دراسات هامة

 

الأسلوبية : تحديد مفهومها و بعض مصطلحاتها

سميرة شادلي



الأسلوبية : تحديد مفهومها و بعض مصطلحاتها

 

                         سميرة شادلي

                                                               معهد الاداب المركز الجامعي بشار- الجزائر

 

 

لقد حضي النص الأدبي بإهتمام وعناية الدارسين والمحللين، فمارسوا عليه عدة قراءات منها السياقية سابقا والنسقية حديثا.

والقراءة الأسلوبية من القراءات النسقية التي تهتم بالجانب اللغوي من النص، ولقد رمنا البحث في هذا الجانب من الدراسات الحديثة لحداثته، وغموضه بالنسبة إلينا وكذلك لأن الدراسة الأسلوبية من أكثر الدراسات إستعمالا في عصرنا، فأردنا البحث عند بدايتها، وإتجاهاتها وطرائقها وبعض مصطلحاتها.

1-    الأسلوبية : تعريفها وتحديد مجالها وإتجاهاتها وطرائقها

إن المتحدث عن الأسلوبية أو البحث الأسلوبي

 إذا ما أراد أن يجد تعريفا له سيجد نفسه أمام آراء عدة وإشكاليات كبيرة ذلك لأن الأسلوبية لم تنطلق من فراغ وإنما إعتمدت وتداخلت مع العلوم القديمة والحديثة مما يجعلها ذات حدود واسعة. فمعظم الباحثين المهتمين والذين أفردوا للأسلوبية بحوثا بدؤ

ها بتحديد مفهومها وإبراز نقاط تلاقيها وإفتراقها مع علوم ومناهج أخرى ليخرجوا في الأخير بتحديد علمي للأسلوبية.

فلا باحث يمكنه أن ينكر وجه الشبه بين البلاغة وعلم الأسلوب إذ أن كلا منهما يجعل موضوعه الأساسي هو الأسلوب غير أن الواضح كذلك هو أن البلاغة معيارية تقعيدية إرشادية أما الأسلوبية فهي وصفية تقريرية.

"... أما على الصعيد المعرفي فإن كلا منهما يسعى إلى وعي الأسلوب الأدبي من خلال علائقه اللغوية ومن ذلك فإن الأسلوبية هي الوريث المعاصر للبلاغة القديمة"1

يقول الدكتور محمد بلوحي في هذا الصدد :" لم تتضح معالم الأسلوبية إلا مع" شارل بالي" C.Bally 1855-1947 بعد أن كانت متداخلة مع علم البلاغة بحيث نجد أن الأسلوبية قامت بعد أن وقعت البلاغة في المعيارية المتحجرة التي إنغمست فيها ردحا من الزمن، وبذلك عملت الأسلوبية مع " بالي" على توحيد رؤية البلاغة التي تعمل على تجلية العلاقة القائمة بين النص ومدلوله ولهذا يمكن إعتبار الأسلوبية إمتداد للبلاغة ونفي لها في نفس الوقت...."2

أما عن المفارقات الموجودة بين الأسلوبية والبلاغة يتحدث عنها الدكتور عبد السلام المسدي قائلا :"وأن من أبرز المفارقات بين المنظورين البلاغي والأسلوبي ، أن البلاغة علم معياري يرسل الأحكام التقييمية ويرمي إلى تعلم مادته وموضوعه : بلاغة البيان، بينما تنفي الأسلوبية عن نفسها كل معيارية ... والبلأغة ترمي إلى خلق الإبداع بوصايا التقييمية بينما تسعى الأسلوبية إلى تعليل الظاهرة الإبداعية بعد أن يتقرر وجودها... البلاغة إعتمدت فصل الشكل عن المضمون في الخطاب اللساني فميزت في وسائلها العلمية بين الأغراض والصور بينما ترغب الأسلوبية عن كل مقياس ما قبلي وترفض مبدأ الفصل بين الدال والمدلول إذا لا وجود لكليهما إلا متقاطعين، ومكونين للدلالة، فهما لها بمثابة وجهي ورقة واحدة"1              

 أما عن علم اللسانيات فقد إستفادت الأسلوبية إستفادة كبيرة من هذا العلم الذي أرسى دعائمه العالم السويسري "دو سوسير" والذي تتلمذ على يديه أحد أعمدة الأسلوبية وهو" شارل بالي" آخذا بالمفاهيم اللغوية اللسانية ومحاولااتباع نهج جديد ينحرف به عن مسار أستاذه.

