دراسات هامة

 

أسلوب التربية وحاجات الطفل في المجتمع العربي / ذ. بنعيسى اح

بنعيسى احسينات



أسلوب التربية وحاجات الطفل في المجتمع العربي ذ. بنعيسى احسينات يقول أحد الفلاسفة الصينيين في القرن الثالث قبل الميلاد: " إذا وضعتم مشاريع سنوية فازرعوا القمح. وإذا كانت مشاريعكم لعقد من الزمن فاغرسوا الأشجار. أما إذا كانت مشاريعكم للحياة بكاملها فما عليكم إلا أن تثقفوا وتعلموا وتنشئوا الإنسان ". فكلما كان البلد متقدما كلما ازدادت عنايته بأطفاله. وإذا كان التغير الاجتماعي في بلاد كالولايات المتحدة وألمانيا والاتحاد السوفياتي سابقا والصين واليابان.. أسرع مما هو في بلدان أخرى، فهذا يعود بالضبط إلى العناية التي تقدمها هذه البلدان لأطفالها بالنسبة إلى حاجاتهم النمائية. أسوق هنا مثالين بارزين: المثال الأول: أمام أحد اجتماعات اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي سابقا، قال كبير خبراء التربية: " لقد ألغت الثورة الاشتراكية الألقاب والامتيازات، ولم يعد لدينا أباطرة أو قياصرة، لكننا نؤكد دوما أن في الاتحاد السوفياتي قيصرا واحدا يتمتع بكل الامتيازات، ذلك هو الطفل ". المثال الثاني: يدور هذا المثال حول عالم أمريكي من علماء علم نفس الطفل، كان يزور موسكو، فأراد أن يشتري برتقالا، ولكنه لم يجد سوى بعض البرتقالات بسعر غال جدا، بعد أن طاف بعدة محلات. بعد ذلك، لاحظ عند زيارته بعض دور الحضانة والمدارس الابتدائية في موسكو وضواحيها، أن البرتقال وغيره من الفواكه، متوفرة بكثرة في هذه المؤسسات، وأنها تقدم للأطفال مجانا. إن لتربية الطفل والعناية به هنا، في هذه البلدان، علم له قواعده التي يجري تطبيقها بعناية فائقة. فالمجتمع لا يحقق إمكاناته الفضلى إلا إدا أتاح لأطفاله أن يحققوا إمكاناتهم إلى حدها الأقصى. لذا، فإن أفضل طريقة لمعرفة مستقبل بلد من البلدان هي أن نعرف كيف يعامل أطفاله؟ وكيف يعتني بهم؟ من هنا تأتي صرخة جان جاك روسو الشهيرة: " تعلموا كيف تعرفون أطفالكم، إنكم بالتأكيد لا تعرفونهم بالمرة ". إننا في المجتمع العربي عامة والمجتمع المغربي خاصة نميل في الغالب، إلى الاعتقاد بأن الأطفال ينمون وينضجون من تلقاء أنفسهم، أسوة بالحيوانات والنباتات ( المربي من عند ربي... ولد الوز عوام... ). ولهذا، فما أن يصبح الطفل قادرا على المشي حتى يتركونه يخرج إلى الشارع تحت رعاية أشقائه الكبار. وقد يقول الأب المحب عن طفله: " عندما يكبر سأرسله إلى أفضل جامعة ليصبح طبيبا ". ولكن التعليم هنا يعني، في نظر الآباء، التعليم العالي. فهم لا يعرفون أن أهم تعليم هو الذي يتلقاه الطفل في مرحلة حياته الأولى، وأن هذا التعليم بالذات يحدد نمو الطفل اللاحق برمته. من الغريب أن يتلقى الناس تدريبا في كل أنواع الوظائف التي يقومون بها، ما عدا الوظيفة العائلية وما يتعلق بتربية الأطفال ورعايتهم. ولذلك، فإن معظم الآباء والأمهات والمربون بصفة عامة، هم من الهواة قي