو الواقع؟، وهل إذا ما تم حل الإشكال الاقتصادي فان بقية المواضيع في متناول اليد وقابلة للتداول والحل؟، نعتقد بان الإجابة معروفة ولا داع للفذلكة في هذا الموضوع، فهي لن تحل حتى ولو تم ضخ أموال العالم في فلسطين لان القضية كما نفهمها مرتبطة بحقوق "أوادم وأناس تشردوا منذ ستة عقود وعانوا الأمرين على أيدي قوات الاحتلال وهناك مجازر وألم ومعاناة لحقت بالشعب الفلسطيني على أيدي قادة الكيان العبري ويجب ملاحقتهم" ووطن وطموحات سياسية وهناك دول كبرى وغير كبرى غربية وعربية متورطة بكل ما حدث، هذا عدا عن أن هذا الإشكال إذا جاز لنا أن نسميه كذلك مرتبط بخطط وأهداف إستراتيجية غربية ومن اجلها تمت إقامة دولة الاحتلال على الأرض الفلسطينية، فهل إذا ما حل المشكل الاقتصادي تنتهي كل المسائل ويتصالح الناس وكأن شيئا لم يكن.

في الأوضاع العادية أو الطبيعية لا اعتقد بان عاقلا يمكن أن يفكر أو أن يقول لمن يرغب في تقديم مساعدة للشعب الفلسطيني أن هذا الشعب لا يريد أو لا يستحق أو لا يرغب في مثل هكذا مساعدة، لكن هل الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة هي فعلا طبيعية ولا تختلف عن الأوضاع في الدول المجاورة أو حتى في الدول البعيدة والتي هي فعلا بحاجة إلى ضخ المساعدات وتقديم المنح المالية وغير المالية؟ ونحن هنا لا ندعو أو نطلب من احد أن يتوقف عن تقديم المساعدة للشعب الفلسطيني، إلا أننا نحاول أن ننبه إلى أن هذه المنح والهبات أو المساعدات يجب أن تكون بدون مقابل أو ثمن وخاصة سياسي، وإلا فإنها كلها وكما نراها تبقى أموالا أو مساعدات مشبوهة غير نظيفة ومغرضة ولا تنم عن مشاعر ود تجاه الشعب الفلسطيني بقدر ما هي جزء من مؤامرة كبرى تحاك في عز الظهيرة وبموافقة كافة الأطراف الغربية والعربية والفلسطينية وخاصة تلك المستفيدة من مثل هذه الأموال والمساعدات.

المثير في موضوع المساعدات للفلسطينيين أنها صارت جزءا من العقاب للشعب الفلسطيني بدلا من أن تكون جزءا من معالجة الوضع والوصول به إلى نهاية أو حل عادل للمشكلة الفلسطينية، ونحن هنا لا يغامرنا شك بان كل الأموال التي تصل لا يمكن إن تساعد على حل المسالة الفلسطينية إذا ما بقيت تقدم بنفس الطريقة وبنفس الشروط، وهي بتقديرنا أموال يتم دفعها بالنيابة عن دولة الاحتلال هذا الاحتلال الذي أراد البعض أن يصوره على انه انتهى بمجرد دخول السلطة وتشكلها في الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد اتفاقيات اوسلو البغيضة والتي ظن الكثير من الناس في العالم وحتى من بين أبناء فلسطين أنها المقدمة للحرية علما بأنها كانت البداية لمرحلة من الخداع والكذب والتضليل غير المسبوق في تاريخ الصراع ولا زالت.

لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يقوم اقتصاد جيد أو استثمارات آمنة في ظل وجود احتلال فكيف إذا كان هذا الاحتلال من قبل دولة إسرائيل التي تعتبر نفسها فوق كل الأعراف والقوانين والاتفاقات الدولية. فعندما عقد ما سمي بمؤتمر بيت لحم الاقتصادي تم الترويج له بشكل غير مسبوق في الإعلام الفلسطيني، وخرج السيد رئيس الوزراء وغيره - ممن أراد لهذا المؤتمر الانعقاد بهذه الطريقة أو لتحقيق صفقات معينة تحقق أغراضا وطموحات شخصية أو شركات بعينها- بتقديرات غير عادية وبمشاريع سوف تكون هي الرافعة التي ستكون سندا للاقتصاد الفلسطيني، لكن من سمع بعض رجال الأعمال الذين شاركوا في المؤتمر وكيف ينظرون إلى قضية الاستثمار في ظل الاحتلال، أدرك أن هؤلاء ليس لديهم الاستعداد للمغامرة بأموالهم في ظروف كهذه التي تعيشها الأراضي المحتلة، وأشار بعضهم إلى أن إسرائيل لم تتردد في تدمير الكثير من المشاريع التي تم بناؤها من قبل الاتحاد الأوروبي، فكيف لهم أن يشعروا بالأمان في ظل دولة تمارس البلطجة ليل نهار، وعلى هذا الأساس فقد قال بعضهم بان فلسطين بحاجة إلى استثمارات وقد تكون ضخمة لكن ليس ما دام الاحتلال قائما وإنما بعد زوال الاحتلال.