"لقد أسهمت اللسانيات الوصفية الحديثة التي جاء بها "دو سوسير" في تعميق الدرس الأسلوبي للأدب ودفعت به إلى التخفف من المعيارية أو إلغائها تماما وصولا إلى إكتساب صفة العلم..."2

فكلا من اللسانيات والأسلوبية ذات منطلق لساني محض حتى قيل إن الأسلوبية هي جسر اللسانيات، أما عن الفرق بينهما يقول الدكتور سعد الدين كليب:".... ففي حين يهتم الدارس اللساني بنحو الجملة يهتم الدارس الأسلوبي بنحو النص، وفي حين يهتم الأول بظاهرة الكلام فإن الثاني يهتم بما جعل الثاتي ذا خصائص متميزة أسلوبيا" 3   

وفي عصرنا الحاضر تروح فكرة تداخل الأسلوبية مع النقد الأدبي إلا أن الفرق واضح "فيمكن القول إن الأسلوبية هي جزء من النقد الأدبي الذي لا يهتم بالأسلوب فحسب، بل يهتم بكلية النص الأدبي علاوة على التقويم الجمالي والأدبي ...."1  

ويذهب رأي آخر إلى أن الأسلوبية سوف تحل محل النقد الأدبي الذي يعتمد أحيانا على الذوقية والمعيارية، فتصبح هي الكل و هو الجزء.

وبعد هذا التوضيح والتفريق يمكننا أن نورد تعريفا للأسلوبية منطلقيتن من آراء الباحثين والنقاد، فالأسلوبية هي –علم الأسلوب- وهي مشتقة من لفظة أسلوب style، والأسلوب هو "طريقة الكتابة بإستعمال الكاتب الأدوات التعبيرية من أجل غايات أدبية"2

وينطوي مفهوم الاسلوب على جملة من الموضوعات و المنطلقات المختلفة فهناك المنطلق الشخصي و المنطلق الاجتماعي و المنطلق اللغوي.

و لكن رغم اإختلاف المنطلقات والتعريفات إلا أننا نكاد نجد تعريفا يدور حوله الكل وهو أن "الأسلوب هو طريقة الأداء أو طريقة التعبير"3.

وبهذا يكون المفهوم النقدي للأسلوبية هو :"العلم الذي يكشف عن القيم الجمالية في الأعمال الأدبية إنطلاقا من تحليل الظواهر اللغوية والبلاغية للنص الأدبي، تركز على دراسة الخصائص اللغوية التي بها يتحول الخطاب عن سياقه الإخباري إلى وظيفة تأثيرية وجمالية فهي تبحث عن مل يتميز به الفني عن مستويات الخطاب الأدبي"4.

2- إتجاهات الأسلوبية :

أ.الأسلوبية التعبيرية : يعد العالم شارل بالي C.Bally مؤسس الأسلوبية التعبيرية بعد أن تتلمذ على يد دي سوسير الذي درس الكلام دراسة لسانية فإستفاد منه بالب ورأى ضرورة دراسة الكلام دراسة وصفية أسلوبية.

يقول بالي "تدرس الأسلوبية وقائع التعبير اللغوي من ناحية الحساسية المعبر عنها ... التي ينتبغي أن تهتم عنده بإستعمال الفرد للكلام في الظروف العامة التي تشترك فيها مجموعة لسانية لا بالإستعمال الذي يقوم به الكاتب وهو إستعمال إرادي قصدي يتعامل مع اللغة بهدف جمالي"1.

وبهذا التعريف فإن بالي يجعل مجال الأسلوبية هو التعبير اللغوي في وسط إجتماعي، أو شكل معين للحياة أو طريقة للتفكير الجماعي مثل اللغات الشعبية أو لغة الطفولة ... إلخ.

