مقال

 

قصائد نوفل أبو رغيف

عباس محمود



قصائد نوفل أبو رغيف في مدح صدام حسين

 

عباس محمود

كثيرٌ من الشعراء المعاصرين قادرين على أن يتحولوا من موقف مُتَطرّفٍ في طرف ما من الصراع إلى موقف متطرف مع الطرف الآخر، وهذا التحوّلُ لا ينبعُ من موقفٍ فكريٍّ أو ما شابهَ إنما ينبعُ من سلوكٍ مُشينٍ في السعي وراء الطرفِ الغالبِ بغية تحقيق المَكاسِبِ الماديةِ والمَناصِبِ الرفيعة.

فمن الشعراء الذين مَدَحوا صدام حسين ونالوا مَكارِمَهُ المالية السخية، الشاعر نَوفل أبو رغيف الموسوي، الذي كانَ يركضُ وراءَ محرري الصفحات الثقافية في الصحف اليومية لينشرَ قصائدهُ التي تُمَجِّدُ أم لمعارك و تُمَجِّدُ مَسيرةَ ( القائد ) وتثني على عزمهِ وأفكارهِ وخطاباته.

لقد كسبَ نوفل أبو رغيف أمولاً كثيرةً من مدحهِ، وملأ جَيبَهُ بالصكوك التي كان يَستَلِمها من وزارة الإعلام وديوان الرئاسة في السابق.

ومما يثيرُ الفزع أنَّ نوفلاً كانَ يمارسُ مدحَ صدام حسين على الرغم من أن صدام أعدمَ والدهُ ( هلال أبو رغيف ضمن ما أعدم من ضباط في الجيش العراقي ) فبأي شيءٍ يمكنُ أن نصف سلوكهَ المُشين هذا.

بعد سقوطِ صدام حسين تحوّلَ شاعرنا المَدَّاح الذي كانَ يُقَبِّلُ كفَّ قاتلِ أبيهِ إلى إعلامي مُنتَسِب إلى المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، فلماذا تحوّل هذا المَدَّاح إلى الطرف الآخر؟ لأنهم هُم الحكام الآن وهم من يمكن أن يَمنَحونه المالَ والشهرة والمناصِب، وكان لهُ ذلك فعلاً فقد أصبحَ إعلامياً ومقدماً للبرامجِ يُطلُّ من شاشةِ قناةِ الفرات ويُتحدثُ عن ظُلمِ النظام السابق وعن جَرائم صدام وأتباعهِ، بل زادَ الطينَ بله إنه في قصيدة عنوانها ( سلام على بغداد نحن ضفافها ) يَسب ويهجو فيها الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد وَيَرِدُ علي قصيدته المُعنونة ( سلام على بغداد أني أعافها ) يَسبّهُ لأنهُ كانَ يَمدح صدام حسين، فوا عجباً من سلوكهِ الوقح يُعَيِّرُ الناس بِعارِهِ, وأنا على يقينٍ من أن عبد الرزاق عبد الواحد لو كان أبوه قد أعدِمَ على يدِ صدام لما مَدحهُ، بل لهجاهُ أيضاً.    

وبعد هذا نصادفُ اليوم ونحنُ ندخلُ دارَ الشؤون الثقافيةِ أن نوفل أبو رغيف صار مديرها العام.

وحين يواجههُ أي شخصٍ بحقيقتهِ يُنكِرُ أنهُ مدحَ وأنه وقفَ يُكَدِّي العطاء أمام ديوان الرئاسةِ السابق، ويصرُّ على أنهُ لم يمدح، وأنهُ من الذين ظُلِموا وأن والدهُ أُعدِمَ وغيرها من البكائياتِ التي يَخدع بها الساسة الجدد، وينطبقُ عليه شعرهُ في هذا السلوك من قولهِ:

وقد كانَ مَن أسرَجتَ صوتكَ صَهوةً           لآثامه،  يَحلو لديه انكسافُها  

فيا ذابحاً طعمَ القوافي بمدحهِ                  ويا كلما امتَدَّت فأنتَ انحرافُها

ونقدمُ للقراءِ بعض ما وجدناهُ من قصائدهِ التي يمدحُ بها المَقبور صدام حسين.