ممارسة فن الأبوة والأمومة، وفن التربية بصفة عامة... فإذا كان حضهم جيدا، تمكنوا من أداء مهمتهم أداء حسنا. أما إذا كان الفشل نصيبهم، فالمجتمع كله يدفع الثمن، وليس هم وأطفالهم فحسب. والواقع أنه لا يمكن تحقيق الفعالية في هذا المجال إلا بالتدريب اللازم، وبمعرفة حاجات الطفل النمائية، والطريقة المناسبة لتربيته والعناية به. يقول بونابرت بهذا الصدد: " لا أفهم الحياة بلا زواج، ولا أفهم الزواج بلا أبناء، ولا أفهم الأبوة والأمومة بلا حنان ". ويقول أيضا برنار تشو الساخر: " لست معلما للأمهات ولا مدرسا للأطفال، ولكن أحتقر المرأة إذا تزوجت ولم تقم بواجبها كأم وزوجة في آن معا! وأمقت الرجال، إذا تزوجوا ورزقوا أطفالا وجعلوا حياة أطفالهم كالجحيم. إن من لا يستطيع القيام بحق الأبوة والأمومة، ينبغي أن لا يكون أبا أو أما ". يرى معظم الاختصاصيين في علم النفس النمائي، أن نمو الطفل هو حصيلة عوامل وراثية بيولوجية، تتفاعل مع عوامل بيئية واجتماعية، في إطار وضع معين. كما يرون أن البيئة هي العامل الحاسم، الذي يمكن السيطرة عليه ضمن هذا الوضع. أما عوامل البيئة التي تجدد نمو الطفل في مرحلة حياته الأولى، فهي ثلاثة أنواع: 1. الشروط الجسمانية (الصحة). 2. سلوك الأبوين والمربين (أسلوب التربية). 3. طرائق تعلم السلوك الاجتماعي (التثقيف الاجتماعي). 1. بالنسبة للشروط الجسمانية (الصحة)، يتضح أن النجاح في تربية طفل سليم البنية، يقتضي تأمين عناية طبية مستمرة قبل الولادة مباشرة وبعدها. وكذلك الأمر في مرحلة الطفولة الأولى. 2. وبالنسبة لسلوك الأبوين والمربين بصفة عامة، يمكن القول أن نمو الطفل العاطفي والعقلي والاجتماعي هو في الدرجة الأولى، نتيجة تفاعله مع الآخرين ممن يمثلون دورا هاما في حياته، وهم الأبوان والأشقاء والأقران والمعلمون والمسئولون عن رعاية الطفولة بصفة عامة. ولهؤلاء الأشخاص أهمية في حياة الطفل من حيث أنهم يؤثرون فيه بأفعالهم وأقوالهم، وبالطريقة التي يقولون فيها ما يريدون. فالعائلة العربية بصفة عامة والعائلة المغربية على الخصوص، عائلة تدور حول البالغين أكثر مما تدور حول الأطفال. فالطفل العربي أو المغربي يكتسب السلوك الاجتماعي بواسطة العائلة وبصورة آلية؛ بمعنى أن لا وجود لهدف واضح في طرائق التربية وأسلوبها السائدين في مجتمعنا. فالآباء والأمهات، وحتى المربون بصفة عامة، لا يربون الأطفال بالاستناد إلى نظام تربوي واضح أو خطة معينة. ولهذا، فإن الطرائق والأساليب التقليدية تبقى مسيطرة على مواقفهم. 