قصة

 

الوهم

مازن الشامي



 

 

عدت إلى الفندق في الساعة الواحدة ليلاً وانا أتصور جلوس الرجل العجوز خلف الطاولة وعلى يساره لوحة المفاتيح، ذلك الرجل الذي استقبلني صباحاً بابتسامته البشوشة عندما سألته عن غرفة شاغرة، طرقت على المائدة، ولم يجبني أحد
يبدو أنه نائم، فسحبت مفتاح غرفتي رقم / 9 / وانا اتجه صوب غرفتي ، تناهى إلى مسمعي صوت سقوط ركوة القهوة على البلاط. أيقظ الصوت شهيتي لاحتساء فنجان قهوة، تخيلت جلوسي في الغرفة احتسي القهوة، وألحت الرغبة اكثر وقادتني إلى مصدر الصوت، مددت يدي ودفعت باباً صغيراً وأدى إلى غرفة صغيرة ، دخلتها ورأيت شخصاً يولي بظهره إليّ ويحرك طعاماً على سخان كهربائي تأحأحت ((احم احم ) فاستدار الشخص بحركة بطيئة ولما رآني ارتعد وعلاه ارتباك، فبادرته ، : آسف الآن فقط أنهيت مشواري......................

فلم يرد عليي ثم أدار ظهره مرة ثانية وعاد إلى تحريك طعامه وبعد قليل حمل صحنه ومر بجانبي خارجاً، رأى نفسه وحيداً في الغرفة فدنا إلى البراد، ورفع قنينة من الماء البارد إلى فمه عندئذ تناهت وقع خطوات، فاستدار والقنينة في فمه رأيت ذاك الشخص يدنو من البراد ويسحب ربطة الخبز من الدرج الأسفل الذي يشبه صندوق، فوضع القنينة مكانها قبل إغلاق الباب، قال لي هذه المرة وهو يهم للخروج: تفضل كل معي أجبته وانا أيضاً استعد بالخروج: لا شكراً، لكن عندما تفرغ(((تنتهي )) أرجوك اجلب لي فنجان قهوة إلى الغرفة رقم (9)
أجابني وقد وقف في المدخل: أنا نزيل مثلك، يبدو ان العامل المناوب نام في إحدى الغرف الفارغة،و أنا مستأجر غرفة شهرية هنا، هل نزلت اليوم؟؟
- قلت أجل اليوم هو الأول، أعني هذه أول ليلة لي.
فرد عليّ بلهجة ضيافية: لا يهمك، سأعمل لك القهوة بشرط أن تعتبر نفسك ضيفي.
- ما دمت أسكن هنا بصفة دائمة فأنت ضيفي
قالها مازحاً واتجه إلى غرفته .


تصفحت كتاباً، وبعد نحو ربع ساعة دخل الشخص يحمل فنجاني قهوة تتوسطهما كأس ماء.وعندئذ لم أجد بداً لتكرار اعتذاري الشديد وسوء الفهم، ولكن الشخص ذكرني بالشرط الذي بموجبه صنع له القهوة، فطلبت إليه الجلوس وهو ينظر إلى الفناجين وعند جلوسي سألني الشخص: من أين حضرتك؟ قالها وهو يرتشف القهوة المغلية جيداً والمرتفعة الحرارة: أنا يا سيدي كنت اعمل في لبنان وابحث عن عمل هنا وانا اصلي من مدينة حلب ،
- \هو\\\وهل ستمكث طويلاً؟؟
- حوالي ستة أيام فقط وأنت؟؟\\\\\انا
- هو \\لا أدري… هذه مسألة خاصة،
\\انا \\\هل جئت لعمل، أم لزيارة أحد؟؟
- لا هذا ولا ذاك، جئت لزيارة اللا أحد، اعتدت على هذه الزيارات كل ستة شهور، أزور من لا أعرفهم مثل زيارتي لك الآن.
قال لي و يحدق بيّ ملياً: هذه الزيارات ضرورية على ما يبدو لأي شخص وليس لك فحسب.
قالت: أحياناً نضجر الذين نعرفهم ونلجأ إلى الذين لا نعرفهم ولم يسبق لنا أن رأيناهم.
ولكن هل تسمح لي أن أسألك سؤالاً؟
قال لي : وهل جلوسنا لغير الحديث والأسئلة والتعارف؟؟
- سألته: ماذا تعمل؟
الشخص : يا سيدي أنا الآن متوقف عن العمل.. وغرق في صمت كئيب.
- سألته محاولاً طرد شبح الصمت: أعني مهنتك في الحياة؟
فرفع الشخص رأسه وأجاب: كنت أعمل في الخارج وبقيت خمس سنوات متواصلة خارج البلاد، سافرت منذ 5 سنوات حين كان عمري 24 وعدت منذ ثلاثة شهور.
- وبيتك، ألا أهل لك؟؟ \\\\\انا
اجاب :لي أهل ولكن منذ ثلاثة شهور تفشل محاولات الذهاب إليهم، لقد فقدت كل شيء فماذا أفعل بأهلي،، إنهم يعجزون عن تقديم أي عون لي،،
قلت أنا أصغرك بخمس سنوات وأقول بأنك ما تزال تتعثر بمد قدمك إلى الدرجة الأولى من درجات الحياة لم تشرب كأساً من النهر الذي ستشربه، اليأس في سنك لا يعني غير الهزيمة في أفضل التفسيرات.
قال وما زال محافظاً على هدوئه: يا سيدي قد يحدث وأغرق في نهري قبل أن أشربه.
واانا اواصل كلامي دون انقطاع: الذي يجدي هو أن تصر على شربه وتدافع عن حقك للحصول عليه، وإن شئت اسبح فيه كما تسبح الطيور في الفضاء .



