القلم النقدي

 

دراسة حول سكان كوكب لامور/ للقاصة الفلسطينية أماني الجنيدي

نورة عبد المهدي صلاح



 

 

 

 

 

دراسة سكان كوكب لامور

للكاتبة المبدعة : أماني الجنيدي

 

 قرأت هاتان القصتان، فاجأتني هذه الكاتبة الفلسطينية التي لم تمنحني فرصة الغداء حتى انهي القصة. قصتان مشوقتان للغاية، الأولى على ضفاف الحب والثانية لآلئ من عرق, القصتان في كتاب واحد اسمه سكان كوكب لامور ومعنى لامور بالفرنسية هو الحب. أتساءل أين هو هذا الكوكب ومن هم سكانه؟

 فاكتشف ما يشبه التمني انه نحن سكان هذا الكوكب، الذي سمته كوكب الحب.

 الكاتبة تبني أحداثها من الواقع الفلسطيني اليومي، شخصياتها شخصيات عادية، تعيش في فلسطين المنكوبة ومدنها التي قطعتها الحواجز، باعدتها الصراعات، أحسست كأني احد هذه الشخصيات، لأنها تشبه الجميع، تتلقى كل ما في حياة الفلسطينيين وتتفاعل هذه الشخصيات مع الزمان والمكان والحالة الفلسطينية التي أفرزت كثير من القضايا الاجتماعية السلبية هي التي عنتها الكاتبة من خلال هذه القصص، الكاتبة ترينا من خلال سير شخصية جاد في لآلئ من عرق، وشخصية هتلر من خلال قصة على ضفاف الحب. مدى التردي الذي أصاب الحياة في فلسطين، ترينا الخراب الذي حل في حياة الفلسطيني من حيث خراب مؤسساته خراب قيمه وخراب شخصيته التي باتت شخصية مزدوجة، وخراب منظومة القيم الأصيلة التي حمت الفلسطيني طوال سنوات طويلة من الهزائم. إن منظومة القيم التي باتت مشوهة ومقلوبة هي الهدف القريب الذي يفهمه القارئ البسيط عندما يقرأ القصتان.

قصة على ضفاف الحب: قصة طويلة مكونة من 108صفحة، أي هي طويلة لدرجة أنني تعجبت لم هي قصة وليست رواية.  الشخصية الرئيسة هي شخصية هتلر. شاب من الخليل ولد بمنطقة الخليل القديمة وهنا مفارقة الاسم مع المكان حيث أن بيت هتلر، مجاور لبيت هداسا وهي منطقة استولى عليها اليهود واخرجوا منها سكان العرب واستوطنوها بحماية دولتهم الإسرائيلية,

القارئ يكتشف أن التسمية له بهذا الاسم كان نتيجة عقدة الأب وكراهيته للاسرئيليين فهم عذبوه إثناء الاعتقال، وتترك الكاتبة مجالا للتفكير لماذا هذا الرجل "أبو هتلر" عاش بقية حياته متأثرا بالمدة التي قضاها في التعذيب.

لماذا يشعر بالعار من هذه الحادثة، أبو هتلر يتحول من ضحية إلى جلاد. لأنه إنسان محطم ومهزوم. وبينت الكاتبة كيف يعيش إنسان فلسطيني مهزوم في فلسطين ومدى الخراب الذي سببه أمثال هؤلاء في المجتمع. مثل تغييب القانون، بناء قاعدة قيم تقوم على الإخفاء والشطارة والاستغلال، وكسر الروس. بحيث تصبح الحياة اليومية أشبه بحياة الغاب، القوي يأكل الضعيف.

أما هتلر الذي يتحمل تبعات اسمه والعذابات التي يلاقيها بسبب هذا الاسم هو إنسان متطور متحرك بشكل ايجابي عكس أبيه، وحينما يتحرك نشاهد كم هو الخراب متمكن في فلسطين، يحاول هو أن يمد يده للمساعدة. أحداث سريعة أول أمر أراد أن يغيره هو اسمه/ هتلر. يقول انه يريد أن يختار اسم "أحبه وافتخر به" عندها يختار بعد ذلك اسم "محمد". أن اختيار الاسم له مدلول قوي وعميق وفاعل. بحيث أصبح اسم هتلر، محمد إسماعيل ناصر.