"يرى بالي أن مستويات التعبير الأسلوبي تتحدد باللهجة والطبقة والشريحة الإجتماعية والعصر والمكان والعمر والجنس"2.

لقد قسم بالي خصائص اللغة العاطفية أو الوجدانية إلى قسمين :

القسم الأول : هو اللغة الطبيعية، وتعني أن يكون هناك تلاؤم بين الشكل والمضمون.

القسم الثاني : هو اللغة المستشارة وهي أن تضفي فئة من الفئات طابعا تأثيريا خالصا.

وقد إعتنى بالي بهذين القسمين معا لأنه يهتم باللغة من حيث هي كلام فردي ذو طابع إجتماعي لا يقصد به التأثير الجمالي.3

 

هذا هو بإختصار تصور الأسلوبية، ولكن تلامذته لم يوافقوه على إخراج الأدب من دائرة الدرس الأسلوبي، ومنهم بيار جيرو الذي يحدد الأسلوب بقوله "هو وجه للملفوظ ينتج عن إختيار أدوات التعبير، وتحدده طبيعة المتكلم ومقاصده"1.

وحدود أدوات التعبير تحدد بالقيم التي يحتويها الإيصال اللساني فتعبر عن الموقف العفوي للمرسل، وتنقسم هذه القيم إلى ثلاث وهي :

1-       قيم مفهومية : وينجم منها الأسلوب الواضح والمنطقي والسليم.

2-       قيم تعبيرية : وينجم منها الأسلوب الإنفعالي أو النزق أو الطفولي.

3-       قيم إنطباعية : وينجم الأسلوب الحاسم والساخر والمضحك.2

 وبهذا فإن الأسلوبية عند جيررو "تتلخص بمعرفة أدوات التعبير ووصفها وتحديدها، وفي معرفة مختلف الملفوظات، علاوة على إنشاء نموذطجا للأساليب"3.

2.     الأسلوبية التكوينية :

إن رائد هذا الإتجاه هو الألماني ليوسبيتزر الذي تأثر يأستاذه كارل فوسلر الذي جمع بين المثالية والوصفية بوصفهما منهجين لا فلسفتين، فإنطلق سبيتزر في وعي الظاهرة الأسلوبية من الحدس لكنه لم يتوقف عند إطار الحدس، إنما يستعين على تأكيده أو نفيه بإختبار الأسلوب إختبارا علميا.

يتحدث سبيتزر عن خطوة الحدس قائلا :"إن الخطوة الأولى في هذا التحليل التي يتأسس عليها ما سواها لا يمكن التخطيط بها على الإطلاق إذا ينفي أن تكون قد تمت بالفعل، هذه الخطوة هي إدراك دهشتنا أمام ملمح معين والإقناع بأنه يرتبط جذريا بمجموع العمل الأدبي ويشرحه"4.

وبهذا فسبيتزر يجعل للتحليل الأسلوبي خطوتان :

1.  الخطوة الأولى : هي خطوة حدسية ذاتية ومهمة، هذه الخطوة هي الكشف عن العنصر المركزي بالأسلوب الذي تتمحور حوله العناصر الأخرى، أو مجموع العمل الأدبي.

2.  الخطوة الثانية : هي التفسير الذي يأخذ على عاتقه إختبار ما إكتشفته الخطوة الأولى ويكشف عن السمات الأسلوبية العامة للنص وطريقة تكونها وعلاقتها بالفرد مرسلا أو متلقيا1.

3.  الأسلوبية البنيوية : من المعروف أن العالم رومان ياكوسبون قد حدد ست عناصر وست وظائف، والأسلوبية البنيوية قد إهتمت بالوظيفة الشعرية من بين هذه الوظائف، لذا ينظر إلى نظرية ياكبسون على أنها جزء من الأسلوبية، على الرغم من أن ياكبسون لا يدعي ذلك، إلا أنه لا يميل إلى تعريف الخصائص الجوهرية للأدب من المنظور اللغوي البحث، أو بمصطلحات لغوية بحثة، فهو يعطي العوامل الأخرى من مثل المتلقي أهمية في تحديد الأدب.