3. أما بالنسبة لطرائق تعلم السلوك الاجتماعي، نعلم أن أساس بنية الشخصية يتكون في مرحلة الحياة الأولى؛ فما أن يدخل الطفل الصف الأول في المرحلة الأولى من التعليم الأساسي، حتى يكون قد اندمج في الحياة الاجتماعية بواسطة القيم الأساسية السائدة في عائلته الصغيرة، أو في عائلته الكبيرة (مؤسسة دار الأطفال مثلا)، وفي الثقافة الفرعية التي ينتمي إليها. إلا أن المسألة الخطيرة الأهمية في هذه الحقبة، نوعية طرائق الانضباط وتعزيز السلوك التي يخضع لها الطفل من جانب أبويه، ثم من جانب المعلمين وغيرهم من الساهرين على تربية الأطفال ورعايتهم. يبقى أن نتحدث عن طرائق الانضباط النموذجية في العائلة العربية والمغربية، فهي تتصف بمزيج من العواطف الإيجابية والسلبية؛ أي بمزيج من التشدد والتساهل، بحيث يكون الموقف المتشدد من اختصاص الأب والمربي، والموقف المتساهل خاص بالأم والجدات.. فطرق المراقبة والانضباط في تربية الأطفال في مجتمعنا ترتكز على الطاعة. فالطفل المطيع طفل " صالح " وغير المطيع هو غير صالح. أما الطرق المتبعة في فرض الطاعة هي ثلاثة: 1. التخجيل (احشومة بالدارجة المغربية)، 2. والتخويف (احرام بالدارجة المغربية)، 3. والعقاب البدني (الزرواطة بالدارجة المغربية). فالتخجيل أو الازدراء هي من الطرق المفضلة في تأديب الطفل. فالطفل الذي يشعر بالخجل أو الازدراء يصبح أكثر ميلا للطاعة؛ فثقته بنفسه تتحطم ويصبح مطيعا خاضعا. وهذا التخجيل أو الازدراء يمكن استخدامه بطريقة مباشرة كأن يقال له: " احشومة، مسكين، حمار، أبله، لا تنفع في شيء.. "، فيجعلونه يشعر بأنه تافه لا يصلح لأي شيء. أما الطريقة الغير المباشرة كأن يقال له مثلا: " انظر إلى فلان كم هو لطيف "، أو " ليتك تكون مثل شقيقك فلان "، أو " لا أحد يضاهي ابن عمك فلان "، أو " انظر إلى ابن الجيران فلان.." والواقع أن الازدراء بالطفل، وتقديم الملاحظات الخبيثة حوله، والتعريض به عن طريق التخجيل أمورا تؤدي إلى زعزعة ثقته بنفسه، وشله وجعله سهل الانقياد. إن الشعور بالخجل يتكون بتأثير ما يتصوره الفرد، أن رأي الآخرين فيه أكثر مما يتكون بسبب رأيه في نفسه. ومن الناحية العملية، فالعيب الذي يشعر به الفرد عندنا هو ما يقوله عنه الناس (الآخرون)؛ بمعنى أن لا عيب في ما لا يراه الناس وما لا يسمعونه. وهذا ليس فقط تمييزا بين ما يفعله الإنسان وما يجب أن يفعله، بل أن تفرض موقف هو موقف الكتمان الذي يتحول في سلوك الراشدين إلى عادة إخفاء النوايا والحذر فيما يقوله هو وما يقوله الآخرون، مما يفتح باب الكذب والنفاق والاغتياب على مصرعيه، بحيث أن هناك دوما معنى مبطنا ونية مكتومة وراء كل كلمة وكل إيماءة تصدر عن الآخرين. فنحن مجتمع إيمائي ووجداني أكثر مما نحن مجتمع نسقي عقلي. من الواضح أن الطفل الخاضع للتخجيل والازدراء، قد تكون في نفسه شعورا بأنه ليس مسئولا في كل الأحوال، وأن لا مجال للومه على الإطلاق. لو أدرك الآباء والأمهات والمعلمون والمربون بصفة عامة، مقدار الضرر الذي يحدثه التخجيل والازدراء، لامتنعوا على الأرجح عن استخدامها كطريقة من طرائق التأديب. لذا، فمن الأفضل بكثير أن يكون الطفل هدفا للغضب، من أن يكون هدفا للانتقام والتقليل من شأنه والازدراء به. وبالنسبة للتخويف الذي هو أكثر الطرق أهمية في تأديب الطفل، وذلك بتهديده بواسطة قوى شريرة خفية في الغالب (حيوانات مخيفة، جن، غول، وحوش ضارية...)