واقع الحال يقول بان إسرائيل لم تتردد بتدمير الكثير من المشاريع الاقتصادية التي تم تأسيسها بعد دخول السلطة بأموال الدول المانحة، علما بان إسرائيل هي الدولة المسؤولة عن هذه المناطق ما دمت تحت احتلالها وهي وبدلا من أن تقوم بتطوير المشاريع والبنى التحتية قامت بتخريبها وتدميرها والعمل على ربط الاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الإسرائيلي، بحيث أصبح هذا الاقتصاد يتبع بشكل كامل اقتصاد دولة الاحتلال، ونعتقد بأنه ومن اجل الخلاص من ذلك فقد يلزمنا سنوات بمثل عدد سنوات الاحتلال إن لم يكن أطول من اجل التخلص من هذه التبعية، هذا فيما لو افترضنا حسن النية بدولة الاحتلال ومن أنها لن تقوم بخطوات معاكسة لما قد يتخذه الفلسطيني أي فيما لو لم تقم بأي عمل  مضاد ووقفت "تتفرج ولم تحرك ساكنا" على ما يقوم به الفلسطيني من اجل التخلص من تلك التبعية!!

نحن نعلم بان التجارب الاحتلالية كثيرة في هذا العالم، ونعلم كذلك بان التجربة الفلسطينية مع الاحتلال ليست الأولى ولو أنها من التجارب الاحتلالية الأخيرة في هذا العالم، لكننا نعتقد بأنها تجربة مختلفة ومتميزة من حيث طول فترة الاحتلال والمؤامرات التي امتدت إلى عشرات السنين قبل احتلال الضفة والقطاع، عدا عن كونها تجربة مختلفة من خلال أن هذا الاحتلال هو احتلال استيطاني إحلالي يهدف إلى اقتلاع أبناء فلسطين من أرضهم التاريخية وإحلال عصابات قادمة من مختلف بقاع العالم مكانهم، ومن هنا تكمن ربما الإشكالية الأكثر تعقيدا في الوضع الفلسطيني.

كذلك نحن ندرك بان العديد من الدول لم تنل استقلالها هكذا بشكل كامل وعلى دفعة واحدة بل تم ذلك بالتدرج من خلال اتفاقيات كانت تربط الدول الواقعة تحت الاحتلال بالدول الاستعمارية، إلا أننا نعتقد بأنه حتى في تلك الحالات فقد كانت الدول الاستعمارية تكون مسؤولة بشكل مباشر عن الدولة الواقعة تحت احتلالها ولم تكن ترفع يدها أو تتخل عن مسؤولياتها كدول استعمارية بغض النظر عن الكم أو الكيف، فهي كانت تظل مسؤولة وهذه عمليا كانت القاعدة المتبعة وهذا هو الواقع الذي كان سائدا حتى هنا في فلسطين إلى أن اختلفت الصورة مع دخول السلطة الفلسطينية أو تشكل هذه السلطة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

إن وجود السلطة الفلسطينية في الأراضي المحتلة لا يعني أن هذه الأراضي قد حصلت على استقلالها، بغض النظر عما يمكن أن يقوله رجال السلطة أو التابعين والمؤيدين لها، وبغض النظر عما يقال عن هذه الايجابيات أو تلك السلبيات، فالأراضي الفلسطينية لا زالت وبحسب كل القوانين والأعراف الدولية أراض محتلة ولا زالت تحت مسؤولية دولة الاحتلال، وهذا ينطبق على قطاع غزة وذلك حتى لا ينخدع من يمكن أن يتم خداعه في هذا الإطار، وهو أن قطاع غزة في الحقيقة ليس سوى سجن كبير تتحكم به دولة الاحتلال الإسرائيلي من الخارج أو عن بعد، وهي عندما خرجت منه في خطوة أحادية الجانب لا يعني انه صار إقليما مستقلا  بقدر ما يمكن أن نسميه احتلال من بعيد وبالسيطرة عن بعد عليه، فهو محاصر من كل الجهات ومن السماء والبحر من قبل إسرائيل ويجب على احد ألا يحاول الخداع من خلال الترويج بان قطاع غزة أصبح أراض محررة وانه يتمتع بالسيادة كما "الأقاليم أو الدول المستقلة وذات السيادة" لأنه بذلك إنما يرفع المسؤولية عن إسرائيل.

لكن ما الذي يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ أن قامت أو تأسست السلطة الفلسطينية في العام 1994، الواقع يقول بان إسرائيل ومنذ ذلك الحين رفعت يدها ومسؤولياتها عن الأراضي المحتلة وكان ذلك بمساعدة السلطة سواء كان ذلك بحسن أو بسوء نية، تحت ذرائع وأسباب واهية لا تستند إلى أي أسس متينة أو مقنعة وتحت مقولة أو عنوان السيادة الفارغة، وكذلك بمساعدة دول العالم وفي مقدمتها أميركا التي لا نعتقد بأنها لديها أي حسن نوايا تجاه الشعب الفلسطيني أو الأمة العربية أو حتى دول العالم الثالث أو المتخلفة بشكل عام فهي – أميركا تحديدا- تريد السيطرة على العالم وتبقيه في حالة من التبعية ليس إلا.

 

بيت لحم

1-8-2008

 

 

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home