4- ويتحدد الأسلوب عند ياكبسون حسب الوظيفة المهيمنة التي تقوم بها اللغة، ولذا هناك من يذهب إلى أن أسلوبية ياكبسون أسلوبية وظيفية لتمييزها عن الأسلوبية البنيوية.

يختلف ريفاتير مع ياكبسون في عدة مفاهيم، ويقترح ريفاتير الوظيفة الأسلوبية بدلا من الوظيفة الشعرية ويقترح كذلك مصطلح الوظيفة الشكلية، كما أنه لا يوافقه على أن الأسلوب تابع للوظيفة المهيمنة التي تقوم بها اللغة، ولذا هناك من يذهب إلى أن أسلوبية ياكبسون أسلوبية وظيفية لتمييزها عن الأسلوبية البنيوية.

يختلف ريفاتير مع ياكبسون في عدة مفاهيبم، ويقترح ريفاتير الوظيفة الأسلوبية بدلا من الوظيفة الشعرية ويقترح كذلك مصطلح الوظيفة الشكلية، كما أنه لا يوافقه على أن الأسلوب تابع للوظيفة المهيمنة من الوظائف الست :

ويذهب ريفاتيير إلى أنه توجد وظيفتان فقط هما :

1.     الوظيفة الأسلوبية : وهي وحدها المتركزة في الرسالة.

2.  الوظيفة المرجعية : تشترك الوظائف الأخرى في كونها موجهة نحو شيء موجود خارج الإرسالية وهي تنظم الخطاب حول المسنن ومفكك السنن والمحتوى.

يؤكد ريفاتير على أن اللسانيات يمكنها أن تحلل كل الإرساليات فهي تهتم فقط بالبنيات التي لا تقبل أي تعويض.

وبهذا فقد ميز ريفاتيير الأسلوب الأدبي عن بقية الأساليب الأخرى وعرفه قائلا:"أعني بالأسلوب الأدبي كل شكل مكتوب فردي ذي مقصدية أدبية"1.

ففي نظر ريفاتير الشكل ذو مرتبة متفوقة ذلك لأن في منظوره الرسالة ومحتواها سوف يفقد كل منهما خصوصيته المتميزة إذا ما تغير عدد العناصر اللفظية ونظمها وبنيتها، ومن هنا فالأسلوب هو الأساس في الأسلوب هو ذلك الإبراز الذي يفرض إنتباه القارئ، بعض عناصر السلسلة التعبيرية بحيث لا يمكن لهذا القارئ أن يهما تلك العناصر دون تسوية النص، كما أنه لا يمكن أن يكتشفها دون أن يحددها دالة ومتميزة ... وما يتحصل قوله هو أن اللغة تعبر والأسلوب يعمل على إبراز القيمة"2.

ومن هذا التعريف يتضح أن ريفاتير يعتمد على القارئ في الكشف عن الخصائص التعبيرية، كما أنه أقام تحليله لمعايير الأسلوب على مفهوم القارئ النموذجي، الذي يقصد به مجموعة القراء تقاطعون في التأثير بخاصة من الخصائص الأسلوبية..."1.

3.     طرايق الأسلوبية :

رغم وجود هذه الإتجاهات إلا أنها تشترك في طريق وخطوات وهي : الإحصاء والمقارنة والتصنيف2.

يوجد هنا منهجين في الدرس الأسلوبي :

1-المنهج الأول : ينطلق هذا المنهج من المستوى الصوتي للخطاب الأدبي ليصل إلى المستوى الدلالي.

2-المنهج الثاني : أما هذا المنهج فينطلق من المستوى الدلالي ليصل إلى الصيغ والتعابير التي تؤديها هذه الصيغ في الخطاب.

سنقوم في هذا الفصل بالبحث عن المصطلحات البارزة في البحث الأسلوبي، ونحاول تحديد مفاهيمها جامعين ذلك من بعض المراجع التي توفرت لدينا.

