القلم العلمي

 

الذكاء الاصطناعي ودورة في عملية التنمية الاقتصادية

أريب محمد عبد الغني



الذكاء الاصطناعي ودورة في عملية التنمية الاقتصادية
بقلم / أريب محمد عبد الغني/ اليمن
 
تعود كثير من جوانب الذكاء الاصطناعي إلى العهود القديمة، كون الذكاء الاصطناعي أحدث ما ابتكر العقل البشري في العقود الخمسة الأخيرة من القرن العشرين من حياة الإنسان، فقبل وجود الحاسوب أو حتى الإلكترونيات والكهرباء حاول الإنسان خلق بعض الأشياء لها بعض صفاته، وعلى سبيل الذكر في القرون الوسطى يذكر أن البابا سيلفستر الثاني صنع آلة قادرة على النطق بعدد معين من الكلمات والإجابة عن بعض الأسئلة بنعم أو لا، أما العرب فقد عملوا بـ(آلات الحيل) أي الآلات ذاتية الحركة منذ القرن التاسع للميلاد وكانت أبرزها الآلات الموسيقية والساعات والنوافير، ويرى الكثير من ذوي الاختصاص إن هندسة الحيل العربية هي السلف المباشر للكثير من الأجهزة الحديثة مثل ساعات الماء الأوروبية والآلات البيع والآلات المحاسبية، وهذه الأمثلة بعض من محاولات الإنسان في العصور القديمة وهناك كثير من المحاولات، الكثير منها برز في القرون السابقة أو اللاحقة، وقد أغنى الخيال العلمي هذا المجال في كثير من حكايات الإنسان الآلي أو الآلة التي تقوم بمهارات متعددة عوضاً عن الإنسان.
 بدأ الإنسان أبحاثه في مجال الذكاء الاصطناعي حديثاً (الثلاثة العقود الأخيرة)، وظهور مجتمع المعرفة كمرحلة جديدة من مراحل التطور أعقبت المرحلة الصناعية (الموجة الثالثة)، باعتبار أن البشرية قد عرفت في تاريخها موجتين حضاريتين سابقتين هما: موجة عصر الزراعة، وموجة عصر الصناعة، وها هي اليوم تدخل عصر المعرفة التي نتج عنها ولادة وتكامل تكنولوجيا المعلومات المركبة، إذ أصبح الانتقال من المعرفة العلمية إلى تطبيقاتها التكنولوجية أمراً أكثر سهولة بزمن أقل وبمردود اقتصادي أعلى من جهة، فضلاً عن الاندماج بين تكنولوجيا معالجة المعلومات (الحاسوب وتطبيقاته) وبين تكنولوجيا الاتصالات الرقمية وتطبيقاتها (الشبكات ـ الإنترنت) من جهة ثانية.
وإذا كان المجتمع الصناعي اعتمد على البخار والفحم والميكانيكا ثم على النفط والكهرباء والطاقة النووية مثلما يعتمد على الرأسمال الذي يستعين بقوة الدولة لتأمين المواد الخام وفتح الأسواق، فإن مجتمع معرفة المعلومات يعتمد أساساً على العقل البشري في اكتشافاته للالكترونيات الدقيقة والهندسة الحيوية والذكاء الصناعي والاتصالات والحاسوب، علاوة على إمكان توليد المعارف والمعلومات حول شؤون الأفراد والمجتمعات، وخزن هذه المعلومات مع إمكان استردادها وتوصيلها بسرعة الضوء إلى أي بقعة في العالم.
