تحقيقات صحفية

 

حوار أقلام مع الأديب والشاعروالناقد المصري ابراهيم سعد الدين

إعداد إباء إسماعيل



  أعدت الحوار: إباء اسماعيل

   مأثورةٌ هي منابع أحرفه فكراً وإبداعاً وثقافةُ وعمق تجربة. وبشكلٍ غير مألوف في حواراتنا مع المبدعين في مجلة أقلام الثقافية ، جلس المبدع ابراهيم سعد الدين على مائدة  الحوار ليس كضيف عليناً بل  كمُضيف  أدار مسار الحواربعفوية  و بقدرة ومهارة فائقة جعلتنا نقترب من أجواء الندوات الأدبية والنقدية التي تقام في المنابر الثقافية العربية الهامّة . فلنبدأ إذن ببعض أقواله المضيئة:     

* تأثرتُ كثيراً بسفري إلى بلدان جنوب شرقيّ آسيا وتعرفي على ثقافات هذه الشعوبِ وأنماط حياتها الاجتماعية وتراثها الإنساني. غير أن العراق يظلُّ هو البيئة الثقافية الحقيقية التي فيها تشكلت خلفيتي الثقافية بشكل أعمق وأكثر رحابةً واتساعاً.

** إن حالات العُزلة والوحدة والقراءة والتدخين وساعات السفر الطويل ـ بالقطار على وجه الخصوص ـ هي من أكثر ما ييسّر ميلاد القصيدة وأحياناً القصة أو حتى المقال، ربّما لأنّ الذِّهن يكون أكثرَ صفاءً وتركيزاً ومقدرةً على التأمّلِ والاستبطان والخلق، ويكون الخيالُ أكثرَ قابلية للاستثارة وأوفرَ طاقةً وتحرّراً ومقدرةً على التحليقْ.

***  أريد أن أتوقَّفَ قليلاً عند مُصطلح "الأدباء الشَّبابْ"، فأنا أعتقدُ أنَّ كُلَّ ما يُقَدِّمُ إبداعاً حقيقيّاً وجديداً ومُتَفَرِّداً عن سِواه ونابعاً من موهبةٍ أصيلة وتجربةٍ صادقة ـ هو كتابةٌ شَابَّة بغَضِّ النَّظر عن عُمْرِ المُبدع. فالكثير من الإنتاج المُتَمَيِّز الذي يستلفتُ الانتباه في الشِّعر والقصة هو لكُتّابٍ وشعراء في مٌنتصفِ العُمر أو جاوزوا الأربعين بسنوات. ربما لأنَّ تمرسهم بالكتابة أنضجَ مواهبهم وصَقَلَ مَلَكَاتهم فاستوتْ أعمالهم وبلغَتْ أوْجَ نُضجها.

**** لم أكن فقط شاهدَ عَيانٍ على المرحلة النَّاصريَّة ولا دارساً لها فحَسْب، بل كُنتُ وأبناء جيلي والأجيال اللاّحقة جزءاً لا يتجزأ من هذه التجربة، عِشْنا أحلامها العظيمة وإنجازاتها الكبرى وأُدْمِيَتْ قلوبنا وتَصَدَّعَتْ نفوسنا بأخطائها الجسيمة وانكساراتها الفاجعة.

*****   لم يحدث يوماً أن كتبتُ حَرفاً عن نَصٍّ لا يروقُ لي لأنني ناقدٌ غير مُحترفٍ لمهنة النقد، بل أكتبُ بعيونِ وحواسِّ الشاعر المُتَذَوّق الذي يكشفُ مواطن الجمالِ في القصيدة أو القصَّة أو الرِّواية ويُفتَنُ بها، ويتقصَّى منابع التجربة التي أنبتت هذا العمل الفَنِّي ويتلمَّسُ صِدقها وحرارتها، فيسوقُ رؤاه إلى القُرَّاء ليشاركونه مٌتعةَ القراءة والتَّذوّق.

******  إذا كانت الحُرِّيَّةُ شَرْطاً جوهريّاً للإبداعِ فإنها أيضاً مسؤوليّةٌ والتزامْ. أقول قولي هذا تعليقاً على ما نسمعه من ضجيج البعض وصخبهم حول حُرّيّة الكاتب، وهي مقولة حَقٍّ يُرادُ بها باطلٌ ـ أحياناً ـ من أدعياء الأدب الذين لا يَرَون في الحُرِّيَّة سوى ما يروّجون له من كتاباتٍ لا صلةَ لها بالأدب من قريب أو بعيد بل هي كتاباتٌ مُبتذَلةٌ خادشةٌ للحياءِ وجارحةٌ للمشاعر ومؤذيةٌ للحِسِّ والوجدان.

يتدفق كالنيل عمقاً و انسياباً طويلاً في عطاءٍ إبداعيٍّ متميّز ومتنوِّع...
تعددت أشجار أحرفه الناطقة بمياه اللغة المشحونة بالحياة،
حتى لنخالها تختصر الحياة بإيقاعاتها وتياراتها .
دعونا نغوص معاً في مسيرة عطائه المتجددة شعراً ونثراً ونقداً وخبرة سنوات طويلة.

