دراسات هامة

 

المنطقة العربية في الفكر الاستعمار الغربي

محمد فلاح الزعبي



 

(مرحلة ما بعد الانقلاب الجيوبوليتيكي)

محمد فلاح الزعبي

 

لم تكن المنطقة العربية تحت مفهوم الشرق الأوسط سوى تعبير عن المنظور الاستعماري في العصر البريطاني، ورؤية العالم ومناطق النفوذ من زاوية المركز الأوربي؛ وفي الوقت ذاته نفي لأي تسمية أو مشروع لتوحيد الوطن العربي؛ ومن هنا كان تعبير الشرق الأدنى مرادفا للدول العربية الواقعة فيما يسمى بالهلال الخصيب، واختلفت دلالة مفهوم الشرق الأوسط قبيل وأثناء الحرب العالمية الثانية عن دلالته بعد الحرب.

 

وإذا كان المفهوم قد شهد انتشارا متعمدا في العصر الأمريكي فقد اعتراه إضافات عديدة، حتى استقر في المفهوم الأخير تحت عنوان "الشرق الأوسط الكبير". وإلى جانب هذا الاتساع في الدلالة شهد أيضا انقلابا في الأدوار؛ فبينما كان العصر البريطاني يركز على قناة السويس ومصر، أصبح العصر الأمريكي يركز على النفط والخليج. فالتقارير الإستراتيجية الأمريكية -منذ السبعينيات- تتحدث عن خطط التحرك والبدائل المختلفة للسيطرة على منطقة الخليج لضمان إمدادات البترول. وتزايدت هذه الدراسات في إعدادها وحدة لغتها منذ قيام الثورة الإيرانية وإسقاط الشاه؛ وغطت حقبة الثمانينيات، وصولا إلى العمل العسكري في التسعينيات وبداية الألفية الجديدة؛ ثم في تقديم مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي نجد أبعاده العسكرية والسياسية والاقتصادية في تقرير مجموعة الدراسة الرئاسية المقدم في عام 2000، والذي شمل توصيات بالخطوات التي ينبغي أتباعها بالشرق الأوسط من المجموعة الرئاسية الجديدة.

 

إن التركيز على الخليج العربي ودوائره الحيوية والمحيطة به لم تكن رغبة عابرة، ولم يكن صدفة. فمن المعروف أن تأمين الثروة والقوة بالنسبة للولايات المتحدة يرتبط بالتحكم عالميا بسوق النفط ومشتقاته؛ هذا التأمين يشكل أحد المفاتيح الرئيسة في إستراتيجيتها الكونية منذ عام 1945؛ فسيطرتها على تدفق النفط وفر لها الانطلاق الاقتصادي، وتأمين النظام الاقتصادي العالمي وهي نقطة المركز فيه.

 

لقد كانت الولايات المتحدة قبل الحرب العالمية الثانية مكتفية ذاتيا بالنسبة الطاقة؛ لكنها تحولت الآن إلى المستهلك العالمي الأول؛ حيث تمثل 4.6% من سكان العالم، بينما تستهلك ربع إنتاج النفط في العالم. وفي الوقت ذاته -وكما يشدد بعض المحللين الأمريكيين- فإنها لا تزال تستورد 24% من احتياجاتها من نفط الشرق الأوسط([1]). صحيح أن النسبة أقل من نسبتها قبل حرب أكتوبر1973، ولكنها أكثر بنسبة الثلث قياسا بالسنوات القليلة الماضية؛ وهو ما يعنى بالنسبة للعقلية الحاكمة بواشنطن، وللمخططين الإستراتيجيين بها، عدم السيطرة الجازمة في سوق النفط العالمية.

 

إن الباحث عن توجهات السياسة الاستعمارية بعد الثورة البترولية أو ما سمي بالانقلاب الجيوبوليتيكي([2])/الإستراتيجي على حد تعبير العالم الراحل د.جمال حمدان في مطلع الثمانينيات -وذلك في كتابه القيم "إستراتيجية الاستعمار والتحرير"- يستطيع بالقراءة لتلك الكتابات القيمة أن يستشف معادلة البترول والخليج، ودخولهما في صلب الإستراتيجية الاستعمارية الأمريكية. فمنذ أن أصبح الخليج المستودع الأول لمخزون البترول بالعالم تحول تدريجيا ليصبح محور السياسات والصراعات. من هنا كانت المعادلة أو المتتالية التكنولوجية الإستراتيجية الجيوبوليتيكية في عصر بريطانيا هي: الفحم، السكة الحديدية، الباخرة، قناة السويس، مصر، الاستعمار القديم، صراع الإمبراطوريات، ولكن هذه المتتالية تحولت في العصر الأمريكي إلى: البترول، السيارة، الناقلات، الخليج العربي، الاستعمار الجديد، صراع الكتلتين.