1-       الأسلــــوب :

يقول الدكتور سعد الدين كليب "ينطوي مفهوم الأسلوبStyle  مثل المفهومات الأخرى على جملة من الموضوعات المتباينة والمختلفة ... فهناك المنطلق الشخصي والمنطلق الإجتماعي والمنطلق اللغوي، فإذا كان المنطلق الشخصي يحدد الأسلوب من خلال السمات النفسية للمرسل الفرد، فيرى أن الأسلوب هو الإنسان نفسه، كما يقول الكاتب الفرنسي بيفون، فإن المنطلق الإجتماعي يحدده من خلال الطبقات والشرائح والفئات الإجتماعية في حين أن المنطلق اللغوي ينظر إلى الأسلوب من منظور العلائق اللغوية التي تتشكل منها الرسالة أو النص"3.

ويذهب الدكتور سعد الدين كليب إلى أن كل هذه التعريفات لا تخرج عن التعريف العام وهو "إن الأسلوب هو طريقة الأداء أو طريقة التعبير"و الذي ينطوي ضمنا على العناصر الثلاثة الأساسية التي تتكون منها العملية التعبيرية وهي : المرسل والرسالة والمتلقي.

ويضيف الدكتور سعد الدين كليب قائلا :"فمثلما أن الكلام هو الإستخدام الفعلي للغة التي هي نظام مجرد، فإن الأسلوب هو الإستخدام الفعلي للإحتمالات الممكنة.

وبهذا فإن الإختيار الذي يقف وراء الأسلوب إنما هو الإختيار للمكن وليسس ااناجز، أو هو إنجاز للمكن"1.

ويرى الدكتور رجاء عيد تقريبا نفس الرأي إذ يقول :" في البدء كان مصطلح أسلوب والذي تشكلت له دوما دلالات تتواءم مةع الظرف التاريخي وتتصالح كذلك مع التحولات الثقافية، والمسافات الفكرية، ومن ثم تعددت مفهوماته وتخالفت تعريفاته"2.

وبهذا فإن مصطلح الأسلوب لم يستقر على مفهوم واحد، وإنما كان في البداية مصاحبا للبلاغة، ومنهجها المعياري فكان هو الوسيلة الوحيدة لتقنين الأسس وتحديد القيم وإبراز المفارق بين الأنواع الأدبية ثم ترسيخ المعايير بين الأدبي واللأدبي وقد ظهر هذا المفهوم منذ أوائل الفكر الأوروبي مقترنا بالشعر خاصة. أما في العصور الوسطى فقد لبس الأسلوب دلالة إجتماعية ترتبط بالطبقات، فكان هناك الأسلوب البسيط والمتوسط والرفيع.

وفي عصر النهضة تقدم مفهوم الأسلوب ليواكب النظر الكلاسيكي وتولى الحدود الفارقة بين كل جنس أدبي، وقد ميزت البلاغة القديمة بين أنماط الخطابة السياسية والقضائية وسواهما وكان لكل مناسبة أساليبها الخاصة وقد كانت النغمة السائدة في البلاغة هي نغمة إرشادية إلى حد بعيد، وقد استمر هذا الإتجاه حتى القرت الثامن عشر.1

يتضح مما تقدم أن الفكر البلاغي القديم كان يؤكد على لفظية الأسلوب إذ أنه يفرق بين المضمون والأسلوب أي بين الذي يقال والطريقة التي يقال بها " وبمجيء النظريات في الأدب، بدأت تسود نظرية جديدة لمفهوم الأسلوب، تهتم بالنظر إليه على أنه أمر متصل بطبيعة المؤلف نفسه و هو لهذا تعبير عن شخصيته."2

أما في العصر الحاضر فقد أندثرت هذه التفرقة تماما، وأصبح ينظر للعمل الأدبي وحدة لا تتجزأ وقد جمع الدكتور رجاء عيد ست تعاريف للفظة أسلوب وكل تعريف ينطلق من منطلق مغاير للآخر:

1- الأسلوب هو إختيار من جانب الكاتب بين بديلين في التعبير.

2- الأسلوب هو قوقعة تكتنف من داخلها لبا فكريا له وجود أسبق.

3- الأسلوب هو محصلة خواص ذاتية متسلسلة.