إنه الأديب ، الشاعر والناقد والمترجم القدير، ابن مصر الكنانة:

ابراهيم سعد الدين

 

أودُّ ـ بدايةً ـ أن أعبّرَ عن سعادتي بهذا اللقاء والحوار مع زملاء وزميلات شرُفتُ بالتعرف إليهم في منتديات أقلام وحدائق إبداعها العامرة ـ دوماً ـ بكلّ ما هو طيبٌ وخيِّرٌ وأصيلٌ وجميلْ. كما أتقدَّمُ بخالص الشكر والتقدير لمجلة أقلام وللأخت الكريمة والشاعرة المرموقة إباء إسماعيل التي هيّأت وأعدّت لهذا اللقاءِ الكريم الذي أسعدُ وأشرفُ به وبكُلّ ما يُطرحُ ـ عَبْرَه ـ من قضايا ونقاشاتٍ سوف تُثري هذا الحوارْ.

والآن نستهلُّ حوارنا مع الشاعرة المُبدعة إباء إسماعيل التي تفضّلتْ بطرْحِ هذا السؤال:

 

* في معظم أعمالك الأدبية، الشعر والقصة والنقد، باختصار، جميع أحرفك المقروءة وغير المقروءة، يلاحظ المتعمِّق فيها، روحاً مُبدِعة ،عاشقة ، ممتلئة بموسيقا الجمال ، بضياء السحر، وقوّة الحلم الذي يسكن أحرفك الشعرية والنثرية. يشعر القارئ بنبض الأمان، بجرأة الحياة وسموّها. لكن القارئ/ الطفل أو القارئة/ الطفلة ، ماإن يخرجا من أنهارها، الدافئة حتى يوشكا أن يقعا في مستنقع الحياة المثلج حتى الاحتراق بالضغائن والحروب. كيف تحميهما من الوقوع في هذه الهوّة؟!!!



ـ أودُّ أن أشكرك ـ بدايةً ـ لكُلّ هذا الفيض الكريم من الكلمات الطّيّبة التي أدعو الله أن أكون جديراً بها ومُستحقّاً لها. وأشكركِ ـ ثانيةً ـ لسؤالكِ هذا الذي يُشبه تمام الشَّبه بحورَ شِعرك؛ ينسابُ برقّة وسلاسةٍ وعذوبة، لكنه يحملُ في أعماقه جواهرَ القولِ ولآلئه. ذلك أن القضية التي يطرحها سؤالك هي: ما قيمة الكلمة في عالمٍ يحتدمُ بالعنف ويتأجَّجُ بالصراعات ويضِجُّ بالمظالم ويموجُ بالضَّغائن والحروب..؟!
وهو سؤال طالما أرَّقني ويؤرّقُ بالتأكيد كلَّ صاحب كلمةٍ ورأيٍ وفكر. لأنه يُسلمنا دوماً إلى سؤالٍ آخر بل إلى سيلٍ من التساؤلات مثل:
هل تستطيعُ الكلمة حقّاً أن تُغَيِّرَ الواقع ليصبح العالم أكثر أمناً وطمأنينة وعدلاً وجمالاً..؟!
وإذا كانت الإجابة بالنفي فعلامَ نكتب..؟!
وعلامَ نحلمُ ونشغلُ الآخرين بأحلامنا وأشواقنا إذا كانت أحلامنا غير قابلة للتحقق وأشواقنا لا توصلنا إلى ما نشتاقُ إليه..؟!
ولماذا نُجمِّلُ وجه عالمٍ خلا من الوسامة..؟!
أليسَ هذا نوعاً من الخديعة؛ خديعة النّفس والآخرين..؟!
كُلّ هذه أسئلة تلفّنا في دوّاماتها فنتوقف عن الكتابة لبعض الوقت.. وحين نُدركُ أخيراً أن الكلمة هي هواؤنا الذي نتنفسه وماؤنا الذي يروي ظمأنا وزادنا الذي نقتات به وأنه لا وجود لنا ولا حياة بغير الكلمة.. نُعاودُ الكتابة من جديدْ. هل هو قَدرٌ لا رادَّ لقضائه..؟! ربّما.
أمّا كيف تتحوّلُ الكلمة إلى سياجٍ يحمي أطفالنا من سعيرِ الحرائق وهجير المظالم وجحيم الحروب.. فلا أدري. حقيقة لا أدري.
نحن نقولُ إن الأدب والفَنّ يرتقي بأحاسيس الناس ويسمو بنفوسهم ومشاعرهم ويهذّب غرائزهم ويُروّضُ الوحوش التي تسكنُ لاوَعْيَهُم.. فهل يتحقّقُ ذلك فعلاً على أرضِ الواقع..؟!
أعودُ فأقول بكُلِّ أمانةٍ: لا أدري. لأنَّ طوفانَ الظُّلمِ والقهرِ في العالمِ يعلو مَدُّه وتتصاعدُ وتائره ويزدادُ شراسةً وعسَفاً وجبروتاً.
غاية ما نقدرُ عليه هو أن نكتب. فالكتابة قَدَرٌ ووجودٌ وكينونة وحياة.
وغاية ما نطمحُ إليه هو أن تظلّ كلماتنا نابضةً بالصِّدقِ مع أنفسنا ومع الآخرين. عَلّنا نحتفظُ بنظرة الرضا في عيون الناس.. حتى ولو لم يتحقق ما نُبَشّرُ به.