إنَّ كلَّ العراقيون يتذكرون يومَ خَرجَ صدام حسين في شاشاتِ التلفزيون يَضرِب الطاولة في إحدى اجتماعاتهِ ويقول: (( أشوكت تهتز الشوارب .. لو يعطوني قطعَة أرض محاذية لفلسطين لكنتُ فعلتُ ما فعلت)). فسارعَ شاعر المدح الصدامي نوفل أبو رغيف للترويج لفكرةِ القائد المُباركة وكتبَ قصيدتهُ ونشرها فوراً في الصحيفة وهي بعنوان ( ولو يَمْنَحونكَ بعض الحدود )  ( وهي مرفقةٌ مع هذه المقالة صورة من الجريدة ) وجاء فيها:

حسينٌ جديد وطفٌ جديدْ       وأرض وزيتونها وشهيدْ

وقدسٌ محملةٌ بالعتاب         وصمتٌ وقيثارة وبريدْ

وما زلتَ تفتح باب الصباح  ومن ذا يسواكَ وأنتَ الوحيدْ

وعلَّمت نَخلكَ أن يستجيب      إلى ما تريدُ وما لا تريدْ

وهم نائمونَ خلفَ الكراسي  تفوح الخيانات واللا وجودْ

ووحدكَ يا سيد الانتظار       على عَرشِها والبقايا عَبيدْ

ولو يَمنَحونكَ بعض الحدود    وهم خلفها والمنايا شهودْ

...........إلى آخر القصيدة))

لقد كان صدام حسين في كلمته يخاطبُ الحكام العرب (( أشوكت تهتز الشوارب .. لو يعطوني قطعَة أرض محاذية لفلسطين لكنتُ فعلتُ ما فعلت)) فيطلب منهم قطعة أرض محاذية لفلسطين ليعلن الحرب على إسرائيل، لننظر كيف جَسَّدَ نوفل أبو أرغيف بقصيدتهِ طموحَ قائدهِ (  قاتل أبيه )  يقول في أول القصيدة:

( حسينٌ جديد وطفٌ جديدْ     وأرض وزيتونها وشهيدْ )

أصبحَ صدام في القصيدة  ( حسينٌ جديد ) وجعلَ معركتهُ ( طفٌّ جديد ) فكيف رضيت نفس نوفل أن يجعل من شخص الإمام الحسين مقارباً لشخص الظالم صدام حسين؟ فشبهه بالحسين. هذا الفعل لا تفعله إلا النفس العاهرة.

ثم يقول:

وهم نائمونَ خلفَ الكراسي  تفوح الخيانات واللا وجودْ

ويقصد بـ ( وهم نائمونَ خلفَ الكراسي  .. ) الحكام العرب الذين خاطبهم صدام أن يمنحونهُ بعض الحدود مع فلسطين وجعلهم نوفل خَوَنَة. ثم يقول:

ووحدكَ يا سيد الانتظار       على عَرشِها والبقايا عَبيدْ

يصف صدام أنه سيد الانتظار ويعني انتظار النصر على إسرائيل ووضعهُ على عَرش فلسطين وجعلَ الحكام العرب عَبيداً. ثم يقول:

ولو يَمنَحونكَ بعض الحدود    وهم خلفها والمنايا شهودْ

وهنا يضمن قول قاتلِ أبيهِ ويخاطبهُ مؤيداً لقولهِ السابق: (.. لو يعطوني قطعَة أرض محاذية لفلسطين) فينظمها شعراً : ( ولو يمنحونكَ بعض الحدود ).

 إن قصائد نوفل أبو رغيف في مدح صدام لا تُعَدُّ ولا تُحصى وهي مُتناثرةً بين صُحفٍ عدية منها الثورة والجمهورية والقادسية والعراق وغيرها، وأرفقُ مع هذه المقالة صورةً من الجريدِ التي نشرَ فيها قصيدة أخرى بعنوان ( أم لمعارك وفلسطين ظِلاّنِ لنخلةٍ واحدة ) .

أبعدَ هذا ينكرُ نوفل أبو رغيف أنهُ مدحَ صدام حسين وأن نالَ الأموال منه؟

أليس هو ممن كانوا يتقاضونَ رواتبَ شهرية لأنهم من الذين أبلوا بلاءاً حسناً في المدح والترويج للطاغية؟

وها هو اليوم يُبلي البلاء نفسه والترويج نفسه للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق كي يرفعوهُ ويضعوهُ في مناصبِ طالما طمحَ لها ولا تعنيهِ الوسيلة والطريقة للوصول إليها. 

فعلى المجلس الأعلى أن ينتبه لهذا المندس بينهم.

ملاحظة مهمة: مرفقٌ مع المقالة صور من الجرائد التي نشر فيها قصائده المذكورة في المقالة.

 

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home