، أو عقاب إلهي (جهنم، عذاب يوم القيامة بأشكاله المختلفة...). وهذا كله يؤدي إلى تشويه في اختباراته اليومية وصعوبة التمييز بين الواقعي وغير الواقعي. وهكذا يبدأ الطفل برؤية أسباب خفية وراء أحداث من النوع العادي. كما أنه يرى وراء الأعمال دوافع لا دليلا واضحا على وجودها، مما يؤدي إلى الإيمان بالسحر والخوارق والخرافات التي تحجب عنا معرفة حقيقة الأمور. وإذا كان لابد من القيام بألعاب من هذا النوع مع الطفل من أجل إغناء خياله، فمن الضروري إعطاؤه شروحات كاملة وكافية حتى يتمكن من السيطرة على مخاوفه بدلا من أن يكون فريسة لها. فمن الممكن تفسير الجن والحيوانات المخيفة على أنها أساطير، مما يجعلها جزء مألوفا من عالم الطفل الخيالي (رسوم الأطفال مثلا ). فالأطفال يتمتعون بقدرة كبيرة على التخيل، وهم يفهمون ما يتخيلونه. لذا فما يفهمه الطفل لا يعود مصدر خوف بالنسبة إليه، ذلك أن فهم العالم الغير المنظور ومخلوقاته، يقوي حسه بالواقع، وبالتالي ثقته بنفسه. في حين أن تخويفه بواسطة ذلك العالم الخفي، يؤدي إلى نتائج عكسية، مبلبلا حسه بالواقع ومقللا ثقته بنفسه. أما العقاب البدني فهو أكثر طرائق التأديب استعمالا في مجتمعنا. ، فهو يستخدم لفرض السلوك الجيد والسوي على الطفل، وذلك بدرجات متفاوتة؛ كالصفع والضرب على القفا أو في أي مكان من الجسم. ومما لا شك فيه أن العقاب البدني سريع الأثر في معظم الأحيان. فلابد للطفل أن يخضع لأنه عاجز عن المقاومة والرد على الضرب بالضرب. لكن للعقاب البدني أثرا سلبيا عميقا، ناذرا ما يكون ذا فائدة. فهناك ثلاثة أنواع من المواقف السلوكية التي تنشأ في نفس الطفل، بسب هذه الطريقة في القمع، وهي: _ النزعة إلى التحدي والتمرد، _ والنزعة إلى توكيد الذات، عن طريق الامتثال والخضوع، من أجل كسب التقدير والمكانة الاجتماعية، _ ثم نزعة العداء والعنف التي علاقتها بالعقاب القمعي، أقوى من علاقة هذا الأخير بالنزعة إلى التمرد أو توكيد الذات. ذلك أن العداء المكبوت يجري إسقاطه على الآخرين. فهو يصبح موقفا متأصلا في النفس، ويلقى أشد أنواع التعزيز بواسطة التخجيل والازدراء. وقد تظهر هذه الجوانب السلوكية في مجتمعنا، متفاوتة في مواقف البالغين وسلوكهم. وهي تفسر بعض أنماط السلوك التي يتميز بها التفاعل الاجتماعي؛ كالنزعة إلى الارتياب والنزعة إلى العدوان والسلوك الفردي.. وبالتالي فهي تفسر أسباب الخلاف والشقاق اللذين يتصف بهما السلوك العربي بصفة عامة والسلوك المغربي بصفة خاصة. من هنا، يتبين لنا أن العقاب البدني طريقة مؤذية في تأديب الأطفال. فالطفل لا يتعلم السلوك الحسن بالضرب أو الازدراء أو الإذلال. فالعقاب البدني لم يكن في يوم من الأيام حلا للمشاكل في مجال التربية. والواقع أن العقاب البدني يؤدي إلى إرضاء البالغين بدلا من أن يصلح أخطاء الطفل، وهو، في كثير من الأحيان، نتيجة من نتائج الخلق السيئ والحرمان المكبوت أكثر مما هو نتيجة نية إصلاحية. وكثيرا