محمد هو زمر الإسلام، إسماعيل هو رمز العروبة، ثم ناصر. رمز للحلم الفلسطيني بعد هزائم متوالية.

في نقدها للمجتمع الذي بات مهددا بالانهيار:  ورد على لسان أبو هتلر الذي لم يستطع التخلص من عاره،  صار رجل إصلاح ليصنع لنفسه وجها آخر أمام الناس: "ليس الإصلاح في بلدنا أن تعطي الحق لصاحبه، الإصلاح أن تطفئ نيران المشاكل وتحولها إلى رماد، تسكر فم الضعيف لتبعد يد القوي عنه".

لكن الجد يقول لهتلر داعيا له أن يكون رجلا أصيلا: حتى تكون خليلتا يجب أن تكون بقلب سليم فان لم تستطع فلن تستطيع أن تكون شيئا آخر.

ثلاثة أجيال. الجد الذي مثل جيل الاصالة. الأب الذي مثل جيل الهزيمة، والابن الذي يمثل جيل الغد الذي يحاول أن يتحرر من عقدة بالرجوع إلى لعبة جده الذي علمه إياها قبل وفاته.

تدخل القصة فجأة إلى عالم آخر الفانتازيا. نجاح الذي ظلمها المجتمع الذكوري "جيل الهزيمة" تتحول إلى آكلة نار. وكأنها ترمز إلى الحقد والثأر.

ثم تدخل القصة إلى مفارقات مضحكة من حياة الناس كيف يفكرون وكيف يتنافسون. وتنتقد المجتمع الذي لا يفعل سوى الأكل، أكل اللحوم. على لسان إحدى الشخصيات التي ظلمها أيضا مجتمعها ألذكوري وقالت: لا أثق بمدينة تأكل اللحم بشراهة.

القصة لا تقص لأن وتيرة الحدث كبيرة وسرعته عالية فالكاتبة تهتم بالأحداث أكثر من وصف الحالة لذلك نجد لتشويق مستمر من الصفحة الأولى حتى تنهي قراءتها. المشكلة أنني عندما قرأت القصة لم انفك من التفكير في شخصياتها. لماذا لا تذهب من الرأس أنها تظل عالقة تفكر أين ذهبوا، فتعيد القراءة فتفهم أن القصة اكبر من مجرد قصة واقعية ممزوجة و بالفانتازيا. وللواقع الجميل. من أول صفحة تصدمك في جملة تمر عنها مرور الكرام وتعتقد أن الكاتبة أرادت الثورة على القوانين البالية، لكن فهمت أنها تتحدث عن قضية علمية كبيرة: كسر الضوء.تقول على لسان الراوية:  هل لي أن اكسر الضوء واصل إليه دون أن ابرح مكاني. سأخرق القوانين واكسر حواجز الزمن لأصل إليه قبل أن أغادر المكان.

 أي خرق للقوانين: هل قصدت العادات أم الفيزياء.  ثم إنها تنقل شخصياتها إلى مكان آخر. ما هو المكان، هل هو كوكب الحب الذي أسمته لامور. فكرت ما الذي ترمي إليه هذه الكاتبة. وما زلت أفكر. أين هو كوكب لامور. وكيف يمكن الوصول له عن طريق كسر الضوء.

 

  قصة لألئ من عرق. قصة طويلة أيضا وهي في 107 صفحات تقريبا تشبه الرواية. الشخصية التي سلطت عليها الضوء هو جاد، جاد الذي ولد بعد الاحتلال مثل هتلر. من أم تزوجت إكراها من متعاون من اجل أن يخرج أخوها من السجن، كان الأمر أن زوجها اغتصبها فحملت فأنجبت جاد الذي كرهته لأنها أجبرت إن تكون زوجة وأجبرت أن تكون أما. وزاد الطين بلة أن جاد كان طفلا غير عادي" مشوها". مما دفع ألام أن تبعده عنها بوضعة بدل كلب لرجل منتفع من الذين يعملون مع كل الأطراف. وصار يسمي كلب نعمان.