ولما أخذ الحديث هذا الاتجاه المتوتر عرض الشخص عليّ فنجان قهوة أخرى في غرفته والسهر حتى طلوع النهار ثم عزمني على وجبة الغذاء مقدماً فوافقت على فنجان القهوة على أن يعذرني من الغذاء وخرجت من غرفتي ناظرا في فراغات الممر وقادني الشخص وهو يقول: ليس هناك أطيب من السهر في الفنادق 0
جلست على كرسي في الغرفة وخرج الشخص ليحضر القهوة وكانت الساعة تشير إلى الثالثة وعشر دقائق صباحاً فهتفت به على فكرة، ما اسمك؟؟
جاء الصوت من الممشى : اسمي كاظم

تأملت محتويات الغرفة كل شيء يوحي بأنه سيهجر الغرفة صباح الغد، الثياب مرمية على الأرض،نقود ورقية ذات فئات صغيرة مرمية في الزوايا، أحذية
مقلوبة، صحون متسخة تأكلها العفونة، فناجين قهوة مكسورة، علاقة ثياب مخلوعة، واتى كاظم حاملاً القهوة وقال: هل أعجبتك هذه الفوضى؟
اجبته ::تعجبني الفوضى إذا كانت منظمة، ولكن الرائحة الكريهة تخنق، هل أعينك في الترتيب وخلق فوضى منظمة؟؟
قال كاظم: لا أشعر بأي رغبة لذلك،
- أرجوك قل لي ما تخفيه، ثلاثة شهور وأنت لا تعمل وتعيش في هذه الغرفة، هل تفسر لي ؟؟؟\\انا
جلس كاظم وقال: سأقول لك يا صديقي وأنا أعرف بأنك لا تستطيع أن تقدم لي شيئاً.