الذكاء الاصطناعي بدأ رسمياً في الخمسينات من القرن الماضي، أما قبل هذه الفترة، فنجد أن عدداً من العلوم الأخرى عنيت بشكل أو بآخر بالذكاء الاصطناعي وبطريقة غير مباشرة، باستعراض علم الوراثة نجد ما يرتبط بالذكاء في حقل دراسة جينات العلماء في محاولة لإرجاع ذكاءهم للوراثة، في الفيزياء نجد أن جميع الطلاب بلا شك يشعروا بأن جميع الأفكار الجيدة أخذت من غاليليو وآينشتاين ونيوتن وبقية العلماء، ولابد من الدراسة لأعوام عديدة حتى يتسنى لأحدهم تقديم اكتشاف جديد. في المقابل فإن الذكاء الاصطناعي لا يزال مفتوحاً ليشغِل بدراسته آينشتاين جديد. كذلك شغلت الفلاسفة بالبحث عن ماهية الذكاء قبل أكثر من ألفي عام، فقد حاولوا فهم كيف تتم رؤية الأشياء، وكيف يتم التعلم، والتذكر والتعليل، ومع حلول استخدام الكمبيوتر في الخمسينات تحولت هذه البحوث إلى أنظمة تجريبية واقعية.
حالياً فإن للذكاء الاصطناعي تطبيقات عديدة، سواء كانت تطبيقات ذات أغراض عامة مثل الإدراك والتعليل المنطقي، أو كانت مهمات ذات غرض خاص مثل لعب الشطرنج أو التشخيص الطبي، غالباً فإن الخبراء والعلماء يتوجهون إلى الذكاء الاصطناعي لحفظ خبراتهم وتجاربهم التي قضوا بها حياتهم، فالذكاء الاصطناعي مجال عالمي يصلح لجميع التوجهات.
لقد بات واضحاً اليوم أننا أمام شكل جديد من التطور المجتمعي يعتمد في نمط سيطرته ونفوذه على المعرفة عموماً، والعلمية منها خصوصاً، مثلما يعتمد على كفاءة إنتاج المعلومات واستخدامها في جميع نشاطات الحياة ومجالاتها، حيث تتعاظم مكانة صناعة المعلومات وأهميتها بوصفها الركيزة الأساسية في بناء الاقتصاديات الحديثة، وتتعزز قوة الأنشطة المعرفية لتحتل أكثر المفاصل حساسية وتأثيراً في منظومة الإنتاج الاجتماعي والثقافي، وغالباً ما يطلق على هذا التحول خطأً (عصر ثورة المعلومات)، ذلك لأن المعلومات لا تشكل إلا جزءاً من الثورة المعرفية التي تقوم على العلم والتقدم التكنولوجي في مجالات البيولوجيا ونظريات الكم وميادين الاتصالات والمعلوماتية، وعلى التفاعل المستمر بين هذه الحقول المعرفية الثلاثة.
ولأول مرة منذ أن كتب (فرنسيس بيكون) قبل ما يقارب أربعة قرون، أن (المعرفة قوة) يتوقع علماء (المستقبليات) أن تكون المعرفة وتطبيقاتها إحدى أهم مظاهر القوة في عالم الغد، و لعلى التطور الأبرز في هذا المشهد ظهور المقدمات اللازمة لولادة (اقتصاد المعرفة)، وهو ميدان اقتصادي جديد يقوم على فهم أكثر عمقاً لدور المعرفة في إعداد الرأسمال البشري المتعلم والمدرس وحسن الاستفادة منه في عملية التنمية البشرية المستدامة، إذ أن الإنسان بطاقاته ومواهبه منطلق التنمية وأداتها، مثلما هو هدفها النهائي وغايتها، وإذا ما لم نُعيد النظر في استراتيجياتنا التنموية بحيث نجعل من الاستثمار في مناجم العقول أولوية ثابتة، لأنه الاستثمار الأمثل على المدى المتوسط والبعيد، فإننا نفوت دون مبرر، إحدى الفرص الهامة للانخراط في ميادين السبق التي ستفرز بالنتيجة الأمم والشعوب التي ستساهم في صياغة ملامح الغد عن تلك التي ستكتفي بأخذ موقع المنفعل السلبي والمتفرج على ما يحدث.