 

 

الأخت الكريمة والشاعرة المتألقة دوماً مروة حلاوة تتساءل:


* هل مرّت عليكَ فترة ما شككتَ فيها في إبداعك في قيمته الأدبية .. جدواه .. جدارته..؟!

ـ أتوجّه إليكِ ـ بدايةً ـ بجزيل الشكر والامتنان لترحيبكِ الكريم وحضوركِ الطَّيّب. هل يفاجئك أن أبوح لكِ بِسِرٍّ صغير..؟! أنا كسول غاية الكسل في الكتابة. بعض الأعمال يستغرق أياماً وشهوراً وأحياناً سنواتٍ لكي يستوي عملاً أدبياً ـ قصيدة أو قصةً أو روايةً أو حتّى مقالاً نقديّاً ـ أمتلك الجرأة على نشره. وبعض الأعمال يظلُّ دون اكتمال، والبعض الآخر ما يزال صورة في المخيلة أو بارقةً في الذِّهن لم يتجسَّد بعد. الكتابة عندي هاجسٌ مُلِحٌّ ومزاجٌ ومُتْعةٌ ومُخاضٌ أليم لا أحتمله أحياناً فأفرُّ منه وتَفِرُّ مني أيضاً لحظة الإبداع، فلا أعود للكتابة إلاَّ بعد زمنٍ يطولُ أو يقصر. الكتابة ـ في جزءٍ منها ـ مِراسٌ وترويضٌ للذات وتطويعٌ للعقلِ والمُخيّلة بحيث تقتنصُ الفكرةَ أو الخاطرة وتظلُّ تعيشُ حالة الكتابة حتى تتشكل الفكرة أو الومضة عملاً أدبيّاً حَيّاً. كثيرٌ من الكتاب الكبار فعلَ ذلك وأبدعَ وخلّفَ لنا تراثاً أدبياً غزيراً وعظيماً. أديبنا الكبير الراحل نجيب محفوظ كان واحداً من هؤلاء. وكثيرون غيره من أصدقائي يُصارحونني بأنّ الكتابة عندهم ممارسةٌ يوميّة لا تحتاج مقدماتٍ أو تهيئة. لكنني ـ للأسف ـ لستُ واحداً من هؤلاء. ما تزال الكتابة عندي نزوةً تأتي في أوانها ووقتها وتفاجئني من حيث لا أحتسب. بمعنى آخر، الكتابة هي التي تتملكني ولستُ أنا الذي أتملكها. ولأن لحظات الإبداع نادرة وعزيزة فإنني لا أشرعُ في الكتابة إلاّ حين يصْبحُ الأمرُ مُلِحّاً ولا سبيل إلى التحرر منه بغير صياغته أدباً وإخراجه إلى حَيِّز الوجود. لذا لا توجد ضرورة ضاغطة عندي لأنشرَ عملاً لا أرضى عنه. ومع ذلك ـ وربما بسبب ذلك ـ حين أعود لقراءة ما كتبت فإن القليل النَّادر منه هو الذي أنظرُ إليه بعين الرضا. دائماً هناك شيء يُشْعرُني بأنه يتعين عليَّ أن أنتظر وأتأنى حتى أكمله. ولو طاوعتُ نفسي لما نشرتُ شيئاً أبداً. ليسَ هناك ـ في يقيني ـ كلمة أخيرة في الأدب أو الفَنّ. فالعملُ الكامل المُكتمل لم يولدْ بَعْد. ولن يولدَ أبداً. وهكذا لن يرضى الكاتب ـ أيّ كاتبٍ ـ عن نفسه تمامَ الرضا إلاَّ إذا نضبتْ موهبته وجفَّ ينبوعُ عطائه ولم يعد قادراً على تقديم الأفضل والأجود.
الفِعْلُ الأدبي مُتَمَرِّدٌ دوْماً حتّى على ذاته. والفنان الحقيقيّ ينقلبُ حتى على ما بَشَّرَ به. وهذا دليل صِحّة لأنّ الإبداع الأدبي والفنّي يتعامل مع المُطلق والمثال في عالمٍ نسبيٍّ شيمته النقص والخلل. وهذا هو سِحْرُ الفَنّ وسِرُّ بقاء بعض الأعمال الأدبية والفنيّة حيّة نابضة على مَرّ العصورِ رغم تغيّر الأفكار والأوضاعِ والأحوالِ وتَحَوُّلِ الرُّؤى الرغبات والأذواقْ .