جاد قبيح المنظر يعيش في فيلا نعمان تنشا علاقة مع زوجة عدنان تشفق عليه لأنها لا تنجب لعجز زوجها عن الإنجاب تربيه، ثم تتنامى العلاقة إلى أكثر من ذلك حيث أن زوجة عدنان المهملة المتروكة تنجب طفلة من جاد الذي صار مطاردا بعد أن أرسله عدنان في عملية اشتشهادية استطاع ان يخلص نفسه من الموت عن طريق القوة الخارقة التي امتلكها.

جاد مختلف، رغم بشاعة شكله الا أن دماغه له طاقة غير محدودة يستطيع استخدامها في حماية نفسه، طور قدراته هذه إلى أن أصبحت قادرة على أن تنقل جسده إلى مكان آخر، انه يذهب إلى كوكب آخر ويعود، هل هو كوكب لامور؟

الذي يتتبع حياة جاد يكتشف كثير من القضايا الوطنية والسياسية وحقيقة الصراع الخفي بين كثير من القوى التي من مصلحتها عدم إنهاء المعاناة لان المعاناة والتدمير والحروب تعني الربح والدولارات للذين يتربعون على الكراسي. تكتشف التغيرات التي حدثت في الحياة الاجتماعية بعد اوسلو ونهم الناس على المال. تكتشف مع حياة جاد أن القيم تنهار والتعصب يزداد وان الخوف مواز للتأخر، ترى الأقنعة والزيف والتصنع. إحلال منظومة أخرى تحكم المجتمع تحكمها علاقات غير طبيعية قائمة على الاستغلال والمنفعة الذي أتى به الضياع والهزائم المتتالية.

 تنتهي القصة أن جاد يرحل مع زوجة عدنان إلى كوكب آخر دون ذكر اسم هذا الكوكب.

 ملاحظاتي حول القصتان:

القصتان تشتركان في: *الحريق .وجود الحريق في كلتا القصتين. ماذا يعني؟ هل يعني الإلغاء والبدء من جديد أم العقاب، لكل من يساهم في تكسير صحة هذا المجتمع بقلب المنطق، والتراجع، الإقصاء.

* الرحيل، لم تذكر الكاتبة أن يذهب الأبطال الايجابيين في القصتين، لكننا ندرك أنهم هم سكان كوكب لامور من عنوان القصتان.

*إحداث القصتين سريعة ومن الواقع ثم تنتقل إلى الفانتازيا، ثم التركيز على الإيهام، لتعطي معنيين للقصة، المعنى القريب الذي يفهمه الإنسان العادي البسيط، والمعنى البعيد، الذي يفهمه الأكثر تعمقا. ثم الأمر الذي يبدو لي أنها صاحبة فكرة علمية تنادي بها، فهي تثبت لنا من خلال أبطالها أن هذا الشيء العلمي صحيح وقابل للتصديق لأنه حقيقي

* اعتماد الكاتبة على قضية علمية في تركيب القصة:  هتلر: كسر الضوء، الثانية جاد: الطاقة الدماغية الباراسيكولوجي. إذا نحن أمام كاتبة من طراز جديد. تكتب الواقع والفانتازيا والعلم في آن واحد مع تشويق عال ومتعة لا حد لها قائمة على بساطة اللغة وتركيز المعنى من غير خروج عن ثقافتنا العربية

هذه المراة الفلسطينية الكاتبة نجمة تسطع في سماء فلسطين، فماذا تخبئ لنا من حكايات بعد.

 

 

 

  قارئة تهوى الجمال

نورة  عبد المهدي صلاح

19/6/2008

 

 

 

 




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home