دراسات هامة

 

محمد بن القاسم الانباري في كتابه الأضداد جـ1

معمر العاني



                                               المقدمة

 

خالص الحمد وجزيله لله، كما يليق بجمال وجهه وعظيم سلطانه، على ما أنعم ويسّر وأتمّ ، وأفضل الصلاة والسلام على النبي الحبيب، كما يليق بمقامه الشريف وشخصه الكريم لما فتح لنا من أبواب العلم والعرفان وهدانا إلى منابع البحث والتدبر والبيان.

 

أما بعد:

 

فإن اللغة العربية أكثر اللغات بلاغة وفصاحة، وأجملها لفظاً وأغزرها بالمعاني الأخاذة الدقيقة والصور الجميلة الرقيقة، وهي في ذات الوقت مليئة بالمعاني القوية المحكمة، ولهذا اختارها الله سبحانه تعالى لتكون لغة القرآن العظيم، ولسان النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفي ذلك أمارة واضحة على ما لها من منزلة وما فيها من قابليات لا توجد في سواها من اللغات.

 

          لذلك قام علماء اللغة بالبحث والدراسة، والاستقصاء لكنوز هذه اللغة، والغور في أعماقها يدفعهم حسهم الديني وإيمانهم بضرورة الحفاظ على هذا التراث العظيم. والألفاظ المؤتلفة المختلفة المعاني لتشكل مع ما صدر لها من شروح ودار حولها من مناقشات جزءاً مهماً من تراثنا اللغوي والأدبي، غير أن موقف اللغويين حيال هذه الألفاظ كان وما يزال خلافياً غير مستقر، كما أن الكتب التي تناولت هذه الألفاظ تختلف في منهجيتها ودراستها لهذه الظاهرة، مما جعل هذه الألفاظ جديرة بالبحث والدراسة والاستقصاء.

 

ومن بين الكتب التي عالجت هذه الألفاظ التي أطلق عليها الأضداد، كتاب ابن الأنباري الذي يعد من أنهج كتب الأضداد وأوسعها، مما جعلني أختار هذا الكتاب للبحث والدراسة , وعند قراءتي للكتاب رأيت أن أقسم البحث على ثلاثة فصول، وقبلها مهّدت للحديث عن تعريف الأضداد وآراء اللغويين في هذه الظاهرة، ثم شرعت في الفصل الأول ببيان حياة ابن الأنباري وثقافته، وكتابه المحقق، وأهم كتب الأضداد المصنفة.

 

واشتمل الفصل الثاني على سبب نشوء الأضداد في الكتاب، والأنواع التي ذكرها من الأضداد، والمنهجية التي سار عليها في شروطه، وتتبعت المآخذ التي ظهرت في هذا الكتاب.

 

          أما فصل الختام – الفصل الثالث – فتضمن نظرة عميقة على القضايا اللغوية الصرفية والنحوية والبلاغية التي أتى عليها في كتابه لدعم آراءه وتدقيق أحكامه، ثم عرجت على أهم شواهد الكتاب ومصادره التي اعتمدها في تقرير معاني الأضداد أو إنكارها.

 

وفي نهاية المطاف أتيت بجملة من النتائج التي ظهرت لي خلال مسيرة البحث في هذا الكتاب.

 

 

 

 

الباحث

التمهيد

1.         تعريف الأضداد

 

الأضداد لغةً:-  الضد: "كل شيء ضاد شيئاً ليفعله، والسواد ضد البياض، والموت ضد الحياة، والليل ضد النهار، إذا جاء هذا ذهب ذلك، قال ابن سيده: ضد الشيء وضديده وضدّيدته: خلافه، قال ابن السكيت: حكى لنا أبو عمرو الضد: مثل الشيء، والضد خلافه"(1).