 

 

* هَلاَّ حدّثتنا عن البدايات الأولى في رحلتك مع الأدب وما هي الإرهاصات التي أفرزت شاعرنا وكوّنت اللبنات الأولى في شخصيته الأدبية وما دور البيئة الاجتماعية والثقافية المحيطة في كل هذا؟

ـ نعم أيتها الأخت الكريمة.. هذه هي الروافد الثلاثة الرئيسية التي أسهمت في تكوين شخصيتي الأدبية. سوف أبدأ بأوّلِ هذه الروافد وهو البيئة الاجتماعية التي كان لها أبلغ الأثر في تشكيل هويتي الأدبية والشخصية معاً. فقد كان مولدي ونشأتي الأولى في بسيون وهي بلدة وسط بين القرية والمدينة تقع في شمال مصر على مقربة من أحد فَرْعي نهر النيل هو فرع رشيد، وهي ـ في الحقيقة ـ نصفان أو عالمان ـ الرّيف والحضَرْ ـ كُلٌّ منهما قائمٌ بذاته، يفصل بينهما نهرٌ صغير وشريط قطار توارى مع الزمن. وقد كانت نشأتي في القسم الريفيّ من البلدة، بكل خشونته وجفائه وأساطيره وخرافاته وقيمه وموروثاته الشعبية وأحداثه المخيفة. وقد كنتُ صبياً وفتى مشاغباً ومتمرّداً أو "شَقِيّاً" على حدّ تعبير العامة عندنا، حتى أنهم كانوا يُسمّونني في طفولتي بـ "القطّ البَرّي" وهي تسمية عبقرية لأنني كنتُ بالفعلِ ـ وما أزالُ ـ كائناً بَرِّيّاً مُستعصياً على الاستئناسِ والترويض. لقد تفتّح وعيي على حواديت الغول التي كانت أشبه بأفلام الرعب هذه الأيام، بل هي أشدّ وقعاً وأرسخُ في الذاكرة والمُخيلة لأنها كانت مسموعة وليست صورة مرئية، وكان عنصر التشويق فيها يغرينا بسماعها واحتمال جرعة الخوف التي تسكن داخلنا وتقيمُ وتتجسّدُ في مخايلنا رؤىً وأحلامَ يقظةٍ وكوابيسَ منامْ. وشاهدت أحداث قتلٍ من أجل الشرف أو الثأر أو الانتقام ورأيتُ كيف تُزهقُ روحٌ بريئة على يدِ بشرٍ مثلي ومثلك. وشهدت أحداث غرقٍ لاثنين من رفاق الصّبا في النهر. وعاصرتُ في مطلعِ الصبا رحيل ثلاثة من أحبّ الناس وأقربهم إليّ هم خالتي التي كانت هي أيضاً في ريعان صباها وجدتي لأمّي ثمّ حبيبة الصبا الباكر نوال. وقد ترسّبت كل هذه الأحداث والذكريات ومشاهد الخوف والقتل وفقدان الأحبّة في الوجدان والذاكرة والمخيلة فما أن وجدت مُتنفساً لتخرج إلى حيّز الوجود ـ من خلال الكتابة الأدبية ـ حتى انطلقت قويّةً معبرةً عن نفسها خاصة في المجموعة القصصية الأولى (فَحْل التٌّوتْ) والرواية الوحيدة التي كتبتها والتي ما تزال قيد الطبع (ماء الحياة).
من أهمّ مؤثرات النشأة الأولى ـ ذات العلاقة الوثيقة بالإبداعِ الأدبيّ ـ والتي كان لها عميق الأثر في تشكيل العقل والمخيلة والوجدان في سنوات طفولتي وصباي الباكر، هي الحكايات والمأثورات الشعبية القديمة التي كان يتداولها الناس ويرويها الحَكّاءون والمُنشدون العظام في الموالد والمناسبات الاجتماعية وحلقات الذِّكر مثل السيرة الهلالية والزير سالم وخضرة الشريفة وغيرها من السِّير الشعبية، بما فيها من دفء آسر وسِحْرٍ أخاذ وطريقةٍ فذَّة للقصّ حافلةٍ بالتشويق والإمتاعِ والمؤانسة. وقد كان تأثري كبيراً وعميقاً باثنين من هؤلاء الحَكَّائين؛ أوّلهما: عَمَّتي التي لم تكن تجيد القراءة والكتابة لكنها كانت حافظةً لتراثٍ قصصيٍّ هائل يختلطُ فيه ما هو دينيّ بما هو شعبيّ، وكان لديها ملكةُ الراوية التي تأخذُ بمجامع القلوبِ وتسحِرُ الألبابْ. وثانيهما: هو جَدّي لأمّي الذي لم يُكمل تعليمه الأزهريّ وعَلّمني كثيراً من قصص القرآن الكريم. لكنّ موهبته كانت تكمن في مقدرته على التأليفِ والخلق والإبداع. فقد كان مُطالباً بأن يظلَّ طيلة الليل يقصُّ عليْنا قصصه وأمثاله ومأثوراته من المقولات والأحاجي والألغاز. واكتشفتُ ـ حين كبرتُ قليلاً ـ أن الكثير من حكاياته ليس لها أي أصل شعبيّ أو تراثيّ، بل كانت تأليفاً وإبداعاً خاصّاً به، وبعضها كان يُضطَرُّ اضطّراراً إلى ارتجاله تحت وطأة إلحاحنا عليه وتشبُّثنا بأن يقصَّ علينا شيئاً جديداً.
في تلك الأيام لم يكن ثمة وجود للتلفاز وكان دورُ السينما قَصْراً على المدن الكبرى فقط، أما الإذاعة فكان انتشارها في الريف محدوداً، وهكذا لم يكن هناك من وسائل للترفيه ـ في الريف ـ غير مجالس السمر العامرة بالحكايات والأقاصيص التي كانت تُربِّي الوجدان وتشعلُ جذوة الخيال وتُنَمِّي ملكَةَ القَصِّ وتشكّلُ الهويّة الثقافية وترفدُ الذاكرة بزادٍ لا ينفذ من تُراثٍ شعبيٍّ وإنسانيٍّ عظيم.