ما يندم الآباء والأمهات والمربون، بصفة عامة، على ضرب الأطفال؛ ولكن الندم لا ينفع لأن الضرر الحاصل لا يمكن إزالته. لذا يجب أن نفهم، نحن معشر المربين، وندرك الدوافع العدوانية اللاشعورية التي تجعلنا أحيانا كثيرة نتصرف تجاه الطفل بصورة لا عقلانية. وبالتالي يجب أن ندرك، آباء وأمهات ومربون، أن الإقناع والتفكير المعتدل المقرونين بالحزم والمثابرة، هما أفضل بكثير من الصفع أو الضرب المبرح في سبيل ضبط سلوك الطفل. فالطاعة الحقيقية تكون غير مبنية على التخويف والتخجيل والعقاب البدني، بل على القبول والتفاهم والثقة المتبادلة. والواقع أن الطاعة في أسرنا ومؤسساتنا التعليمية ودور الأطفال.. هي نتيجة الخوف أكثر مما هي نتيجة الحب والتقدير والاحترام. وما يمكن ملاحظته في الغالب، هو فرض الخضوع عن طريق العقاب والتخويف والتخجيل دونما تفهم أو إقناع أو نقد، من أجل تدعيم نزعة الامتثال لتأكيد السلطة. فالطفل يتعلم من خلال تعامله مع ذوي السلطة في محيطه كالأب والمعلم والمربي؛ أولا: كيف يقمع عدوانيته تجاه السلطة؟ ثانيا: كيف يتحاشى مواجهتها؟ ويترتب عن هذا، الاتكالية والعجز والانسحاب أو الهروب من المواجهة. في الحقيقة أن مجتمعنا يقضي أن تحل روح الخضوع محل روح الاقتحام والمواجهة، وروح المكر محل روح الشجاعة، وروح التراجع والهروب محل روح الإقدام والمبادرة، وروح المنافسة والفردانية محل روح التعاون والمشاركة.. إن الفرد عندما يواجه الحياة بصورة دفاعية، يتحمل آلامها بهدوء وكبت داخلي. يقال المثل المغربي في هذا الصدد: " اليد اللي ما اقدرتي اتهرسها بوسها وادعي عليها بالهرس)؛ بمعنى اليد التي لا تستطيع كسرها قبلها وأدعو لها بالكسر. وعلى وجه الإجمال، فإن الطفل في مجتمعنا يختبر، من طرق المراقبة والانضباط هذه، الاستهزاء والتوبيخ والصراخ أكثر مما يختبر التفكير أو الحرمان من الحب أو الأمور التي تثير شعوره بالذنب. وبصفة عامة، فإن طرائق توكيد السلطة المتبعة ضمن عائلتنا وخارجها، تميل إلى التركيز على الخصائص التالية في نفس الفرد: _ الخوف من العقاب بدلا من الشعور بالذنب، _ العداء الموجه إلى الخارج بدلا من الثقة، _ النزعة الفردية المرتكزة على الذات بدلا من التطابق مع المجتمع، _ النزعة العدوانية بدلا من التعاون والمشاركة. وتجب الإشارة هنا إلى أن الإسراف في الحماية المتأرجحة بين الشدة والليونة يؤدي إلى تعزيز الاتكالية في نفس الطفل. ومع أن الطفل في مجتمعنا يبدو من الخارج مطيعا وخجولا ومهذبا، فإن مشاعره الداخلية هي على الأرجح، مشاعر عداء وتمرد، تعبر عن نفسها كلما أتيحت لها الفرصة لذلك. لقد تلعب الأم وغيرها من النسوة دورا أساسيا في تربية الطفل في مجتمعنا، في حين يبقى الأب، في معظم الأحيان، غائبا عما يجري في المرحلة المبكرة، وهو يدخل حياة الطفل في مرحلة لاحقة على وجه الإجمال، مما يؤثر تأثيرا كبيرا في نموه من الناحية العاطفية والعقلية والاجتماعية. و تشير كل الوقائع