 

واصطلاحاً:- لم يتفق دارسو العربية على تعريف واحد لمفهوم التضاد، ولعل أول من أشار إلى مفهوم الأضداد هو سيبويه (180هـ) حين قسم الألفاظ والمعاني فقال: "أعلم أن من كلامهم اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين، واختلاف اللفظين والمعنى واحد، واتفاق اللفظين واختلاف المعنيين، فاختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين نحو جلس وذهب، واختلاف اللفظين والمعنى واحد نحو ذهب وانطلق، واتفاق اللفظين والمعنى مختلف قولك: وجدت عليه من الموجدة، ووجدت إذا أردت وجدان الضالة، وأشباه هذا كثير"(2).

 

وأخذ قطرب (206هـ) الوجه الثالث من تقسيم سيبويه الخاص بالمشترك اللفظي، فقال: "فيكون اللفظ الواحد على معنيين فصاعداً، ومن هذا اللفظ الذي يجيء على معنيين فصاعداً ما يكون متضاداً في الشيء وضده"(3). وهو بذلك يطلق مصطلح الأضداد على ما اتفق لفظه واختلف معناه.

وبدوره حدّد ابن الأنباري (328هـ) مفهوم الضدية التي أطلقها قطرب فقال: "الحروف التي توقعها العرب على المعاني المتضادَّة، فيكون الحرف منها مؤدياً على معنيين مختلفين.(4)

 

        ويطالعنا أبو الطيب اللغوي (351هـ) في كتابه الأضداد، بتحديد معنى الضدية فقال: "والأضداد جمع ضد، وضد كل شيء ما نافاه، نحو البياض والسواد، والسخاء والبخل، والشجاعة والجبن، وليس كل ما خالف الشيء ضداً له، ألا ترى أن القوة والجهل مختلفان وليس ضدين، وإنما ضد القوة الضعف، وضد الجهل العلم، فالاختلاف أعم من التضاد، إذ كان كل متضادين مختلفين وليس متضادين"(5).

ويرى عدد من الباحثين المحدثين أن: " التضاد فرع من فروع الاشتراك، ولكن آتيه أن تختلف دلالتا اللفظ المشترك اختلافاً يبلغ الغاية حتى تكون إحداهما نقيض الأخرى(3).

 

2. آراء العلماء في الأضداد

 

اختلف العلماء في توجيه هذه الظاهرة ففريق يراها حُلة تزهو بها العربية على أخواتها من اللغات، تمدها بمزيد من الامتياز والثراء، وفريق آخر يراها مطعناً على العربية يسلبها بهاء الفصاحة، ويخلع عليها أثواب الغموض.

 

والحقيقة أن هذه الآراء المتضاربة جاءت من أجل الوصول إلى قرار حاسم يحدد طبيعة هذه الظاهرة، وليس من المناسب هنا ذكر هذه الآراء، لأن المقام لا يسمح بذلك، لا سيّما وأن الكثير من اللغوين والباحثين قد تعرض لهذه الآراء ودوّنها في مؤلفه(4).

 

ويمكن لنا أن نوجز آراء الفريقين تماشياً مع مقتضيات هذا البحث، وذلك بذكر الأعلام الذين أبدوا هذه الظاهرة أو أنكروها.

فكل من ألّف في الأضداد يمكن عدّه من المؤيدين لهـذه الظاهـرة، ومنهم قطـرب، والسجستاني(244هـ) وابن السكيت (248هـ)، وابن الأنباري، وأبو الطيب اللغوي، وابن الدهان(569هـ)، والصاغاني (650هـ).

 

ويعدّ محمد بن القاسم الأنباري الذي خصصنا هذا البحث لتناول كتابه الأضداد من أكثر المؤيدين لهذه الظاهرة، فهو يرى أن وقوع الضدّ في كلام العرب أمر جائز، لأن سياق الكلام يحدد المراد منه، وفي ذلك يقول: " كلام العرب يصحح بعضه بعضاً، ويرتبط أوله بآخره، ولا يعرف معنى الخطاب منه إلا باستيفائه، واستكمال جميع حروفه، فجاز وقوع اللفظة على المعنيين المتضادين لأنهما يتقدمها، ويأتي بعدها ما يدل على خصوصية أحد المعنيين دون الآخر، ولا يراد بها في حال التكلم والإخبار إلا معنى واحد"(1).