لقد أصبحت المعرفة مورداً اقتصادياً يفوق بمردوديته وكفاءته الموارد الاقتصادية الطبيعية، فالقيمة المضافة الناتجة عن العمل في القطاعات الكثيفة المعرفة تفوق بعشرات وربما بمئات المرات القيمة المضافة الناتجة عن العمل في القطاعات الاقتصادية التقليدية.
لم تعد الثروة مجرد مواد خام وطاقة، ولا حتى صناعة وزراعة تقليديتين، الثروة الفعلية التي لا تنضب هي ثروة المعرفة، ويكفي إلقاء نظرة على مساهمة القطاعات الاقتصادية والشركات التي تعمل في مجال الذكاء الصناعي والبرمجيات والتقنيات الحيوية إضافة إلى الاتصالات وغيرها، للتأكد من أن المعرفة المتقدمة قد أدخلت المجتمعات التي تحاول احتكار الإنتاج في هذه القطاعات الحساسة لما بعد المرحلة الصناعية.
و لعلى أكثر ما يعنينا إدراك مدى وعمق ما تحمله هذه التحولات من نتائج وآثار مباشرة وبعيدة المدى، فمن منظور التنمية البشرية، لم يعد مجدياً تنمية الموارد وحفز الاقتصاد واللحاق بركب التقدم العلمي بتجاهل هذه التأثيرات أو التأخر في أخذها بالحسبان، بصيغة أخرى تقتضي النظرة النقدية لحالة التنمية في البلاد العمل على إجراء زيادات حاسمة في الإنفاق المخصص لتعزيز إنتاج المعرفة ونشرها عموماً، مع إبلاء اهتمام خاص للتعليم في مراحله المختلفة والبحث العلمي بمختلف ميادينه، مع إعطاء أفضلية لبعض القطاعات التي تعدّ استراتيجية ويشكل النجاح فيها قاطرة ودافعاً لمزيد من النجاحات التنموية، فاستراتيجية بناء القدرات البشرية وما تستلزمه من تجويد نوعية التعليم وخلق البيئة المناسبة لتشجيع البحث العلمي وتوفير مراكز الأبحاث الأكاديمية لإعداد الخبراء والباحثين وتشجيع الابتكار وحماية حقوق الملكية الفكرية ودعم أصحاب براءات الاختراع، يمكن أن تخلق الأرضية الضرورية لحفز صحوة معرفية أصبحت أكثر من مطلوبة، نظراً لما يمكن أن توفره من قدرات ونتائج ستنعكس بالضرورة ليس على رفع مؤشرات النمو الاقتصادي فحسب، بل وعلى (نوعية الحياة) بوصفها استحقاقاً تنموياً أصيلاً يستحق الجهد والمتابعة، فمؤشرات رفاه الإنسان وتحسين نوعية الحياة أمراً يتعدى النتائج الاقتصادية الإيجابية للنمو، ويتطلب مشاركة جميع المعنيين بالشأن التنموي، أي الحكومة والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني، بعد أن أثبتت التجارب أن العزوف عن المشاركة في الشأن العام قد شكل في الماضي أحد أهم أسباب فشل التجارب التنموية السابقة.

الذكاء الإنساني:
قال الله تعالى في محكم آياته: (ومن آياته يريكم البرق خوفاً وطمعاً وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون), وقال سبحانه وتعالى: إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب (صدق الله العظيم).
ويبين قوله تعالى أهمية العمليات الذهنية mental processes أولاً في تمييز الإنسان عن غيره من المخلوقات، وثانياً في تمييز إنسان عن آخر.