الرَّافدُ الثاني هو القراءة التي هي مكوّنٌ رئيسي وجوهري من مكوّنات الشخصية الأدبية لأي كاتبٍ أو حاملٍ لأمانة الكلمة. فهي تشكل الخلفية الثقافية التي ينبع منها فكره ويُصْقَلُ وجدانه ويُصاغُ أسلوبه وتنبثقُ رؤاه وتُجْلىَ موهبته. وقد كانت قراءتي منذ البداية تتميّز بحسِّ الانتقاء. فقد تفتّحَ وعيي منذ بواكير الصبا على كبار الكتاب وروّاد عصر النهضة العربية من الأدباء والمفكرين والشعراء والروائيين وكتاب القصة والمقالات والأعمدة الصحفية. كان والدي يعمل بتدريس اللغة العربية في إحدى المدارس الثانوية. وكان ـ شأنه شأن أبناء جيله من المتخرجين بكلية دار العلوم ـ مولعاً بالأدب والشعر فكانت لديه مكتبة تحوي نفائس التراث وذخائره وكنوزه الثمينة من دواوين شِعرٍ لأعلام الشعراء العرب في مختلف العصور، وكتب النثر لعمداء الكتابة مثل كتاب (البيان والتبيين) (والبخلاء) للجاحظ، وكتاب (الأغاني) لأبي الفرج الأصفهاني الذي يؤرخ للشعر العربي، وكتاب (العقْد الفريد) لابن عبد ربّه. هذا جنباً إلى جنب مع الإصدارات الحديثة والمعاصرة من الكتب والمجلات الأدبية والثقافية مثل كتب طه حسين والعقاد ود.أحمد أمين ود.محمد حسين هيكل والمازني، ومجلات "الثقافة" و "الرسالة" و "الهلال" و "المقتطف" و "المُختارْ"، وروايات نجيب محفوظ وقصص يحيى حقي ويوسف إدريس وغيرهم من جيل الروّادْ. كانت مكتبة زاخرة بحق تجمعُ بين الأصالة والمعاصرة، وعراقة التراث ونضارة الحداثة.

الرَّافد الثالث هو السَّفر، فقد أتاحت لي الأقدار أن أسافرَ كثيراً وأتجول ببلدان متعددة وأطّلع على حضارات إنسانية مختلفة كان لها أعمق الأثر في تشكيل وجداني وإثراء حصيلتي من المعرفة الثقافية والإنسانية والاجتماعية. تأثرتُ كثيراً بسفري إلى بلدان جنوب شرقيّ آسيا وتعرفي على ثقافات هذه الشعوبِ وأنماط حياتها الاجتماعية وتراثها الإنساني. غير أن العراق يظلُّ هو البيئة الثقافية الحقيقية التي فيها تشكلت خلفيتي الثقافية بشكل أعمق وأكثر رحابةً واتساعاً. في العراق طالت إقامتي لما يقرب من عشر سنوات أتيح لي خلالها فسحة من الوقت ويُسْرٌ في الحصول على الثقافة والمعرفة من مصادرها الأصلية بأقلّ تكلفة، فأعدتُ قراءة ما سبق لي قراءته من كتب التراث العربي ولكن برؤيةٍ جديدة وفكرٍ أكثر نضوجاً. واطّلعتُ على جواهر الأدب العالمي المعاصر في لغته الأصلية أو مُترجماً إلى العربية.

أمّا على مستوى الأشخاص الذين كان لهم أثر عميق أو الكتب التي تأثرت بها بشكل خاص فأنا أعتقد أن كُلّ مرحلة من مراحل العمر يتصدرها فرسان للكلمة والفكر يجتذبوننا أكثر ويستأثرون باهتمامنا وشغفنا. فقد فُتِنْتُ حقّاً في مطلع الصبا بحكايات "ألف ليلة وليلة" و "كليلة ودمنة" وقصص محمد سعيد العريان ومحمود طاهر لاشين ومحمود تيمور، وشعر إبراهيم ناجي وعلي محمود طه. وفي مطلع الشباب وما تلي ذلك من مراحل كانت أعمال نجيب محفوظ ويحيى حقي ويوسف إدريس وسعد مكاوي وأمين يوسف غراب هي المهيمنة على عالمي خلال هذه المرحلة. ومن الكتاب والنقاد كانت كتابات د.طه حسين ود.أحمد أمين ود.محمد مندور ود.لويس عوض ود.محمد حسين هيكل وأحمد حسن الزيات، ثم الجيل التالي لهم د.عبد القادر القط ود.محمد شكري عياد، ثم رجاء النقاش ود.غالي شكري ود.صبري حافظ هي الأعمق أثراً والأرسخ في العقل والذاكرة والوجدان.

