قصة

 

في الحمام

م. علي ناصر



 

 

 

               

في الحمَّام

 

دخل الحمّام ليغتسل من بعض همّه . عندما تعرّى تماماً حملقت به من خلال الجدران آلاف العيون تستحييه صارخة بألسنة ممدودة :

 " يـ..ا ي ....  ياي "

 

هي أول كلمة سمعها عندما لفظه رحم أمه و ما يزال يسمعها كل يوم.

 

" الناس ثابتون في  مواقفهم مني إذن".

 ردد بغير اكتراث بحشريتهم ، و كسا جسده بصابون الغار زكيّ الرائحة.

مدّ يده يفتح صنبور الماء الدافيء ..

 "ما أروع الدفء في هذا الشتاء القارس!! "

تذكّر حنان أمه و يدها تسكب الماء بطاس نحاسي قديم  على ظاهر كفِّها فوق رأسه عندما كان طفلاً كيلا تحرقه سخونته أو تنخزه برودته .

 

كان لأمه طريقة فريدة في كشف حرارة الماء، كانت تقدر غالباً صلاحية الماء للاستحمام من نظرة ثاقبة على البخار الخفيف المتصاعد من البرميل المتعجرف على " بابور الكاز" أو على الشبك المعدني القاسي الذي يوسع موطأه كي لا يثقب بوسطه بفعل اقتراب النار و شدتها و حماوة رأس البابور الأحمر المشتعل.

 

كانت أحياناً تقدر زمن التسخين فتنهض محفزة:

 

" هيا يا بني ، سخن الماء، لا وقت لدينا "

 

و تحضر الملابس النظيفة ، تضعها على كرسي من القش ،تجلس على آخر ، و تقرفصه أمامها، و تبدأ ،

" بسم الله، الله أكبر."

 ثم تضع الماء على باطن كفها أولاً، فإن تحملت حرارته، تضيفه على ظاهر الكف ، و تهمس:

" الماء جيد. "

 و تبدأ مشروع التحميم المصاحب بتهليلات وتكبيرات، و أدعية ، يستذكرها دوماً،وصار يعشقها بعدما عرف متأخراً أنها أدعية و أذكار نبوية!!

 

" أمي.....أمي .. أين أنت!!!

 رحلتِ قبل شبعي من حنانك، ذهبت و الرعب يملأ كيانك، خوفاً عليّ ، فالمرء- دون سقف بيت- ضائع يرتجي رحمة الله"

 

     لم تنجح محاولة تعييره ماءي الصنبورين فتسرب ماء حار على كتفه و لدغه بسوط مؤلم.

 

" لعن الله الشيطان إنه حنان زوجة أبي ! "

 

ضحكت العيون المحدقة فيه.

بحركة لا إرادية فتح الصنبور البارد فتحول الموقف عكساً.

 

"ماء مثلج !!!! "

 

تشدقت الأفواه الساخرة بحيرته و صرخ الناس جميعاً:

" يــاي..يــاي.. "

 

 

 

 

 

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home