4- الأسلوب هو إنحراف عن النمط المألوف.

5- الأسلوب هو مجموعة متكاملة من خواص يجب توفرها في نص ما.

6- الأسلوب هو تلك العلاقات القائمة بين كليات لغوية وتنتشر إلى ما هو أبعد من مجرد العبارة لتستوعب النص كله.3

 

وبهذا فإن لفظة أسلوب لم تستقر على مفهوم واحد ونختم قولنا عنها قاله الأستاذ جون مدلتون: "إن مناقشة لفظة الأسلوب لو أنها تحرت قدرا من الدقة العلمية فإنها سوف تغطي صعيد الجمال الأدبي، ونظرية النقد برمتها".1

2- الأسلوبيــــة :

يقول الدكتور محمد بلوحي عن القراءة الأسلوبية: "هي علم الأسلوب مشتقة من لفظة أسلوب: STYLE وهو طريقة الكتابة باستعمال الكاتب الأدوات التعبيرية من أجل غايات أدبية. وبذلك تكون الأسلوبية في مفهومها النقدي هي: العلم الذي يكشف عن القيم الجمالية في الأعمال الأدبية إنطلاقا من تحليل الظواهر الغوية والبلاغية للنص الأدبي فتركز على دراسة الخصائص اللغوية التي بها يتحول الخطاب عن سياقة الإخباري إلى وظيفة تأثيرية وجمالية، فهي تبحث عن ما يتميز به الكلام الفني عن بقية مستويات الخطاب الأدبي".2

أما الدكتور عبد السلام مسدي فيتعرض لمفهوم السلوبية قائلا: "فسواء إنطلقنا من الدال اللاتيني وما تولد عنه في مختلف اللغات الفرعية أو إنطلقنا من المصطلح الذي استقر ترجمته له في العربية وقفا على دال مركب جدره – أسلوب- - STYLE – ولاحقته – ية- - ique- وخصائص تقابل انطلاقا أبعاد اللاحقة فالأسلوب ذو مدلول إنساني ذاتي، بالبعد العلماني العقلي وبالتالي الموضوعي. ويمكن في كلتا الحالتين تفكيك الدال الإصطلاحي إلى مدلوله بما يطابق عبارة علم الأسلوب. (Science du style) لذلك تعرف الأسلوبية بداهة بالبحث عن الأسس الموضوعية لإرساء علم الأسلوب".3

ويقول الدكتور رجاء عيد: "... فإن مصطلح الأسوبية يتجاوز الأسلوب، وإن كان مجالها يظل في دائرته، وهي في الوقت ذاته تفتح لها مجالات أرحب وأفسح، فمنها دراسة الإمكانات اللغوية التي تولد تأثيرات جمالية، ودراسة الركائز التي يعتمد عليها هذا التأثير الجمالي".1

ويوضح أكثر في قوله: " ومهما يكن من أمر فإن من طموحات البحث الأسلوبي أن يستحوذ على مجالات الأداء اللغوي، لإستكشاف ما تهيئه الألفاظ، والتراكيب من قيم تعبيرية، ويكون ذلك بواسطة المتابعة، والملاحظة للفرد، والجملة وكيفية استخدام حروف الربط ودلالات الأصوات اللغوية ومن خلال ذلك كله يمكن رصد مفارقات تؤدي في كثير من الأحيان إلى الإيماء بدلالات معينة أو الإيحاء بها"2.

ويحصر الدكتور رجاء عيد مجال الباحث الأسلوبي في المجال اللغوي أما ما يتصل بالأثر الجمالي أو تحليل عمل الشاعر أو الروائي، والمسرحي وجدانيا جماليا وذلك من مهمة الناقد.

3- الإحصــــاء:

يرد ثلاث مصطلحات في البحث الأسلوبي على التوالي وهي: الإحصاء والمقارنة والتصنيف. وسنتناول ردهم تباعا. ونبدأ بالإحصاء:

" يتناول الإحصاء الأسلوبي مجمل مستويات النص الصوتية والصرفية والنحوية والمعجمية والتركيبية والدلالية... ويتم جدولة ذلك بحسب أنساق المستويات وعلى الرغم من أن هذه الطريقة تقوم بها الأسلوبية الإحصائية خاصة..."3.