 الذكاء هو من أهم العمليات أو الأنشطة التي يقوم بها عقل الإنسان ومن الصعب تعريفه بدقة: أهو القدرة على الاستنتاج ؟ أم هو القدرة على تحصيل العلم وتطبيقه ؟ أم هو القدرة على استيعاب الأشياء وتصورها والتأثير عليها في العالم الحسي ؟
الذكاء الاصطناعي يعتبر لغز مهم:
كيف من الممكن لهذا الدماغ الصغير، سواء كان بيولوجياً أو إلكترونياً، أن يفهم ويدرك ويتنبأ ويتفاعل مع عالم أكبر وأعقد من الدماغ نفسه؟ كيف لنا أن نسلك طريق يعنى بصناعة مثل هذا الدماغ الصغير بكل صفاته المعقدة؟ هذا سؤال صعب، ولكن بخلاف البحث عن وسيلة مواصلات أسرع من سرعة الضوء فإن الباحث في علم الذكاء الاصطناعي والدارس له يجد أن هذا العلم قائم على أسس متينة وممكنة، كل ما عليه هو النظر إلى المرآة ليجد مثالاً حيّا عن النظام الذكي.

ما هو الذكاء الاصطناعي؟
هو أحد علوم الحاسب الآلي الحديثة التي تبحث عن أساليب متطورة لبرمجته للقيام بأعمال واستنتاجات تشابه ولو في حدود ضيقة تلك الأساليب التي تناسب لذكاء الإنسان، فهو بذلك علم يبحث أولاً في تعريف الذكاء الإنساني وتحديد أبعاده، ومن ثم محاكاة بعض خواصه، وهنا يجب توضيح أن هذا العلم لا يهدف إلى مقارنة العقل البشري الذي خلقه الله جلت قدرته وعظمته بالآلة التي هي من صنع المخلوق، بل يهدف هذا العلم الجديد إلى فهم العمليات الذهنية المعقدة التي يقوم بها العقل البشري أثناء ممارسته ( التفكير ) ومن ثم ترجمة هذه العمليات الذهنية إلى ما يوازيها من عمليات محاسبية تزيد من قدرة الحاسب على حل المشاكل المعقدة.
الذكاء الاصطناعي للحاسب الآلي:-
يمكن تعريف الذكاء الاصطناعي للحاسب الآلي بأنه القدرة على تمثيل نماذج محاسبية Computer Models لمجال من مجالات الحياة وتحديد العلاقات الأساسية بين عناصره، ومن ثم استحداث ردود الفعل التي تتناسب مع أحداث ومواقف هذا المجال، فالذكاء الاصطناعي بالتالي مرتبط أولاً بتمثيل نموذج محاسبي لمجال من المجالات، ومن ثم استرجاعه وتطويره، ومرتبط ثانياً بمقارنته مع مواقف وأحداث مجال البحث للخروج باستنتاجات مفيدة، و يتضح أن الفرق بين تعريفي الذكاء الاصطناعي والإنساني المذكورين أعلاه هو القدرة على استحداث النموذج فالإنسان قادر على اختراع وابتكار هذا النموذج، في حين أن النموذج المحاسبي هو تمثيل لنموذج سبق استحداثه في ذهن الإنسان، وثانياً في أنواع الاستنتاجات التي يمكن استخلاصها من النموذج فالإنسان قادر على استعمال أنواع مختلفة من العمليات الذهنية مثل الابتكار Innovation والاختراع Creativity والاستنتاج بأنواعه Reasoning في حين أن العمليات المحاسبية تقتصر على استنتاجات محدودة طبقاً لبديهيات وقوانين متعارف عليها يتم برمجتها في البرامج نفسها.
 ويعتبر مجال الذراع الآلية الذكية Smart Robot وأنظمة الخبراءExpert Systems  أهم مجالين من هذه المجالات وفيما يلي نبذه مبسطة لهاتين التقنيتين وإمكانياتهما: -
الذراع الآلية الذكية:-
استخدمت الذراع الآلية مؤخراً في المصانع للقيام بالأعمال الروتينية التي تحتاج إلى قوة عضلية ولا تتطلب عمليات أو أنشطة ذهنية معقدة مثل عمليات اللحام والدهان في مصانع السيارات، وقد اعتمد تشغيل هذه الأذرع على دقة وسرعة أنظمة التحكم Control Systems التي تعمل بواسطة أجهزة الحاسب الآلي، وكان اليابانيون أول من استعمل هذه ألأذرع بصورة موسعة في صناعة السيارات والذي نتج عنه غزو اليابان للأسواق العالمية بسيارات ذات جودة عالية وأسعار منافسة.