ومن كتب التراث يظل كتاب (الأغاني) لأبي الفرج الأصفهاني وكتابا (البيان والتبيين) و (البخلاء) للجاحظ و (العقد الفريد) لابن عبد ربه و (نهاية الأرب في فنون الأدب) للنويري و (الأدب الكبير) لعبد الله بن المقفع و (دلائل الإعجاز) لعبد القاهر الجرجاني و (مقدمة ابن خلدون) هي القاعدة التي تأسست عليها البنية الفكرية والأدبية ونضجت اللغة وتشكل الأسلوب في مقتبل العمر.

وفي ميدان الشعر كان لأبي الطيب المتنبي وابن الرومي وأعلام الشعر الأندلسي مثل ابن المعتز وابن نباتة والقيرواني، وأحمد شوقي وشعراء مدرسة أبوللو وبالأخص إبراهيم ناجي وعلي محمود طه، ثم صلاح عبد الصبور وبدر شاكر السياب وأدونيس وعبد الوهاب البياتي وحسب الشيخ جعفر ونزار قباني ومحمد عفيفي مطر ـ النصيب الأوفى في قراءاتي في مختلف مراحل العمر.

على مستوى الأدب العالمي كان فيدور ديستويفسكي وأنطوان تشيكوف وفرانز كافكا وهنري جيمس وجيمس جويس وفرجينيا وولف وويليام فوكنر وإرنيست همنجواي وجورج أورويل ود.هـ. لورانس وهيرمان هيسه وتوماس هاردي وتوماس مان وألان روب جرييه هم الأقرب لي والأعمق تأثيراً حتى يومنا هذا.

 

ـ حوارنا ما يزالُ مُمتدّاً وموصولاً مع الأخت الكريمة والشاعرة المرموقة إباء إسماعيل التي تفضلت بطرحِ رؤيةٍ وتساؤلٍ من وحي قراءتها المبدعة الخَلاّقة لقصيدة (أوّل الغيْث) المنشورة على صفحات المنتدى. تقول شاعرتنا:


* في شِعرك،حالة استنطاق للطبيعة، تستمد منك الحكمة واللغة،وتستمد منها رموزها الشفافة:الغيمة، الصحراء، النجمة، النخلة .. ثم تنصهر جميعها في نبض قصيدتك.هل الطبيعة جناح خيالك أيها الشاعر أم أنها أرضك التي سَكَنَتْكَ منذ أن لامستْكَ أوَّل زهرة حب؟!

الشعر ـ شأنه شأن كل ضروبِ الأدب والفنّ ـ هو إعادة خلقٍ للعالم من منظور الشاعر. والطبيعة هي منبعٌ جوهري وأصيل من منابع التكوين والتشكيل والبناء لهذا العالم. غير أنَّ توَحّد الشاعر مع الطبيعة وامتزاجه بها ـ يتفاوتُ من شاعرٍ لآخر، ومَرَدُّ ذلك ـ في تقديري ـ إلى النشأة الأولى للشاعر والبيئة الاجتماعية التي تربّى وجدانه وتشَكّلتْ رؤاه في ظِلّها. وأنا ابن القرية، بمشاهدها ومفرداتها ورموزها وأساطيرها ومأثوراتها وقيمها وعاداتها وتقاليدها ومائها وطمْيها وزرْعها وكينونتها الحَيَّة المتخلقة ونواميس الطبيعة وإيقاع الحياة فيها. وقد كان طبيعياً أن ينصهرَ هذا كله ويسكن الذاكرة ويستوطن الوجدان ليتشَكّلَ بعد ذلكَ صوراً حِسِّيّة حاضرةً وفاعلة في كثير من القصائد.

والآن.. عودةٌ إلى خاتمة أو خُلاصة سؤالكِ الذي تفضَّلتِ بطرْحِه: هل الطبيعة جناح خيالي أم أنها أرضي التي سَكَنَتْني منذ أن لامستْني أوَّل زهرة حب؟!
أعتقد أنّ كلا الأمريْن وجهٌ لحقيقة واحدة.. فالمخيّلة ـ لحظة انبعاث القصيدة ـ تعيد تجسيد ما التقطته شبكية العين ولامسَ الحِسَّ ووَقَرَ في الذاكرة والوجدان وتصوغه ـ من جديد ـ رؤىً وتصاوير ومُجازاً تتشكلُ منه لُحمة وسُداةُ القصيدة.

 

 

- نستهلُّ حوارنا الآن مع الأخ الكريم والأديب الراقي ـ فكراً وخُلُقاً وإبداعاً ـ نايف ذوابة الذي أشكر له حضوره الطَّيِّب ومشاعره النبيلة، وأتفق معه في قوله عن الرفقة الطَّيِّبة ـ من الشعراءِ والشَّاعرات والقرَّاء المُحاورين ـ التي أتاحها لي هذا الحوار الممتع والحافل بكل ما هو طَيّبٌ وجادٌّ وأصيل ، قائلاً إنني سعِدتُ وشَرُفتُ بحضوره الذي أثرى هذا الحوار وزاده غنىً وعمقاً وخِصْباً بما طرحه من تساؤلاتٍ سوف أشرعُ في الرَّدِّ عليها تباعاً:

 


* هل صحيح أنَّ المرأة وُلِدَت قاصَّة..؟! وهل فِعْلاً أنْجَبَ ـ بتأثير هذه المقولة التي يبدو فيها قدر كبير من الصحة ـ فَنُّ القِصَّةِ قَاصَّاتٍ مُبْدِعَاتٍ مُمَيَّزَات..؟!