 

إن هذا التبدل في اتجاه البوصلة نحو الموقع/الإقليم، وما يفرضه ذلك على الصراع والإستراتيجية، ولانتقال مركز الثقل الإستراتيجي وهو ما يدفع بالضرورة إلى تحجيم أدوار وتضخيم أدوار لإقليم أو دول، وما تحتويه من ممرات صناعية أو بحيرات وخلجان طبيعية. فبعد أن كانت السويس كبيرة والخليج صغيرًا من الوجهة الإستراتيجية، انقلبت الموازين واختلت، فأصبح الخليج كبيرًا جدًا والسويس صغيرة نسبيًا، بل وورث الخليج ومضيقه دور وموقع مصر وقناتها إلى حد بعيد جغرافيا وإستراتيجيًا؛ ومن هنا لم يكن غريبا وقوع ثلاث حروب على ضفاف الخليج وحوله، ولواشنطن يد فيها خفية أو علانية منذ الثمانينيات، وحتى الآن، هذا إلى جانب حربها بأفغانستان.

 

إعادة تعريف الشرق الأوسط:

 لقد ارتبط مفهوم الشرق الأوسط بالرؤية الاستعمارية لمصالحها الإستراتيجية، وبتصورها لإعادة صياغة وتركيب المنطقة منذ القرن الماضي وحتى اليوم، ومن ثم جمع مفهوم "الشرق الأوسط" بين الجغرافيا والسياسة، ولم تكن دلالته الجغرافية مستقرة؛ حيث تذبذبت بين الاتساع والضيق حسب المصالح الاستعمارية، والرغبة في تفتيت الأمة العربية والإسلامية.

 

لقد كتب ونستون تشرشل في مذكراته عن الحرب العالمية الثانية، كما ذكر المفكر ساطع الحصري في كتابه "دفاع عن العروبة" (1955) ([3]) عن مفهومه للشرق الأوسط؛ وذلك في 26 أغسطس 1942، يقول: إني كنت أشعر على الدوام أن تسمية مصر والمشرق وتركيا باسم "ميدل إيست" (الشرق الأوسط) لم تكن من التسميات الموفقة. فإن هذه البلاد تؤلف الشرق الأدنى، وإيران والعراق تؤلفان الشرق الأوسط؛ وبلاد الهند وبورما وماليزيا تؤلف الشرق؛ أما الصين واليابان فتؤلفان الشرق الأقصى. وقام تشرشل بإعادة تقسيم القيادة العسكرية، في مساء نفس اليوم، إلى قيادة الشرق الأدنى، وتحتوي مصر وسوريا وفلسطين ومركزها القاهرة؛ وقيادة الشرق الأوسط، وتشمل العراق وإيران ومركزها بغداد؛ وبذلك كانت البوصلة البريطانية في التسمية والتقسيم هي العمليات الحربية.

 

بعد تسع سنوات (أي في عام 1951) وفي مجلس العموم البريطاني وجه أحد النواب سؤالا للحكومة عن البلاد التي تدخل ضمن اصطلاح الشرق الأدنى؛ فأجابه وكيل وزارة الخارجية آنذاك قائلا: "إن تعبير الشرق الأدنى الذي لازم السلطنة العثمانية يعتبر الآن في بريطانيا العظمى مما فات أوانه في اللسان الرسمي، ويستعاض عنه الآن بتعبير الشرق الأوسط. ومجموعة البلاد التي يشار إليها بهذا التعبير تشمل: مصر، العراق، سوريا، لبنان، إسرائيل، العربية السعودية، الإمارات، الكويت، البحرين، قطر، مسقط، محمية عدن واليمن. أي ما يعرف بالوطن العربي مع اقتطاع المغرب العربي الكبير، ومع إضافة إسرائيل بديلا عن فلسطين".([4])

 

وإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد ركزت على مفهوم الشرق الأوسط بمعناه الأخير، مع إضافة تركيا وإيران -وذلك في الإعلام وفي المؤسسات الدولية ووزارة الخارجية في كل ما يتعلق بالصراع العربي/الصهيوني، ونجحت في تسييد هذا المفهوم كبديل عن الوطن العربي أو العالم العربي... إلخ- فإنها ومنذ الثمانينيات اتخذت منحى جديدا. فقد قدم "بيتر دويجنان" بالمشاركة مع "إل إتش غان" دراسة عن الشرق الأوسط لصانع القرار الأمريكي، أشارا فيها: إلى أن "لفظة الشرق الأوسط لفظة اعتباطية؛ فهي تشمل بالمعنى الضيق مصر والجزيرة العربية وتركيا وإيران؛ أما بالمعنى الواسع فهي تشمل كافة المناطق الممتدة من شاطئ المحيط الأطلسي، وعبر شمال أفريقيا، وصولا إلى حدود إيران الشرقية".

ولكن أخطر ما في هذا المفهوم الذي تجذر فيما بعد وتوسع بجهود العديدين من المختصين ودوائر صنع القرار يتمثل في ثلاث نقاط:

1)     تسفيه وتقليل شأن المفهوم الضيق للشرق الأوسط، وفيما بعد إلغاؤه.

2)  الإشارة إلى أن هذه المنطقة الشاسعة تنطوي على اختلافات جغرافية وإثنية واسعة جدا، كما تحوي العديد من المناطق التي لكل منها تراثها التاريخي والحضاري الخاص بها؛ أي القول بعدم وحدته من جهة، وقبوله للتجزئة من جهة أخرى.

3)  الاعتراف بوجود مؤشرات مشتركة بين بلدان الشرق الأوسط، يقع الإسلام في مقدمتها بوضوح؛ فالإسلام هو الذي استحوذ على عالمها، والمنطقة تدين بالإسلام باستثناء بعض الفئات. هذا العامل سوف يتم استخدامه سلبا في منظور صراع الحضارات، ونهاية التاريخ من الزاوية الأيديولوجية الأمريكية، وفي استهداف ضربه، وربطه بالإرهاب في المنظور الإستراتيجي العسكري/ السياسي.

 

وإذا كانت وثائق وزارة الدفاع/مايو 1995، والكونجرس /مارس 1995 قد تضمنت إستراتيجية الولايات المتحدة بالشرق الأوسط -والتي اختزلت في ضمان تدفق البترول وبسعر مناسب، وضمان حرية الملاحة، والالتزام بأمن إسرائيل وتفوقها النوعي، وزيادة القدرات الدفاعية (لا الهجومية) للدول الصديقة- فإن الدراسات الإستراتيجية الأمريكية منذ العام 1997 قد اعتمدت المفهوم الأوسع لتعبير الشرق الأوسط الكبير؛ حيث إن هذا المفهوم الجديد يضم كلا من تركيا وإيران ودول آسيا الوسطى الإسلامية الغنية بالبترول، والسوق الضخمة المرتقبة للسلع الأمريكية؛ وهو ما أكدت عليه في خطتها المعلنة الآن، المعروفة بمشروع الشرق الأوسط الكبير (بلدان العالم العربي، زائد باكستان وأفغانستان وإيران وتركيا وإسرائيل). ومن هنا فإن التخطيط للاستقرار والأمن في المنطقتين العربية والإسلامية -كما ترى واشنطن- أصبح ضرورة حياتية وإستراتيجية بالنسبة لواشنطن.

 

إن الانتقال بين التعريفات في العصر البريطاني لا يعود للتاريخ وللجغرافيا، بل للاحتياجات السياسية والمتطلبات العسكرية للاستعمار الغربي. ونحن نشير بدورنا أيضا إلى أن الانتقال والتوسع في التعريفات بالعصر الأمريكي، بل ومحاولة الاستقرار على النتائج النهائية للمفهوم الشرق أوسط، لا تعود إلى تقسيمات الجغرافيا والتاريخ (أي قوميات أو أقاليم متجانسة)، بل لاحتياجات الأمن والطاقة، ورسم الخريطة الإستراتيجية الأمريكية، بما فيها نفي كل ما يقال عن الدائرة أو الأمة العربية، خاصة في ظل ربط المشرق بتركيا وإيران والعديد من دول آسيا، وفصل المشرق عن المغرب، وربط الأخير بالدائرة الجنوبية للمتوسط، والتقسيم للوحدات القطرية الموجودة باسم الفوارق العرقية أو الدينية؛ وفي الوقت ذاته دمج إسرائيل كأمر واقع، بل وكجزء في هذا التقسيم السياسي العسكري، وهو ما ظهر فيما بعد في حلف بغداد، وظهر حديثا فيما سمي بالسوق الشرق الأوسطية.