وتحدث عن طفولته السيئة وهروبه من البيت إلى دمشق والأعمال التي قام بها وهو في الثالثة عشرة من عمره ثم سفره إلى لبنان، ومن هناك سفره إلى خارج البلاد بجواز سفر مزور، وبعد خمس سنوات من العمل استطاع أن يدخر مبلغاً جيداً وفكر بالعودة إلى قريته وبناء بيت خاص به والقيام بمشروع تجاري، وفي أثناء هذا التخطيط علم أنه مصاب بالإيدز لأن زوجته التي تزوجها حديثا كانت مصابة وقال كاظم وهو يحدق إليّ بقوة: غادرت البلاد على الفور وعدت إلى بلدي، لم أذهب إلى قريتي إنني متردد كيف تريدني أن أذهب وأنا واثق من إصابتي ، منذ ثلاثة شهور أسكن هنا أنفق نقود مستقبلي، كم أنا ساذج، تافه، لا مستقبل لي، سأموت قريباً،أجل لا بد أن أموت بعد شهور قليلة، بعد سنة في أقصى حدود سخاء هذا المرض البخيل، وليس أمامي إلا أن أعوض نفسي، لا بد أن أعيش مئة سنة في سنة واحدة، لن أنام لحظة واحدة،،، سأعيش كل تفاصيل الحياة ولحظاتها في هذه الفترة المتبقية من عمري، لدي مبلغ جيد يساعدني على تحقيق رغباتي، هل تعتقد يا مازن أن ذلك سيقدم لي شيئاً؟؟؟
ولم تخرج الكلمة المضبوطة من حنجرته
ونهض وقد امتلأت عيناه بالدموع فنظر إليّ كاظم نظرة من ندم على أمر قاله قبل لحظات وسكتنا دون أن نقول كلمة واحدة ولبث سهراناً حتى الثانية بعد الظهر، عندئذ نام ولم يفق إلا في الثامنة صباحاً.
فارتدى ثيابه وخرج، لمحته في الممر المؤدي إلى الأسفل، رفعت يدي مسلماً، استجاب كاظم وهو يدنو إليّ: أرجوك اعذرني، ولكن هذا ما حدث، ليست لدي إضافة.
فقلت : أتمنى لك الشفاء.
- أين ستذهب؟؟
- قال :إلى السوق
- هل ستأخذني معك؟؟؟
قال إن شئت فأنا أرغب في المشي قليلا
لكن قبل ذلك لي رغبة في ترتيب غرفتك، ثم أن ترتدي ثياباً جديدة قلت :
ووافق كاظم على الاقتراح وعادا إلى الغرفة، استغرقت عملية الترتيب نحو ساعة ونصف: عادت إلي الرغبة للحياة. قالها لي وأمسك بيدي نزل بي به درج الفندق، إلى قلب المدينة، وبدأ كاظم يقبل على شراء كل شيء وينفق النقود بتبذير كمن يود التخلص منها.حتى انه اشترى هدايا كان يهديها إلى الناس في الطرقات ويقول: لماذا تمنعني من أكون مبذرا للحظات فقط في نهاية هذا العمر، ، بل سخياً إن شئت ؟؟ وفي الواقع ما صرفه في ساعتين فاق ما جلبته معي لقضاء أسبوع أضعاف المرات، وربما لو كنت في موقفه لما ترددت من ذلك ورغم هذا فلا أعرف، ولست متأكداً بأنني سأموت قبله أو بعده، فقط هذه اللامعرفية مجدية وكلما زدت جهلاً بها كلما تمسكت بالحياة وكلما زدت علماً بها صرت مثل كاظم . هذا الجهل الأعمق يمنحني القدرة على الاتزان وفجأة هتف كاظم بطفولة: مااااااازن أرجوك انظر ، ذاك الشاب انظر إنه في عمري انظر إلى أناقته، ونظرت إليه قائلاً: ما به يا كاظم لقد وعد حبيبته في الحديقة وتأنق لها.
فقال كاظم :في حزن لن أنساه أبداً: لا أحسده على شيء فقط أحسده لأنه ليس مصاباً بالإيدز.
وانحدرت دموع صادقة من عينيه وبعد قليل وضع ورقة نقدية بفئة الف ليرة في يد طفلة تمشي مع والدتها، دون أن تراه الوالدة ومشينا وقال مرة أخرى بذات الحزن المؤلم: أرجوك انظر إلى هذه الفتاة الجميلة.
قلت وأنا أنظر: ما بها يا كاظم؟؟
ليست مصـااااااا،،،،، ولم تدعه الغصة يكمل .
وبدأ يتصرف كالأطفال، يشتري الألعاب، والدمى، والسكاكر، كل تصرفاته كانت تلفت نظري وكنت أتحاشاها في مواقف وابتعد عنه، وكنت أصر على عدم استيائي في مواجهته، وأردد في صدري: ((كانه سوف يموت غدا))
عدنا إلى الفندق مساءً، دخلنا غرفته واقترح أن نأخذ غرفة بسريرين، فقلت له: كما تريد يا كاظم
استفاقت من نومي في الساعة السابعة صباحاً مددت يدي إلى سماعة الهاتف وطلبت غرفة كاظم،عندئذ قلت له بأنني عزمته على وجبة الفطور في محاولة للاعتذار على تركي المفاجئ له ليلة البارحة وبعد نحو ربع ساعة جاء كاظم مرتدياً ثيابه، فدخلت الحمام ولدى خروجي قال كاظم: أتعرف؟؟
قلت: لا
قال: أحسدك لأنك لست ..…….
ومددت يدي إلى شفتيه: أحياناً نتعلم من المرض أكثر من تعلمنا من الشفاء، ويمكن أن نتعلم من المرض في سنة ما لم نتعلمه من الشفاء في ثلاثين سنة.
فقال كاظم: دوماً تحسسني بالانتصار حتى وأنا في آخر خطوات الهزيمة والاستسلام.
قلت: ليست المسألة في أن أعيش يوماً وسنة بعدك أو قبلك وفي جميع الأحوال لن نكون بعد سنوات في الحياة هنا قد أخرج الآن وتصطدمني سيارة فأذهب بحادث، عندئذ وفي لحظات الاحتضار قد أحسدك على مرضك لأنه لن يقتلك بعد دقيقة واحدة على الأقل.