- في الحقيقة لا أدري مدى صِحَّة هذه المقولة كما أنِّي لا أعرفُ قائلها. لكن ما أؤمنُ به هو أنَّ المرأة هي موطنُ الخِصْبِ والعطاء والجمالِ في هذا الكون، فكيف لا تكونُ نَبْعاً للخلقِ والإبداعْ..؟! أمّا أسماء المُبدعات في فَنِّ القصَّة والرواية فهي كثيرة ولا تقعُ تحتَ حصْر. لكنني أراها في الأدبِ العالمي أكثر بكثير منها في أدبنا العربيّ. ففي الأدب الانجليزي وحده ـ على سبيل المثال ـ هناك عشرات الأسماء المرموقة من المبدعات في القصّة والرواية بدءاً بشارلوت وإميلي برونتي وانتهاءً بإيريس ميردوخ ودوريس ليسنج ـ الفائزة بجائزة نوبل لهذا العام ـ مروراً بجين أوستن وفرجينيا وولف وغيرهنّ.

لكن لهذه المقولة إشكاليَّةٌ أو وجْهٌ آخر يثيرُ الجَدَلَ والنقاش، وهو يكمنُ في هذا القَدْرِ العظيم من المُبدعاتِ في فنون وأجناسٍ أدبيّةٍ أخرى غير القِصَّة.. فهناك أسماءٌ بارزة في ميدان الشِّعرِ ـ على سبيل المثال ـ وبعضهنَّ رائداتٌ من روَّادِ التجديد والحداثة في الشعرِ العربيِّ مثل الشاعرة الكبيرة الراحلة نازك الملائكة.. فهل يجوز لنا أن نقولَ إنَّ المرأة وُلِدتْ شاعرة..؟!
أنا أستأذنكَ لكي نُعيدَ صياغة هذه المقولة بتعديلٍ طفيفٍ يجعلها أشملَ وأعَمَّ، فنقول: إنَّ المرأة وُلِدتْ مُبدِعَةً خَلاَّقة بالفطرةِ والسَّليقة.

حوارنا مُمتَدٌّ وموصول مع الأخ الكريم نايف ذوابة ولقاؤنا مُتجَدِّد مع ما تفضَّلَ بطرحه من تساؤلات.

 

ـ نستأنفُ حوارنا مع الأخ الكريم نايف ذوابة الذي يتساءل:


* ما محفزات الإبداع لدى شاعرنا إبراهيم سعد الدين وهل للحظة الإبداع طقوس ومراسيم؟

بالتأكيد هناكَ مُحَفّزاتٌ تُلامسُ الحِسَّ وتستثير الوجدان والمُخَيّلة فيفيضُ عطاءُ الشّاعر وتتولَّد القصيدة. لكنني أعتقدُ أن الأصول النفسية لعمليّة الإبداع الفنّي والأدبي أكثر غموضاً وتعقيداً من أن يُدركها الشاعر إدراكاً معرفيّاً ويُسَمِّيها باسمها كمثيراتٍ أو مُنَبِّهاتٍ أو مُحَفِّزاتٍ للإبداع. الدكتور مصطفى سويف ـ على سبيل المثال ـ له كتابٌ بعنوان "الأصول النفسية للإبداع الفَنِّي" وهو مُؤلَّفٌ على قَدرٍ كبير من الأهميّة من حيث فرضياته ومقولاته النظريّة، لكنني أعتقدُ أنه جانبه الصَّواب حين أضافَ جزءاً تطبيقيّاً للكتاب حاول فيه استقصاء لحظاتِ الإلهام والوحي عند مجموعةٍ من الشعراء من خلالِ شهاداتهم الحَيَّة، لأنَّ لكُلِّ شاعرٍ أو قاصّ أو فنّان مُنبّهاته الحِسِّيّة ولحظاته المُلهمة والأجواء النفسية المُهَيِّأة للإبداع، وهكذا فإنَّ شهادات عَيِّنةٍ من الشعراء ـ مهما كثر عددهم أو بلغَتْ درجة الصِّدق في شهاداتهم ـ لا يمكن تعميمها أو حتى استقراء نتائجَها بشكلٍ علميّ موثوقٍ به. فما زِلتُ على يقينٍ بأنَّ عملية الإبداع أكثر تشابكاً وعمقاً وتعقيداً مما نتصوّر، وما يزال الطريقُ طويلاً أمام العِلْم ليكتشف ديناميّة هذه العملية وخصائصها ومحفّزاتها.. و.. وكل ما يحيط بها من ظروفٍ وملابساتْ.
أعودُ إلى سؤالكِ ـ أخي الكريم ـ لأقول إن لحظاتِ ميلاد القصة أو القصيدة عندي تداهمني من حيث لا أحتسب، قد يكون ذلك في لحظة الصَّحو أو لحظة الخلود للنومِ أو أثناء سيري بالشارعِ أو خلال ساعاتِ السَّفرِ أو القراءة أو مشاهدة التلفاز.. حيث ينبثقُ هاجسٌ أو تتردّدُ أصداءُ بيتٍ أو فقرةٍ أو جملةٍ ما.. تأخذ في التشكل والنُّموّ حتى تكتمل القصيدة، وقد يستغرق ذلك بضع ساعاتٍ أو بضْعة أيامٍ أو شهورْ، وأحياناً يتطلّبُ الأمرُ سنواتْ. وقد تظلُّ القصيدة جنيناً في رحمِ الغيبِ لا يخرج إلى الوجودِ أبداً. كثيرٌ من القصائد راود مُخَيِّلتي وما يزال ـ حتَّى الآن ـ مشروعَ قصيدةٍ غير مُكتمل، وربما يطويه النّسيان ولا يُقَدَّرُ له أن يولدَ أبداً.
لكنني ربما جاز لي أن أقول ـ من واقع التجربة ـ إن حالات العُزلة والوحدة والقراءة والتدخين وساعات السفر الطويل ـ بالقطار على وجه الخصوص ـ هي من أكثر ما ييسّر ميلاد القصيدة وأحياناً القصة أو حتى المقال، ربّما لأنّ الذِّهن يكون أكثرَ صفاءً وتركيزاً ومقدرةً على التأمّلِ والاستبطان والخلق، ويكون الخيالُ أكثرَ قابلية للاستثارة وأوفرَ طاقةً وتحرّراً ومقدرةً على التحليقْ.
أمّا طقوسُ الكتابة وشعائرُها فليسَ لي أية طقوسٍ أو مراسم للكتابة سوى الاستغراق الكامل والتوحّد مع هذه اللحظة لأنها تكون أشبه بطائرٍ نَزِق إذا فَرَّ من المُخَيِّلة عَزَّ اصطياده ثانيةً.