ومع تطور أنظمة التحكم الآلية وازدياد قدرة الحاسبات الآلية التي تشغلها ازدادت قدرات الذراع الآلية وأصبحت تقوم بأعمال دقيقة ومركبة كصنع شرائح الميكرو كمبيوتر وغيرها من الأعمال التي تتطلب أنظمة تحكم معقدة وصعبة، إلا أن هذه الأعمال كانت محدودة بما يمكن إنجازه باستخدام أساليب البرمجة التقليدية وقد أدى إدخال أساليب الذكاء الاصطناعي في برمجة هذه الأذرع إلى فتح أفاق جديدة لم تكن ممكنة من قبل، فأصبحنا اليوم نتكلم عن أذرع تستعمل الرؤية الإلكترونية     Electronic Vision  في فرز المنتجات وفي تحريك الذراع أو عدة أذرع في حيز ضيق بأسلوب مرن يتناسب مع متغيرات البيئة التي يعمل بها، ويتلخص أسلوب الرؤية الإلكترونية في تحويل الصورة الإلكترونية المكونة من نقاط Pixels سوداء أو بيضاء إلى خطوط وأضلاع متصلة لتكوين صورة، ثم مقارنة خصائص الصورة الناتجة بالنماذج المخزونة سابقاً في الجهاز، ويمكن بهذه الطريقة التعرف مثلاً على صورة الطائرة من أجنحتها وذيلها، وتمييز المطار بمدرجات إقلاع الطائرات، والمسجد من مئذنته وهكذا وتتمثل صعوبة الرؤية الإلكترونية في اختلاف الصورة مع اختلاف الإضاءة المسلطة على الجسم ووقوع الظل على أجزاء منه، ولتقنية الرؤية الإلكترونية تطبيقات عديدة في مجالات توجيه الصواريخ والطائرات والتوابع ( الأقمار الصناعية )...الخ، ومن أشهرا لأنظمة التي تستعمل الرؤية الإلكترونية في المجال الصناعي هو نظام كون سيت Consight المستخدم الآن في شركة جنرال موتورز للسيارات بكندا والذي يسمح للذراع الآلية الذكية بفرز قوالب محركات السيارة Engine Casts   أثناء مرورها أمامه على الحزام المتحرك تحت إضاءة معينة، وبعد تحليل الضوء تقوم الذراع باستخراج القوالب التي لا تتفق والمواصفات المطلوبة، ويمثل استعمال أكثر من ذراع واحدة في حيز ضيق صعوبة فنية كبيرة نظراً لخطورة اصطدام بعضها ببعض، كما أن التنسيق بينها في التعاون على إنجاز عمل ما له مشاكله الفنية نظراً لضرورة متابعة كل ذراع وما يقوم به من عمل بالإضافة إلى ما أنجز غيره من أعمال، وقد أقتصر استعمال الأذرع الآلية إلى عهد قريب على استخدام كل ذراع على حدا ، حيث أن استخدام أكثر من ذراع واحدة في إنجاز مهمة مركبة يحتاج إلى أنظمة آلية جديدة ومعقدة تقوم برسم الخطة العامة للحركة وتقوم باستنتاج الخطوات المنطقية التي يجب أن تنفذها كل ذراع ، وبالتالي فهي أنظمة تحتاج إلى الذكاء الاصطناعي وأساليبه في استحداث نماذج محاسبية للبيئة وتخزين قوانين وأسس الحركة المطلوبة ورغم ظهور بعض الأنظمة الآلية تمكن الذراع الآلية من الحركة الذاتية مثل نظام  ستربس Strips إلا أن معظم هذه الأنظمة ما زال في أطوار البحث والتطوير.