ولقد اقترح زميب ZEMB شكلا يمثل نجمة يبين أنواع الكلمات وهو كالآتي:

أسمــاء

الكلمات والضمائر

أدوات الشـــرط

أدوات الوصل

أفعــــــــال

حروف الجـــر

ظروف الزمان والمكان

نعـــــــــوت

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

ويهدف هذا المتر الأسلوبي إلى تبيان الإختلافات الأسلوبية اللغوية بين الكتاب حيث يتم بمقياس الصفة المهيمنة على النص بحسب السهم المهيمن"1.

1-    المقــارنــة :

إن البحث الأسلوبي لا يصل إلى نتيجة هامة وقوفا عند عملية الإحصاء بل عليه الإنتقال الخطوة الثانية وهي المقارنة.

والمقارنة ".... تقوم على دراسةى الخصائص المهيمنة لهذا النص أو ذلك مثلما تقوم على دراسة الإختلاف والتشابه بين الأساليب"2.

2-    التصنيــف :

يعتمد البحث الأسلوبي على التصنيف كخطوة ثالثة بعد الإحصاء والمقارنة فهو :"يعني جدولة الأساليب بحسب الخصائص المشتركة بين النص المحلل والأساليب الكبرى كالأسلوب السردي والشعري والدرامي والملحمي علاوة على أسلوب هذا العصر أو ذلك"3.

6-السمــة المتميـزة :

هي :"... السمة المتميزة في الأسلوب عبارة عن تفريع أسلوبي فردي أو هي طريقة خاصة في الكلام تنزاح أو تنحرف عن الكلام العادي ..."1.

7- القيــم التعبيريــة :

ظهر هذا المصطلح مع بالي يقول الدكتور رجاء عيد عن بالي :" ومن ثم فإن نجد بدايته مستمدة من منطلق أستاذه ومن جملة آرائه حول اللغة يحسبانها نشاطا إنسانيا يستطيع الفرد وكذلك الجماعة بواسطة طاقاتها الكامنة فيها أن يخلق قيما فنية وأن ينتج صورا تعبيرية متعددة"2.

"وعليه فإن التعبيرية تمثل أساس منهجية وتكون الدراسة اللغوية دائرؤة في إطار معرفة المحتوى العاطفي وفي إستكشاف الترابط بين الصيغ اللغوية وفي أثر السياق في تحديد تلك القيم التعبيرية إلى أن الفرد والمجتمع يسهمان في إبداع قيم تعبيرية متجددة للأسلوب"3.

النتيجـــة :

بهذا العرض المختصر للأسلوبية، وبعض مصطلحاتها الأساسية يتضح لنا أنها منهج أو قراءة حاولت التقرب من النص الأدبي متجاوزة بعض مآزق المناهج التي سبقتها، لذا يعتبرها بعض الباحثين الأقرب من النص الأدبي، ولنترك هذا الموضوع لبحوث قادمة إن شاء الله لأن الحديث عنه يطول، وننتقل إلى نقطة أخرى لمسناها خلال بحثنا عن تحديد الأسلوبية وعن تحديد المصطلحات : وهي عدم الإهتمام بالمصطلحات النقدية، والدليل على ذلك أننا لم نعثر على معاجم نقدية تهتم بجمع المصطلحات وتحديدها علميا دقيقا، ولما إنتقلنا إلى الكتب التنظيرة فإننا وجدنا مصطلحات متفرقة من هنا وهناك، وتحديد مفاهيمها يختبق من كاتب إلى آخر، وهذا الإختلاف والفوضى في المصطلحات لا يقتصر على موضوع بحثنا فحسب بل يشمل كل المناهج والنظريات بل كل العلوم.

وهذا إشكال عام لابد من التحرك للقضاء عليه، فإذا كنا لا نستطيع خلق وإيجاد النظريات والمناهج، فعلى الأقل نتفق فيما بيننا على تجديد مصطلحات إستوردناها من الغرب.

 

 




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home