قصة

 

كعكة من دم

انور خميس



كان هو كل ماتبقى لها من الدنيا بعد ان فقدت كل شئ..وهى حبلى به فقدت بصرها فى احدى الغارات التى يشنها كيان الشتات مستهدفا ابادتها هى وكل بنى جلدتها ممن بقوا فى الارض الموعودة ..هى بقت لأ نها لم تعرف هى ولا اسلافها من قبل ارضا غير تلك الارض..وليس لديها معلومات كافية عن ذلك العهد الذى اقتطع لهذه الاقوام المختلفة عنها لغة وشكلا وملة..كل ماوصل اليها ان كائنا لعينا يستحيل ان يكون اله قد صك صكا لا يسقط بالتقادم بملكية هذه الارض واعطاه لأسلاف هذه الاعراق المهجنةمنذ آلاف السنين .. ولأنها لا تثق بهذا الصك ولا بالخاتم المقدس الذى يذيله فقدجلست تستقبل الغارة تلو الغارة فخورة بالصمود..الى ان جاءت هذه الغارة ..هى لا تذكر منها  سوى اصوات مخيفة  لطائرات خارقة لجدار الصوت ..ثم انفجار مروع بعده اظلم عالمها المدرك وحل محله عالم اللا ادراك الهلامى..عندما افاقت واستفسرت عن سبب النار المشتعلة فى عينيها والظلام الدامس الذى يحيط بها اخبروها ان دنياها اظلمت للأبد..فقد اخترقت شظايا الانفجار عينيها لتفقدها نافذتها التى تطل بهاعلى الدنيا ..حزنت.ولم يكن حزنها  لفقدان البصر فى حد ذاته..بل حزنت لأنها لن تستطيع ان ترى وليدها المنتظر ..والذى نجا بأعجوبةمن نزيف كاد ان يودى به وهو لا يزال فى عالمه الصغير الضيق..لكنها عادت واعتبرت بصرها الذاهب قربانا لقوى الشر ارتضته لتترك لها ابنها المستقبلى..عندما حانت لحظة قدومه لم يستطع شريكها فى ابوة القادم ان يذهب بها الى المستوصف العلاجى او حتى ان يأتى لها بطبيب..فقد كانت ليلة من ليالى القصف..اكتفى بأن يستدعى قابلة من الدور المقابلةفى تلك الحارة الضيقة الفقيرة..غاب لفترة ..فالعجوز كانت نائمة..فهؤلاء القوم قدتكيفوا مع الوضع حتى اصبحوا لا ينامون الا على اصوات المقاتلات..فإن سلم الامر فهو نوم ثم صحو..وان وقع المحظور..فهو نوم على كل حال..مع الغياب اشتدت اسفلها الطعنات المطالبة بالحق المشروع فى التواجد..زاد من وقع الطعنات هذه الوحدة وهذا الاظلام الاجبارى الذى يحيط بها..هل تعرف هذا الشعور؟..هو شعور معصوب العينين الذى يتخبط فى قبو مظلم منهالة عليه الركلات..قررت ان تساعد هذا القادم على الخروج من شرنقته العالق بها..تشبثت بأركان السرير وبكل ما فيها من عزم دفعت مطلقة صرخات متتالية كتمتها للداخل كى تستفيد منها فى دفع الكائن الهش..فى نفس اللحظة التى عاد فيها الرجل ومعه العجوز كان القادم على وشك الخروج الى الدنيا..ساعته القابلة فى اكمال طريقه للخارج وتلقفته فاعلة به ما يفعل بالاجنة عادة عندما تصير كائنات دنيوية..ثم اعطته للأم التى تساقطت عبرات عينيها العمياء وهى تتلقف وليدها متحسسة ملامحه محاولة تكوين صورة كروكية لوجهه  تختزنها فى رأسها وتستدعيها وقت الحاجة..اعطته ثديها الهزيل فالتقم حلمته مستدعيا اولى قطرات غذائه الفطرى ..اسمته "ياسر"تيمنا برمز يعتقد به قومها..مرت الايام وكبر الوليد بين يديها وصار طفلا ابن ثلاث..علمته ان لا يفزع من قصف او من صوت لطائرات..وعندما صار ابن ست قالت له عندما تنام لا تنتظر صحوا..وعندما تذهب لا تنتظر ان تعود..قبل هذا اليوم المنحوس بشهور فقدت رجُلها..عندما تقاتل الاخوة المناضلين مع الاخوة اصحاب السلطة على فتات الكعكة متناسين ان الكعكة بكاملها ذهبت لمعدة اخرى وتم هضمها منذ زمن وان ما يتصارعون عليه هو مجرد نفايات ناتجة عن عملية الهضم اقتسموها بينهم قسمة عدل ..وقعت البائسة وعائلتها الصغيرة من نصيب المناضلين الذين قرروا تصفية كل ما له صلة بالطرف الاخر..