 

وأقر ابن سيدة (458هـ) في المخصص بوجود الأضداد، فأورد دليلين عقليين أحدهما: سماعي والآخر قياسي.(2).

 أما المحدثون المؤيدون للأضداد فهم كُثر، وقد أوردهم محمد حسين آل ياسين في دراسته للأضداد.(3).  ومن المحدثين المتحمسين لهذه الظاهرة توفيق محمد شاهين، إذ عدَّ الأضداد من وسائل تنمية اللغة(4)، في حين ذهب الرافعي مذهباً وسطاً، وعدّ وجود عدد منها في زمن اختلطت فيها اللغات مع بعضها(5). وهذا ما نجده عند منصور فهمي، وإبراهيم السامرائي الذي درس الشواهد التي جاءت بها الكتب المشتملة على الأضداد وأنكر منها مائة وخمسين لفظة(6).

 

أما من أنكر هذه الظاهرة، فيطالعنا ابن دستوريه (347 هـ  (برأيه الذي ذكر فيه أن الألفاظ التي تشير إلى معنيين متضادين لا بدّ من أن ترد إلى أصلها الذي لا يمكن إلا أن يكون واحداً(7).

وأورد الجواليقي (    ) في شرح أدب الكاتب قولاً لثعلب (291هـ) يؤيد ما ذهب إليه ابن دستوريه(8).

ومن المحدثين الذين أنكروا الظاهرة: عبد الفتاح بدوي، إذ عدّها دليلاً على عدم الإبانة، منكراً على ابن الأنباري دفاعه عن الأضداد(9).

ويرى حسين نصار أننا حين "نتبع الأقوال التي أتى بها المنكرون لدعم رأيهم لا نجد فيما بين أيدينا من مراجع غير أقوال قليلة لا تدل على حقيقة موقفهم دلالة كافية"(1).

 

        وبعد هذه الجولة الموجزة في آراء العلماء أرى الأمور الآتية:

1.                             إن من التعسف بمكان نفي ظاهرة الأضداد جملةً وتفصيلاً فهذا أمر واقع لا مفر منه، ولا أرى فيه عيب على لغتنا العربية.

2.                             إن المتتبع لعدد من الألفاظ التي أوردها أرباب اللغة في مظانهم وجعلوها من الأضداد يجد الغلو والتكلف في تفسير معانيها، والأولى إخراجها من الضدية.

3.                             إن من ألّف في الأضداد كصاحبنا الأنباري، لم يؤلفوها إلا لقناعتهم بهذه الظاهرة، ومن أنكر هذه الظاهرة كثعلب لا يسير على إنكاره في مواضع أخرى، فقد أورد أمثلة على الأضداد في مجالسه(2).



(1)  اللسان / مادة ضد

(2)  الكتاب 1/8،7 وينظر: فئة اللغة للصاحبي 96، المزهر 1/388.

(3)  أضداد قطرب 244.

(4)   الأضداد 7.

(5)  أضداد أبي الطيب 1/1.

(3)  دراسات في علم اللغة 218.

(4)  ينظر: الأضداد في اللغة 227، فقه اللغة لرمضان عبد التواب 135.

(1)  الأضداد 7.

(2)  ينظر: المخصص 3/259.

(3)  ينظر: الأضداد في اللغة 237.

(4)  ينظر: المشترك اللغوي 199.

(5)  ينظر: تأريخ أدب العرب 1/197.

(6)  ينظر: التطور اللغوي التأريخي 92، الاشتراك والتضاد في القرآن الكريم 95.

(7)  ينظر: تصحيح الفصيح 1/204، وينظر: الأضداد وموقف ابن دستورية منها- مجلة المورد العراقية- مجلد 2- ص42.

(8)  ينظر: شرح أدب الكاتب 182.

(9) ينظر: ظاهرة الأضداد في اللغة العربية – رسالة ماجستير 51.

(1) مدخل تعريف الأضداد 13.

(2) ينظر: مجالس ثعلب 1/170 ، 2/490.




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home