قصة

 

نسائم الذكريات

د.عبلة الفاري



 

.

        مع كل خيط ضوء يرتسم باكرا على خدرها الاخضر، ترتل العصافير تسابيح الصباح  ثم تطوفها متبركة لتختم طقوس اليوم الجديد متمرغة بالتراب تارة ونابشة الارض لتبحث عن الحبوب المتساقطة من الجمّالة المتوقفين في ظلالها في رحلاتهم المتشعبة في أرجاء المعمورة ، وتخط لها الشمس بخيوط الضوء في سجل حياتها الاخضر يوما جديدا في عمرها المديد مئات السنوات ، يعرفها صغار وكبار العابرين  من حكايات الجدّات الأقرب الى الاسطورة ، وكذلك تعرفها الطبيعة ومخلوقاتها ، وتخبر كل أسرارها ، تمامـا كمعرفتها للصفصاف والعبهر والسريــس و شــــجرة العروس....هي شجرة السنديان من أقسى وأضخم وأعند أشجار البلوط....حكايات تكاد لا تنتهي عن صمود زنودها في ثورة الرياح  وتقلبات الطبيعة المجنونة ،صلبة فروعها كالصّوان تنكسر دون أن تنحني تماما كالنخيل الذي لا ينحني حتى للموت.

        كل يوم ، أعود من المدرسة مسرعة لأتسلق  بصعوبة  بالغة  جذعها  المرتفع الخشن المشقق...تماما كما يفعل السنجاب  ، وأستقر عاليا في مخبئي المعهود بين فروعها الفارعة بعيدا عن أعين الفضوليين ، أحيانا أتوسد حقيبتي المدرسية بعد أن أتمسك جيدا خشية السقوط المميت وأستسلم للنعاس  والنسائم الباردة لا يوقظني  سوى زقزقة أمعائي الخاوية  ، أو زقزقة العصافيرالتي تملأ الشجرة ، تلك العصافير التي ألفت وجودي ولم تعد تنفر مني، وأحيانا أستيقظ لحديث الخيّالة الذين يربطون أحصنتهم ليتناولون الزاد ويستلقون في ظلالها الكثيفة دون أن يلحظ أيّ منهم وجودي اذ أن صغر حجمي وضخامة الشجرة وكثافة أوراقها كفيلة بأن تخفني عن أنظار كل هارب اليها من وهج شمس الصيف الحارقة باحثا عن الظلال والهدوء والنسائم...انّ مجرد وصولي الى شجرتي يهبني احساسا أعجز عن وصفة ، لكني لا أجده في أي مكان في الدنيا .

            انها مخبأي الوحيد الذي يمدني بالأمان ، بل كل عالمي ودنياي حين تغرقني الدنيا في متاهات أحلامي الغريبة المتعبة المجنونة...أحيانا أحلم بأن يأخذني الخيالة الى مكان بعيد وراء تلك الجبال العاليةعلى طريقة السندباد لأكتشف أناسا غرباء وطيبين ، لكن ، كلما توسلت لأحدهم أن يصحبني برفقتهم يشفقون لحالي فمنهم من يعطني حبة فاكهة ، أو حفنة تمر، أو بعض النقود .. ومنهم من ينهرني للعودة الى المنزل دون أن يدركون أن شجرتي هي منزلي وكل ممتلكاتي... أحيانا أخرى أحلم بأميرة ساحرة تحط بردائها الأبيض الفضفاض وتناديني بصوت ملائكي حنون وكلمات طيبة لا أفهم معانيها ، لكنّ قلبي يرتجف لها فرحا عندما تمد ذراعيها لأرتمي في حضنها المقدس تماما كما تفعل جارتنا بطفلها الرضيع ، وترحل بي الى عالمها ومملكتها العجيبة حيث أرى أشياء غريبة تعلمني كمدرستي أن للحياة معنى  رائع رغم كل المرار....أحيانا أخرى أستمع الى حفيف أوراقها تهمس لي بنغمات أرق من ايقاع  الصبى والحجاز ، يخال الي أنه صوت أمي تهدهدني لأنام ، وتتساقط دموعي ، فتبلل وجهي واستيقظ مرة أخرى....  وأثناء أبحاري  في  دنيا الأحلام الغريبة ، أعدل  وضع جلوســي وأتلمّـــس أغصان شجرتي الرقيقة ، وأشتم رائحة أوراقها التي تلفني بعيدا عن هذا العالم  العجيب حيث تلهمني الحلم الذي هو كل زادي الذي أقتاتة لأتمكن من البقاء في عداد الأحياء... وتهبني الاحسـا س بالأمان ، أما حين أجوع فأني أقضم بعض أوراقها الطرية لأسـكت زقزقة أمعائي الخائرة من الجوع ، ليخال الي أنّ أوراقها محلاة بالسّكر  .