المتوفرة لدينا، إلى أن الطفل مكره على الطاعة في العائلة الأبوية الشكل، حيث يمثل الأب دور المهيمن البعيد الغائب. ولكن الطاعة المفروضة فرضا، قد يكون لها أثر سلبي في نمو الطفل، مما يؤدي إلى توليد شعور بعدم القدرة وبفقدان احترام الذات. وإذا كان لابد من غرس الطاعة في نفس الطفل، فيجب ألا يكون ذلك بالتخويف والعقاب البدني، بل بتنمية علاقات ثقة واحترام متبادلين على أساس الحب، بحيث أن لحب الأم في الطفولة الأولى أهمية كبرى توازي أهمية الفيتامينات والبروتينات بالنسبة إلى الصحة الجسدية. أما في مجتمعنا فنجد أن هناك عاملين يحدان من العلاقة الحميمية بين الأم والطفل وهما الفقر الشديد من جهة، مما يجعل الأم مرهقة في البيت وخارجه، الشيء الذي يجعل الطفل في سن مبكر جدا في عهدة أشقائه. ومن جهة أخرى العائلة الكبيرة الممتدة، حيث تكون علاقة الطفل بأمه أقل وثوقا، وذلك بوجود نسوة اللواتي يمثلن دور الأم، كالجدات والعمات وزوجات الأب.. أما علاقة الطفل بأبيه في المرحلة الأولى من حياته تبقى علاقة ضيقة، بحيث أن الأب لا يبدأ اهتمامه بالصبي إلا عندما يصبح هذا الأخير قادرا على الكلام، أوعندما تظهر فيه بعض معالم رجولته المقبلة. أما البنت فتبقى بعيدة عن اهتمام الأب مدة أطول، وهي لا تبلغ، على أية حال، المكانة التي يحتلها شقيقها. والواقع أن التفاعل الحميم بين الطفل وأبيه ليس ممكنا إلا في العائلة الصغيرة النووية. وكما هو مطلوب من الأبوين أن يتفهما طفلهما، ينتظر من المدرس أو المشرف التربوي أيضا، أن يكون ودودا ومتحمسا لعمله، بحيث يمثل دورا رئيسيا في نمو الطفل. والواقع أن مساعدة الطفل على تنمية طاقاته، لا تتسم فقط بما يقدمه المدرس أو المربي من تعليم وإرشاد، بل بمدى استجابتهما لحاجات الطفل وطريقة التعامل معها. أما فيما يتعلق بالانضباط، فإن ما ينطبق على الأسرة ينطبق أيضا على حجرات الدراسة ودور الأطفال. إن استخدام العقاب البدني في المدارس أو دور الأطفال هو من الناحية النفسية أكثر ضررا من استخدامه في البيت. وذلك، لأن الطفل الذي يعاقب أمام أقرانه يتعرض بأن يخسر في آن واحد احترامه وثقته بنفسه. ومع ذلك فلابد من تحقيق الانضباط بشكل من الأشكال. لذا، فمن الضروري عند اللجوء إلى عقاب غير بدني، أن يكون هذا العقاب عادلا، وبالتالي يتم شرح أسبابه بوضوح. إن المدرس أو المربي العربي عموما والمغربي على الخصوص، متشدد في مواقفه ومصر على توكيد ذاته. وهو من هذه الناحية، يجسد سلطة الأب ويحرص حرصا شديدا على سلطته ومكانته، معتبرا أن أقل تعد على صلاحيته بمثابة إهانة شخصية له. لذا يعامل الأطفال في كثير من الأحيان، معاملة المتشفي المنتقم. أما الطفل من جهته، فهو يشعر تجاه مدرسه أو مربيه بالضعف والعجز. ولكنه في الوقت نفسه، يصبح مخادعا وميالا إلى التمرد والعدوانية كلما سمحت الظروف بالتعبير عنها. إن الحرية شرط من شروط النمو العقلي السليم. مثال على ذلك أن المربي " نيل Nil " قد أسس