 

ما الجديد في التعريف الأمريكي للشرق الأوسط؟

1 – أنه تعريف غير خاضع لخطوط المعارك الحربية، وتبدلات القتال والمواقع (كما كان في بريطانيا العظمى)، أو كما كان الأمر بالنسبة للحرب الباردة وصراع الكتلتين، بعد الحرب العالمية الثانية، ولا يعني هذا عدم دخول البعد العسكري في هذا التعريف، لكن التعريفات السابقة ترسم الحدود وفق وجود القوات والعمليات، بينما التعريف الأمريكي يضع الحدود أولاً للمفهوم ثم يجعل القوة العسكرية (وغيرها من الأدوات الاقتصادية والثقافية) تتحرك فوقها، وتقيم عملياتها وقتما تشاء.

 

2– أنه تعريف يقوم على أساس خريطة بلا تضاريس جغرافية، فلا تحمل عوائق طبيعية، وبلا تضاريس عسكرية أو بشرية، فلا تسجل عوائق صناعية أو حواجز مانعة؛ ومن ثم الرسم فوقها للأقاليم والحدود التصورية لا التواء فيه، ولا صعوبة للخيال أو الجموح أن يسجل ما يريد أن يتصوره؛ أي الكتابة والرسم والتشكيل فوق صفحات بيضاء وخالصة، ومن ثم مطلوب ملء تلك الصفحات بالثقافة والأفكار والنظام الاقتصادي بل والعسكري وفق المشيئة الأمريكية؛ وهي فرصة قلما توفرت في التاريخ بهذه الصورة، ولا تتحمل التردد أو الانتظار لحظة واحدة من منظور رجال الإستراتيجية الأمريكية، خاصة أن مفهوم الشرق الأوسط بمعناه الواسع/الجديد يمثل جزءا كبيرا من منطقة الارتطام التي يمكن أن ينطبق عليها رؤية ماكيندر منذ أوائل القرن الماضي للصراع بين قوى البر وقوى البحر للسيطرة على العالم؛ ولأن هذه المنطقة أرض الصدام والمعركة وجسر العبور لطرفي الصراع؛ فهي بين فكي الكماشة، وهي ضحية موقعها الجغرافي؛ وهو ما يسهل المهمة الأمريكية للانقضاض عليها والعبور منها للانفراد العالمي أيضا.

 

3– ولأنها فرصة تاريخية -كما تراها عقول التخطيط الإستراتيجي بواشنطن- فإن الإمساك بها ضرورة، وتشكيلها وفق الاحتياجات الاقتصادية الأمريكية (وفي مقدمتها الطاقة ثم الأسواق) حتمية؛ وبالضرورة والحتمية أن تكون خطوط الطول والعرض في الخريطة الجديدة هي التي توفر سهولة الإمدادات بالطاقة وسرعتها ورخصها، إلى جانب التحكم فيها، خاصة في ظل غياب الموانع والعوائق.

 

4- ووفق الضرورة والفرصة والاحتياجات، فإن فصل دول من إقليم الشرق الأوسط، أو إضافة دول إليه أمر بديهي؛ بل إن السعي إلى تقسيم دولة ما إلى دويلات أو كانتونات أو مناطق طائفية أو عرقية هو أمر ضروري تحكمه الرغبات والخطة الأمريكية، فضلاً عن أنه تأمين للمستقبل ومفاجآت التاريخ ودروسه؛ هذا إلى جانب سهولة السيطرة لواشنطن وصعوبة المواجهة ضدها.

 

 

 

 

 



([1]) مشروع القرن الأمريكي الجديد:   http://www.newamericancentury.org

([2]) في معناه البسيط يعني الجيوبوليتيك: "علم سياسة الأرض"، أي دراسة تأثير السلوك السياسي في تغيير الأبعاد الجغرافية للدولة. ويتداخل هذا المفهوم مع مضمون علم الجغرافيا السياسية الذي يعنى بدراسة تأثير الجغرافيا (الخصائص الطبيعية والبشرية) في السياسة.

([3]) ساطع الحصري، دفاع عن العروبة، ط2، مركز دراسات الوحدة العربية، 1985.

([4]) الموقع الالكتروني: www.islamonline.net




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home