             دائما ما أحدثها عن دروسي ، وأشتكي لها همومي ، أهمس لها عن زملائي الطييبين الذين يشفقون لحالي ، ويتبرعون لي ببعض الطعام والدفاتر والأقلام ، وعن هؤلاء الشريرين الذين يسخرون من ملابسي البالية المتسخة ، وشعري المنفوش ، وأحيانا أشكو لها سباب وشتائم زوجة أبي الشريرة ، وأريها آثار الضرب المبرح على جميع أنحاء جسدي.....عندها فقط أحس بالأمان وتخلد روحي للسكينة ، لأن شجرتي تسمعني رغم صمتها وتحنو على جسدي الهزيل بفروعها الطيبه  وتشفق لحالي  ،   وتخفف أحزاني وتكفكف دموعي... أرى فيها أمي التي لم أرها منذ أن تفتحت عيناي على هذه الدنيا  وانا أ ذهب صباحا للمدرسة بعد أن أكون  قد رتبت المنزل وغسلت الملابس والصحون وأديت كل ما تطلبة مني زوجة أبي لأعود مساءا وأتسول لحسابها على أبواب المساجد والمقابر والطرقات .

          في أحد أيام أيلول كانت أوراق الخريف المتطايرة في كل الأتجاهات تحجب الرؤيا أمام قامتي القصيرة الملتصقة بالأرض ،عدت  من المدرسة مسرعة كزوبعة الخريف ، ويا ليتني كنت فعلا زوبعة لأحطم كل الأشياء وأنثر الغبار على كل الوجوه  لأعمي العيون التي عميت أصلا عن رؤية مأسـاتي وأطير بعيدا زوبعة غاضبة  الى حد التلاشي وراء الأفق اللامتناهي ...قبل أن يقع نظري على ذلك المشهد الماساوي ، أفجعني حتى الموت مليون مرة، وخر الذعر في جميع أنحاء جسدي  فخانتني قدماي وتعثرت ،وسقطت أرضا من  مشهد اختفاء شجرتي العملاقة فجأة .

       أدركت من أول شخص أعترضته أن آله غبراء عملاقة انقضت على شجرتي وافترستها ومزقتها لأسباب حدثني عنها هذا الشخص لكن أستيعابي كان أعجز عن فهمها  ....كل ما كنت منشغلة به هو رحيل شجرتي دون وداع..

    قتل المجرمون شجرتي ، وفرطوا عقد أوراقها ، ومرغوا أغصانها التي طالما عانقت السماء بالأرض...لقد قتلوا اللون الاخضر في أوراقها وزرعوا الموت في كل خلاياها...لقد مزقوها وعرّوا ستر فروعها واجتثوا الحياة من أعماق جذورها...لقد شردوا عصافيرها ووأدوا فراخها وأ فزعوا أسراب السنونو التي تباركها كل صباح ، وشتتوا مسالك ودروب الجمالين والفرسان....ونثروا أحلامي مع ذرات التراب في جوف الرياح ...وأنتزعوا قلبي  الذي ما فرح في الحياة الا للحلم بين خفايا شجرتي.... لقد يتموني مرة أخرى....

          ذرفت دموعا غزيرة لفقدانها، وبقيت أحفر طوال اليوم ويداي تنزفان وقلبي يعتصره الألم وروحي يجتثها العذاب ، وغيوم الخريف تمطرني فتمازج قطرات المطر دموعي تارة ، والدماء من أصابعي تارة أخرى ، بقيت أحفر دون أن أشعر بأي ألم أو تعب ، ودون وعي  وجدت نفسي  أمسك ببعض جذورها لأتذوقها وأمضغها لأكتشف أن طعم جذور شجرتي أشد من مرار الحنظل...حاولت أن أبصقها أو أ تقيأها  ، لكنّ طعم المرار أنعقد  وأستعصى في حلقي منذ عذبني القدر مرتين. .. يوم فجعت بموت أمي المرأة ورحيلها دون وداع ....ويوم اقتلاع أمي الشجرة ورحيلها أيضا دون وداع .

     وكبرت ،وصارت شجرتي ذكرى ، لكن طعم المرار  ما زال في حلقي واقعا لا ذكريات ، وأدركت حين كبرت أن جدتي ككل الجدات لم تخبرني أنه عندما تقتلع شجرة الزيتون ، أو تمرغ هامة النخيل بالتراب تفر صوب السماء أسراب السنونو  و الحمام ، وتتشابك أيدي الملائكة  في السماء فيجن الغيم ويسقط المطر وتخرج من مخابئها البذور .... ما زلت أتذكر شجرتي الغالية و أ ربط بينها وبين عشقي للسير تحت المطر في أمسيات الخريف العاصفة  الغاضبة المجنونة .

      أقف الان على أطلال المكان  حيث كانت تعشش زوجة أبي قبل عشرين عاما وسـأمر كل صباح عن نفـس المكان الذي كانت به شـجرتي و  في أعماقي شـىء  من الأسى لهذا الماضي الحزين  ......بعد أن أخذني خالي ليربيني بعيدا عن هنا وأكبر وأصبح معلمة ويسوقني القدر للتدريس بنفس القرية حيث كانت شجرتي وطفولتي الغريبة  . ...  أقف و ألتفـت قليـلا للوراء  بأسـى   الفقير  و وحدة الوحــيد   ولوعة اليتـيم .... تجول بخاطري نسائم الذكريات وأستهجن لهذه الأرادة التي غرستها قسوة الحياة في أعماقي لأثبت بها لنفسي أنّ رغبة الحياة أقوى مليون مرّة من نعيق الموت.....

 

الطبيبة الكاتبة

د.عبلة الفاري

جنين




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home