مدرسة نموذجية في العشرينات من القرن العشرين، في قرية " سمرقيل ". وكانت فلسفته التربوية قائمة على مبدأ وحيد هو منح الطفل حرية كاملة، لا يحدها شيء سوى مبدأ آخر هو عدم إزعاج الآخرين أو إيذائهم. وكان أن قام التلاميذ بتأليف لجانهم الخاصة لتدبير شؤونهم، كما أنهم وضعوا بأنفسهم القواعد اللازمة لضبط سلوكهم. وكانت الفكرة المسيرة لهذه التجربة، أن التربية التي هي حرة حقا، تنشئ أحرارا بالفعل. والواقع أن مدرسة " سمرقيل " النموذجية قد نجحت في تنشئة أفراد أحرار وسعداء. إن الحرية التامة المجانبة للفوضى ليست هدفنا. ومع ذلك فإن مجتمعنا يحتاج إلى قدر كاف من الحرية في المرحلة السابقة للدراسة، كما في المرحلة الدراسية الأولى. وذلك للقضاء على روح التسلط الجامد المسيطرة عليه حاليا. فما تعلمناه من مدرسة " سمرقيل " النموذجية هو أن الطفل، لا يستطيع تحقيق نمو سليم إلا إذا تمتع بحرية كافية في اللعب والدراسة والتخيل.. وتوفير هذه الحرية ممكنة بواسطة مدرسين ومربين متفهمين أكفاء، من الذين يحبون عملهم ويهتمون به ويخلصون إليه. وهذا يحتاج إلى وعي ومعرفة ومسئولية وإرادة وضمير مهني وأخلاقي. وأما النمو العاطفي المطلوب، فلا يمكنه أن يتحقق إلا بتلبية حاجات الطفل الأساسية التي يمكن تصنيفها في أربع فئات رئيسية: 1. الحاجة إلى الحب والاطمئنان: فالشعور بالحب والاطمئنان أمر حيوي بالنسبة إلى نمو ذاتية الطفل، فهو لا يتعلم كيف يحب إلا إذا كان محبوبا. 2. الحاجة إلى اختبارات جديدة: فمن شروط التعلم والنمو أن يمر الطفل باختبارات جديدة. يقول العالم النمساوي " جان بياجي ": " كلما سمع الطفل وشاهد أشياء، كلما ازدادت رغبته في السمع والمشاهدة ". للطفل ميل فطري إلى الاختبار والاكتشاف، ولكن هذا الميل كثيرا ما يخنقه الأسلوب الذي يعامل بها الطفل في مجتمعنا. فالفضول أو حب المعرفة والاكتشاف، يحتاج إلى تنشيط وتوجيه وترشيد وتشجيع، بدلا من كبته عن طريق القمع وانهي واللوم. وهذا ما يجب أن يتم بواسطة اللعب والتعليم والأساليب التي تؤدي إلى السلوك الاجتماعي. 3. الحاجة إلى الإطراء والتقدير: إن الطفل الذي يجري تقدير جهوده بالقبول والإطراء يتمكن من تنمية احترامه لذاته. ولكن الآباء والأمهات والمدرسين والمربين والمرشدين في مجتمعنا لا يدركون في الغالب حاجة الطفل إلى هذا النوع الحيوي من التشجيع. والواقع أن تثبيط الهمة وفقدان التشجيع والإطراء يؤديان إلى فقدان ثقة الطفل بنفسه. 4. الحاجة إلى المسئولية: ترتكز الحاجة على المسئولية على الحاجة إلى الاستقلال، بحيث أن الطفل لا يتعلم تحمل المسئولية إلا إذا نال استقلاله النفسي، ولا ينال هذا الاستقلال إلا إذا حقق حريته انطلاقا من ثقته بنفسه. فالطفل إذ يتعلم كيف يقوم بأعمال معينة من أجل ذاته ومن تلقاء نفسه، يخطو خطواته الأولى نحو التصرف المسئول. والطفل الذي يجد الآخرين يقومون بالأعمال التي يجب أن يقوم هو بها، ينزع إلى الخجل والانفعال والاتكالية، حيث