أنظمة الخبراء:-
لفظ الخبير مشتق من الخبرة، وهو الشخص المتمرس الذي مر بتجارب عديدة صقلت فهمه لمجال من المجالات وأغنت فكرة بمعلومات اختص بها دون غيره، وميزته عن غيره من المختصين في المجال وبذلك استحق لفظ خبير. وتهدف أنظمة الخبراء Expert Systems إلى تطوير برامج محاسبية تستطيع تحليل الأحداث والمواقف في مجال من المجالات والوصول إلى نفس الاستنتاجات أو النتائج التي يصل لها الخبير، ويتم ذلك عن طريق استحداث نموذج محاسبي يوازي النموذج الذهني لدى الخبير وخزن المعلومات به، وقد دلت الأبحاث على أن المعلومات التي يستخدمها الخبير في عمله خاص بالمعلومات الشائعة في هذا المجال مثل الحقائق والقوانين facts المتعارف عليها والمقبولة لجميع المختصين Heuristics  التي يتميز بها الخبير عن غيره، وهذه القوانين يستخلصها الخبير من التجارب التي مر بها وتقوم بتوجيه بحثه ودراسته للحالة المعروضة عليه ومساعدته في الوصول إلى النتائج المطلوبة، وقد تختلف هذه القوانين التخصصية من خبير إلى آخر، كانت الورقة العلمية التي تقدم بها البروفيسور فايجنباوم faygenbaum خبير الذكاء الاصطناعي في جامعة ستانفورد لمؤتمر الذكاء الاصطناعي العالمي لعام 1977 م أكبر الأثر في توجيه هذا العلم الجديد، فقد طرح البروفيسور فكرة أن قوة أنظمة الخبراء تنبع من المعرفة Knowledge التي تختزنها وليس من قدرتها على تمثيل النماذج والقيام بعمليات استنتاجية، ومن هذه النظرية ركزت الأبحاث الجديدة على استخلاص المعرفة من الخبراء عوضاً عن التركيز على الطرق المختلفة للتمثيل والعمليات ألاستنتاجيه المعقدة، وهما موضوعان لم يتم تكوين نظريات متكاملة حولاهما بعد وبالتالي فهما يعانيان من قصور في تطبيقاتهما العملية.
ومن أوائل أنظمة الخبراء التي تطورت حتى الآن نظام مايسن Mycin لتحليل وعلاج وأمراض الدم المعدية، وقد طور هذا النظام في جامعة ستانفورد حيث احتوت قاعدة معلوماته على نحو ( 400 ) قانون تربط العوارض المحتملة للمرض بالاستنتاجات الممكنة، وقد قورنت النتائج المستخرجة من نظام مايسن في كثير من تحليلاته على مستوى الأطباء الموجودين في اللجنة.
ويعتبر نظام بروسبكتر Prospector أيضاً من أنجح الأنظمة التي طورت حتى الآن حيث قام باكتشاف ترسبات معدن الموليبدنم Molybdenum في ولاية واشنطن بالولايات المتحدة الأماكن التي قرر الخبراء عدم جدوى البحث فيها، وقد بلغت قيمة هذا الاكتشاف نحو مئة مليون دولار أمريكي، ومجال أنظمة الخبراء هو حديث الساعة في مجال الذكاء الاصطناعي، وذلك نظراً لكونها أنجح التطبيقات العملية لهذا العلم الجديد، وتوجد اليوم شركات عديدة تسوق ما يسمى بقشرة أو هيكل النظام Expert Shells وهي أنظمة تسهل عملية تمثيل النماذج المحاسبية وتخزن قوانينها ومن ثم إجراء الاستنتاجات عنها بصورة آلية، وبذلك يتم التركيز على استخلاص المعرفة من الخبير أو الخبراء ووضعها في قوانين Rules تناسب وأسلوب عمل هيكل النظام المختار، وتسمى هذه العملية بهندسة المعرفة Knowledge Engineering كما يسمى الذين يقومون بها مهندسي المعرفة Knowledge Engineers ويوجد حالياً في الأسواق هياكل أنظمة خبراء عديدة تختلف في نقاط تفوقها وضعفها وفي أسعارها ومجالات تطبيقها، كما ظهرت أخيراً هياكل أنظمة تعمل على الحاسب الشخصي وبأسعار مقبولة نسبياً مما يشير إلى قرب وصول هذه الأنظمة إلى الأسواق التجارية بأسعار منافسة.