اقتحموا مبنى عام تابع لأصحاب السلطةكان زوجها يعمل به باعتباره موظف عام وقامو بتصفية كل من فيه ..حاول التعس افهامهم انه لا يتبع احد بل عين هنا بموجب مرسوم سلطوى رسمى..اخبروه..لا بل لم يخبروه..بل دفعه هذا الملثم ذى الشارة الخضراء من فوق المبنى ليقع ميتا..مرت هذه الشهور وجاء هذا اليوم ..كان يوم بلا بشائر تنذر بما سيحدث فيه ..فلا قصف سبقه ولا غارات  اوحتى شعور مبهم بالخطر مما تحس به الامهات عادة فى مثل هذه تلك الحوادث..الكون يدور فى فلكه والشمس طلعت من الشمس كعادتها كل صباح..كان باختصار يوم ممل من ايام البشرية..او هكذا بدا انه سيكون..خرج الفتى مع زميل مقعده ليلحق بمدرسته..لاحظ ان هناك اجتياحا عدوانيا اثر اطلاق صاروخ بدائى على مجتمع الشتات  لم يسفر الا عن اثارة بعض الضوضاء..مما اعتبره الكيان منافاة للذوق والادب وعدم مراعاة لأصول الجيرة..وهى جرائم لا تغتفر عنده فاجتاحت  عرباته ودباباته المنطقة.. وانتشر الجنود للتمشيط..كان الفتى وزميله قد قفلا راجعين الى منزليهما لاستحالة وصولهما للمدرسة..اثناء عودتهما لمحهما قناص من القوة المجتاحة فصوب بندقيته نحوهما وضغط الزناد ..وفى الحقيقة نحن لا نعلم ماذا دار بخلد هذا المجند ذى الاصول الروسية فى هذه اللحظة..فتصرفه غير منطقى ولا تفسير عقلانى له..فهل ما فعله هى اوامر مجبور على تنفيذها ..ام اراد ان يشعر قاطنى هذه البقعة انه لا يوجد من يحميهم اذا اراد هو او احد بنى لغته البطش بهم..ام هى مجرد حماقة جينية ورثها عن اسلافه ..كل هذه احتمالت لا وزن لها..لكن الحقيقة التى اكدها كل من شاهد هذه الواقعة ان رصاصة انطلقت من بندقيته مخترقة رأس الفتى .. فانهار جسده وتناثرت دمائه على الارض..فر زميله عندما رأى ذلك هاربا من مصير اسود كان ينتظره لوبقى فى مكانه ثانية اخرى..اتجه الى البائسة ليخبرها بالفجيعة ..اخبرها بصوت لاهث من طول المسافة التى قطعها عدوا..خيل له انها تحدق فيه ذاهلة ولم يعلم ان التحديق هو الوضع الطبيعى لأعين عمياء..اما ما شعرت به فى هذه اللحظة فليس الذهول انما الانسحاق ..الذى تحس به عندما تفقد عزيزا لديك ..هذا التاهاوى الذى يحل بنا ويشعرنا بهذا الالم العميق الذى نحسه يعتصر قلوبنا ..فيظهر هذا كله فى دموع لا تعبر بأى حال من الاحوال للناظر الينا عن حجم مأساتنا ..فيتجه لمواساتنا غير شاعر بما يعتمل داخلنا ..ولو علم ما فعل ذلك.. انتشر الخبر فى الازقة والحارات فتوافدن النسوة على المنزل ثم جاء من سحبها الى المستشفى التى وضعت  بها الجثة ..تحسست ملامحه ومرت بأصابعها على موضع الرصاصة ..انتحبت بصوت عال..قال لها احد الملثمين يستأذنها "يا ام الشهيد..سيخرج الشهيد من احد مقراتنا ليدفن.."اتجهت ناحية الصوت وقالت فى حسم"لن يخرج ولدى من مقر قتلة ابيه ..بل سيخرج من بيت ابيه "قال الرجل محتدا"اسمعى يا ام الولد..ولدك شهيد..والشهيد ليس ملكا لذويه فحسب..بل هو ملك لكل الشعب"ضربت صدرها بقبضتها صارخة فى وجهه"انا الشعب"....خرجت الجنازة المهيبة من بيتها كما ارادت  وتقدمها الملثمون براياتهم الخضراء..مطلقين رصاصات بنادقهم فى كبد السماء..وسار خلفهم الآف المشيعين من مختلف ارجاء هذه المنطقة المنكوبة فى صمت تام وفى رؤوسهم تدور تساؤلات خافتة...."لماذا يطلقون النار فى الهواء؟..هل تحية للشهيد..ام لعجزهم عن توجيهها لصدور من قتلوه.. ام يطلقونه ابتهاجا لأكتسابهم سببا جديدا لأستمرار تواجدهم".....دارت فى رؤوسهم ولم يستطيعوا النطق بها ابدا..فالرايات الخضراء تملأ المكان....... 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home