أقفلت باب الغرفة أودعت المفتاح في لوحة المفاتيح وخرجنا، صار كاظم ينط على الدرج كالأطفال، نزلنا إلى قلب العاصمة، اتجهنا إلى الصالحية وإلى / أبو رمانة / 0
قال كاظم: أتعرف قبل التعرف إليك كنت أنتظر الموت فقط الآن أحس بأنه يتعثر بخطواته وينتظر ذهابك لينهض ويهرع إلي، لا يمكن للإنسان أن يخسر كل شيء دفعة واحدة،،
قلت: لن أتركك… ما رأيك أن تقبل دعوتي لزيارتي في مدينتي وتترك الموت هنا؟
شدته عبارة / تترك الموت هنا / وقال: سأجيء
قلت: أنا مستعد

قال بجدية: وأنا أيضاً، وازداد وجهه تفتحاً.. كل ما فيه بدأ يشرق، إنه في عنفوان الشباب والمراهقة، لكنه كلما يرى شاباً يهتف انظر يا مازن ، إنه غير مصاب، ليتني كنته.
وما أقسى وقع هذه العبارة على سمعي، ويكررها بحسرة، وفي نهاية الشارع جلسنا في حديقة صامتة لا أحد فيها، استرخى كاظم على الكرسي ولأول مرة تحدث بحكمة وقال وهو لا ينظر إلي: أتعرف يجب أن يصاب كل شخص بالإيدز ثم يشفى ليدرك قيمة عدم إصابته الثرية.
وبعد قليل قال: على كل شخص إذا أراد أن يستوعب الحياة أن يعيش هذا الشعور ثم يشفى، وصمت، نظر إلي، ثم عاد إلى / اللاشيء /
وابتدع قولا : الإيدز خطوة الإنسان الأخيرة لولادة حياة أكثر نضجاً،
وقال: إن الله يحبنا جميعاً ..

ثم دفن وجهه في راحتي كفيه وتمتم كأنما يغني: لا أريد شيئاً سوى أن أحس للحظة واحدة بأنني لست مصاباً أن أعيش هذه اللحظة، متحرراً من هذا الشبح القاتل الذي يزداد ثقلاً على حركتي ورغبتي في العيش، لا أحد بمقدوره أن يتفهم الحياة بقدري في هذا اليوم البائس من حياتي إنني أكره الإيدز، لو كان رجلا ً لتصديت له، أشعر بسفالته، بمكره مثل الماء الذي يتسرب تحت التبن،ليس بوسع مخلوق على وجه الأرض أن يتعلق بالحياة كالذي داهمه الإيدز الجبان، أنا أفهم تماماً بأنه جبان، وينظر إلى إنجازات البشر بحقد أعمى أكثر من زملائه إنني أعيش الموت لحظة بلحظة يا ماازن ،، الآخرون ربما ينسون هذا الإحساس المدمر، لأن الموت يبدو على البعد دوماً ولا يذكرهم، أما أنا فأتذكره كلما شاهدت شخصاً بدون إصابة , أعتقد بأن عدد سكاننا يتجاوز تسعة عشر مليوناً وإنني واحد فقط من كل هؤلاء، هذا الإحساس يدمرني ويخنقني .الآخرون لايستوعبون هذا الرعب عندما يقولون : سنموت غدا , ولايدرون أي غد يعنون , إنها تخرج على صيغة نكتة , وقد لايعيشون هذا الواقع الأليم إلا لحظات الاحتضار الأخيرة , حتى الطبيب يرفض أن يضعهم في مواجهة رعب كهذا , أما أنا فأعيش حياتي كلها في احتضار دائم وكل يوم يصرخون في وسائل الإعلام وفي الشوارع والملصقات : لن تشفى 0 وتتعالى صيحات التهديد والوعيد وكأنني لست واحدا من بني البشر , وكأنهم بدون خطايا 0
ليتهم جربوا لحظة ألم واحدة من لحظاتي الجحيمية لمزقوا كل هذه الملصقات , ولتحدثوا بشيء من تكاتف إنساني 0 مع هذا اليأس0 أواصل حياتي وأعيش هذه الوخزات الروحية المؤلمة أياما متلاحقة لاتنتهي وأتمسك بها لتمكنني من العيش , وكلما تحققت أمنيتي في العيش أياما أخرى انتشر المرض في حواسي واحتل كل ذرة من جسدي0
كنت أتصور عودتي إلى قريتي الطيبة , وإلى أخوتي الصغار الذين ولدوا ولم أرهم بعد , ولا أعرف ملامحهم , قريتي أعظم من كل تلك البلاد , لا لن أرجع إليها حاملا الموت , لن أحمل إليها الدمار , كان علي أن أعود سليما مثلما خرجت , وأحمل إليها الحياة 0 أفضّل البقاء هنا , الموت هنا , وأحيانا أفكر بالانتحار في ظروف غامضة حتى لاينكشف مرضي , لقد مات كل شيء بالنسبة إلي , غربت شمسي في أولى إشراقتها ولن تشرق ثانية 0