يؤدي هذا إلى كبت ما عنده من مبادرة واعتماد على الذات، فيصاب بالعجز. ففي مجتمعنا لا يمنح الطفل، في الغالب، حرية واستقلالا، بل أن الراشدين يهيمنون عليه وناذرا ما يعاملونه بروح الاحترام والتقدير. وهكذا، بدلا من أن يصبح الطفل كائنا حرا ومسئولا، نجده يشعر بالنقص تجاه من هم أكبر و أقوى منه، مما يجعله في شعوره الداخلي، ينزع إلى الخضوع والاستسلام، وبسلوكه الخارجي ينزع إلى الضغينة والحقد. على هذا الأساس، يجب أن نتذكر دائما حين نتعامل مع الأطفال، أننا كنا أطفالا مثلهم. وبهذا يمكن أن نتجنب الآلام التي يعانيها العديد من الأطفال. فمهنة التربية والتعليم جد صعبة، ولكنها نبيلة ورسالتها شريفة، فلا يمكن بخسها واحتقارها.. فالمطلوب من المربين والمدرسين والساهرين على تنشئة الأطفال أن يكثروا من المطالعة وطلب العلم والمعرفة فيما يتعلق بالطفل وتربيته والعناية به، أسوة بقوله تعالى: " هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون "، وإرضاء لقول رسولنا الكريم (ص): " تعلموا العلم. فإن تعلمه خشية والبحث عنه جهاد وتعليمه صدقة وبذله لأهله قربة ". لذا علينا تطبيق القاعدة الذهبية في التربية التي تقول: توجيه من غير عنف وإرشاد من غير نهي وتشجيع من غير لوم، وذلك من خلال المرونة في التعامل، وفهم وتفاهم، وحوار واقتناع، وتعامل معاملة الأب الحنون والصديق الوفي وعدم التدخل العنيف في شئونهم الخاصة. لقد رأى الأقرع بن عباس،سيد قومه، رسول الله(ص) وهو يقبل الحسن والحسين فقال: " يا رسول الله، إن لي لعشرة أولاد، ما قبلت فيهم واحدا منهم ". فقال (ص): " وماذا أفعل إذا كان الله قد نزع الرحمة من قلبك ". لقد توفرت حقائق علمية كثيرة عن الطفولة، إلا أن استفادتنا منها لا تزال محدودة. ويعود ذلك إلى ألف سبب وسبب، ولكن واحدا من تلك الأسباب هو أن ترجمة حقائق العلم إلى سلوك، أمر عسير أمام الإنسان. وتعتبر دراسة الأطفال، واحدة من المعالم التي يستدل بها، على تبلور الوعي العلمي في المجتمع. لأن الوعي العلمي الذي يشكل نتيجة لشيوع عملية التفكير والبحث العلمي، يقود إلى تكوين أفكار مرنة وموضوعية، ومتكاملة وشاملة عن الإنسان وواقعه ومستقبله. كما تعتبر دراسة الطفولة جزءا من الاهتمام بالواقع والمستقبل معا. حيث يشكل الأطفال شريحة واسعة في المجتمع، كما يشكل الجيل التالي.. لذا فإن ما يبذل من جهود من أجلهم يؤلف مطلبا من مطالب التغير الاجتماعي المخطط الذي تعتبر التنمية إحدى صوره. إن ثروة الشعوب لا تقاس بما تحويه تربتها من كنوز طبيعية، بل بمدى صقلها لمواهب أطفالها وشبابها، ومساعدتهم على التوافق الصحيح كي ينشئوا نشأة صالحة ويسهموا في التقدم وإنشاء حضارة. ولا يتيسر الإنتاج إلا إذا ربي الأطفال والشباب تربية قوامها الفهم الصحيح والأمن النفسي والحرية في غير فوضى والتفكير المتفتح المرن. ______________ بنعيسى احسينات




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home