ورغم النجاح الذي حققته كثير من هذه الأنظمة فإنه يجب أن نتوخى الحذر وعدم التسليم لكل ما يخرج من هذه الأنظمة من نتائج أو استنتاجات، كما يجب الابتعاد عن الخوض في توقعات خيالية عن قدراتها، والذي يجب توضيحه هو أن هذه الأنظمة لا يمكن أن تحل محل الخبير نهائياً، وأنه على الرغم من أن كثيراً من النتائج التي تتوصل لها الأنظمة تتطابق أو حتى تفوق النتائج التي قد يصل لها الخبير إلا أن هذه الأنظمة تستخلص قوتها من التركيز على موضوع معين ومحدود لمجال من المجالات وأنه كلما أتسع نطاق هذا الموضوع ضعفت قدرتها ألاستنتاجيه والعكس صحيح.
ومن ذلك فإن أنظمة الخبراء ذات فائدة كبيرة ما دامت تستخدم من قبل شخص مختص بموضوع مجال البحث ومطلع على الأساليب والتحاليل التي يستخدمها النظام في الوصول إلى استنتاجاته، وهي مفيدة في يد " أنصاف الخبراء " ذوي المعرفة الجيدة للموضوع إلا أنها قد تؤدي إلى نتائج عكسية، فمثلاً إذا وضع نظام مثل نظام Reactor الذي يحلل أخطاء المفاعلات النووية في يد شخص لا يعرف عن المفاعلات النووية شيئاً وتصور هذا الشخص أنه بذلك أصبح خبيراً وبدأ يعبث بالمفاتيح فإن النتائج سوف تكون خطيرة بلا شك، ولأنظمة الخبراء مجالات معينة أثبتت قدرتها فيه أكثر من غيرها فقد اشتهرت في التخطيط Planning وفي تحليل العوارض وتحديد الأخطاء Diagnostics  وفي التصميم Design وفي القيادة والسيطرة Command and Control  وغيرها من المجالات المتخصصة التي تم فهم العمليات المطلوبة لها، والتي تتناسب والقدرات التمثيلية والاستنتاجية لهياكل الأنظمة المستخدمة، نستنتج من كل ما تقدم أن أنظمة الخبراء أو بالاحرى نظم قواعد المعرفة Knowledge Base Systems كما يفضل كثير من الباحثين تسميتها: هي أنظمة جديدة ذات قدرات تفوق بمراحل قدرات الأنظمة الآلية التقليدية حيث أن لها القدرة على الحصول على الاستنتاجات بمعلومات متناقضة وغير مكتملة Incomplete and Inconsistent knowledge  وهي بذلك تحاكي الخبراء والقادة العسكريين الذين غالباً ما يتخذون القرارات تحت هذه الظروف، وهي تقنية عملية مفيدة مادامت تستخدم من قبل المختصين وطبقت في المجالات التي تتناسب مع حدود المعرفة لقدراتها.
وفي الختام يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي هو اسم أطلق على مجموعة من الأساليب والطرق الجديدة في برمجة الأنظمة المحاسبية والتي يمكن أن تستخدم لتطوير أنظمة تحاكي بعض عناصر ذكاء الإنسان وتسمح لها بالقيام بعمليات استنتاجية عن حقائق وقوانين يتم تمثيلها في ذاكرة الحاسب، ولا يزال كثير من نظريات هذا العلم الجديد تحت بحث وتطوير إلا أن هناك بعض التقنيات المعتمدة عليه بدأت تخرج للمجال العلمي، وقد أثبتت فعاليتها حيث أنجزت أعمال كان من شبه المستحيل القيام بها باستعمال البرمجة التقليدية .

 




  أرشيف القلم العلمي

اطبع الموضوع  

Home