وتغير لون كااظم , ركبه شبح الموت , ماتت الحياة في نبرات صوته الخافتة التي بدت لي الأخيرة التي تصدر منه , وصار ينظر إلي ببؤس العالم : / أنا والحياة كلانا أخذ حقه من الآخر / 0 لن أستمع إلى موسيقاكم بعد الآن , لن أغني , لن أرتدي ثيابا جديدة , لن أرى خيوط الشمس الأولى , سارتمي في ظلمة أبدية ولايزور قبري أحد , لاأحد يزرع وردة , ولا أحد يتمهل للحظة واحدة بجانبي , هناك عندما تسلبني الحياة كل شيء , حتى هذه الأنفاس المتبقية الميتة 0 لن أضيف كلمة أخرى , أشعر بصداع في رأسي يفقدني كل لحظة توازن ,
هل ستأخذني إلى الفندق , أرجوك لاأريد أن أموت في الشارع , أريد أن يحدث ذلك وأنا بمفردي , أن يحدث ذلك بخفية تامة وأنا ممدد على سرير الموت دون أن يكون بوسع أحد أن يصوب النظرة الأخيرة إلى موتي 0
وأخذت كاظم إلى الفندق والدموع تملأ عيني , إنه في أبأس لحظات حياته , لم يسبق لي أن شاهدت مثل هذا البؤس لدى مخلوق 0 وصلنا الفندق بسيارة وكأنها سيارة إسعاف , دخلنا غرفته , لم أتركه , كنت خائفا عليه , واستلقيت إلى جانبه في سريره حتى الصباح 0 استفقت رأيته نائما ولكن ملامح وجهه بدت هادئة مسترخية , وبعد قليل فتح عينيه عندما تركت السرير , ابتسم لي وصار يقبلني بحرارة أشد من حرارة ظهيرة الصيف 0 همست له : انظر ياكاظم , هناك من لايظفر سوى بسنتين من الحياة , ومن لايظفر سوى بشهرين , أنت ظفرت بتسع وعشرين سنة مجانية بدون مقابل , أي شيء آخر تريد , لنفرض أنك مت منذ ثلاث سنوات , أو أنك ستموت بعد عشرة أيام , ما الجديد في الأمر , يكون الأمر مؤلما عندما يترك المرء الحياة ويدرك أن هناك من لا يموت , الموت هومصبنا جميعا , وفي لحظة الموت يتساوى معك من عاش مائة سنة , يمكن لك أن تكتشف الحياة كلها في سنة واحدة من سنوات عمرك ما لم يكتشفها من عاش مائة سنة 0
خرجت هذه العبارات من فمي وهي محاولات أخيرة لتهدئة صديقي , وقد استجاب لبعضها , واقترحت عليه السهر الليلة حتى الصباح في , وفي أمسية لن ينساها اتجهتا خارج المدينة جلسنا على مائدة عامرة تحت الأشجار واتفقنا أن العمر كله كان تمهيدا لهذه الليلة وأما ما يأتي بعدها فلايهم إن طال أو قصر 00 لقد رجعنا إلى الفندق في الخامسة صباحا , , واستفقنا في الثانية ظهرا ,

كان كاظم
في قمة توهجه وعشقه للحياة ويدندن بأغنيات دافئة فقلت له : لقد أمضيت عشرة أيام معك هل تسمح لي بالعودة ؟
وفجأة عانقني وصرخ بهستيريا : أرجوك لاتتركني 0
قلت : لنسافر معا 0
قال : فيما بعد , أنت لست مرتبطا بوظيفة , لايهمك 0 فقلت ولاأدري كيف خرجت العبارة من فمي : ياكاظم قد لاتكون مصابا 0
قال : هذا مستحيل , المرض ينتقل عبر الاتصال , وهي كانت زوجتي على سنة الله ورسوله .
قلت : انه احتمال , ما رأيك بالتحليل ؟
قال : هذا هذيان
قلت : لن نخسر شيئا أرجوك 00 ووافق مكرها 0 دخلنا المشفى الخاص وشرحنا الأمر للطبيب الذي غرز إبرة في ساعد كاظم , سحب قليلا من دم وطلب أن نراجعه بعد يومين ليخبرنا بالنتيجة 0
وطوال هذين اليومين عاش كاظم في توتر وأحيانا لاينام ساعة واحدة وهو يعد الساعات الذاهبة والساعات المتبقية , أجل كان يعد الساعات ساعة , وعندما جاء الموعد , لم يأت , طلب إلي الذهاب بمفردي وجلب النتيجة , ولست أدري أي احتمالات كان يضع , ولماذا قرر الخروج من الفندق معي , وعندما قلت له : أين ستذهب خلال هذه الساعة ؟ لم يجبني , واكتفى بإعلامي أننا ستلتقي في الفندق لدى عودتي 0 سلّمت على الطبيب وطلبت منه النتيجة فأحضرها وناولها لي قائلا : لديك فقر دم 00 وقبل أن يكمل قلت : لست أنا ,إنه صديقي 0 فقال : آ سف لم أعد أذكر , ثم أردف وهو ينظر في نتيجة التحاليل ويناولها ليدي : ونسبة السكر قليلة في دمه , أنصحه بتناول الكاتو والحلوى بدلا عن الخبز لبضعة أيام 0 قلت : ألا يوجد إيدز ؟ فنظر إلي قائلا : قلت لك كل شيء 00هل سمعتني؟؟ ؟ قلت : لا ولكن أريدك أن تقولها , أن تلفظها حتى يطمئن قلبي 0 قال : لايوجد ماتقول 0 سحبت نتيجة التحاليل من يده بفرح طفولي غامر وهرعت صوب الفندق ركضا وأنا أظن أن أي وسيلة نقل لن تكون أسرع مني ,

رأيت كاظم متوترا في انتظاري وما إن رآني حتى انتصب واقفا : هـه اخبرنـي
قلت : دعني أسترد أنفاسي ,
قال : هل أعطاك النتيجة ؟
قلت : أجـل أصبر قليلا
قال : قلها , أرجو ك
قلت وقد نهضت بعد لحظات من جلوس : أنت لست مصابا يا كاظم , بإمكانك الآن أن تعيش شعور الغير مصاب 0 علاه اصفرار بعكس ماتوقعت , وبعد قليل مد كفه إلى الجهة اليسرى من صدره وضغط بقوة وقد احتقن وجهه بصورة غريبة , ثم ببطء شديد رمى جسده علي 00 قلت : كاظم مبروك 0 وأحسستُ بثقل غير عادي لجسده , تراجعت إلى الخلف خطوة , وسقط كاظم على الأرض دون حراك , صحت به ولم يرد , أعلمت صاحب الفندق , وبعد قليل جاءت سيارة الإسعاف وأخذته جثة هامدة 0 في نفس اليوم أعددت حقائبي , الهدايا التي اشتراها لي , واتجهت إلى مدينتي وأنا ألتفت خلفي وأتوقع أن يأتيني صوته من نافذة غرفته في ذاك الفندق الضخم عد يا ماااااااااااااازن انا لم امت انا مازلت على قيد الحياااة عد ارجووووووووووووك




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home