من أكثر ما أعجبني في هذا السِّياقْ ما كتبه شاعرنا الكبير الراحل صلاح عبد الصَّبور في كتابه المُهِمّ "حياتي في الشِّعر" إذ يُقاربُ ـ في لماحيةٍ فَذَّة ـ بين حالة الإبداعِ الشِّعري وسكراتِ الوَجْدِ عند المُتَصَوِّفة. ولنا عودةٌ إلى ما كتبه صلاح عبد الصبور في كتابه، فهو جديرٌ بالاطّلاعِ حقّاً.

 ونتابع حديثنا عن تجليات القصيدة. يقول شاعرنا صلاح عبد الصبور في كتابه "حياتي في الشِّعر": ليسَ الحَدْسُ ظَنَّاً لا يُبنى على مقَدِّمات، شيئاً كالإلهام، ولكنه قِمَّةٌ شِبْه عَقليّة لنشاطٍ عقليّ. والحَدْس البرجسوني قد يكون صالحاً لتفسير الوثبات الفكرية العالية، ولكنه لا يصلحُ لتفسير الوثبات الوجدانية بل لابُدَّ لتفسير هذه الوثبات من مصطلحٍ خاص، لا نجده عند الفلاسفة ولكننا نجده عند أصحاب الاجتهاد الرُّوحي من الأنبياء والمُتَصَوِّفة. والقصيدة كََـ"وَارِدْ" قد تكون حين يَرِدُ إلى الذِّهن مَطلعُ القصيدة أو مقطعٌ من مقاطعها بغيرِ ترتيبٍ في ألفاظٍ مُمَوسقَة، لا يكاد الشاعرُ نفسه يستبين معناها. ويعيده الشاعر على نفسه، فيجد أنّ هذا الوارِدْ قد يفتحُ له سبيلاً إلى خلقِ قصيدة، وقد يُعيده مَرَّاتٍ ومَرَّاتٍ حتى تنفتحَ أمامه إحدى السُّبُل. لقد تَمَّ الحَملُ بالقصيدة في صورةٍ ما، والذّات تريد أن تعرض نفسها في مرآتها. وهنا تبدأ المرحلة الثانية من حياة القصيدة، وهي القصيدة "كَفِعْل" يلي "الوَارِدْ" وينبعُ منه. فـالوَارِدْ كما حَدَّثنا الصُّوفِيَّة لابُدَّ أن يتبعه فِعْل. ولو جَرَيْنا مع مُصْطلحهم لقُلنا إنَّ هذه هي مرحلة "التلوين والتمكين" التي يُحَدِّثنا عنها القشيري بقوله: مادامَ العَبْدُ في الطريق فهو صاحبُ "التلوين"، لأنه يرتقي من حالٍ إلى حَالْ، وينتقلُ من وَصْفٍ إلى وَصْف، ويَخْرجُ مِن مَرْحَلٍ (مكان الرَّحيلْ) ويَحْصُلُ في مَرْبَعْ (مَحَلّ الربيع والرَّعْي)، فإذا وصَلَ تَمَكَّنْ.

- عَودة إلى الأخ الكريم نايف ذوابة الذي يسأل:


* ألا يؤثر استغراق العمل الفني من أعمالك لمدة طويلة - بسبب ما سميته كسلا ـ على نضج العمل ووضوح الفكرة والرؤية؟

بالتأكيد يؤثّرُ تأثيراً كبيراً على نُضْج العمل ووضوحِ الفكرة والرؤية، وأثره ـ من هذه الزاوية ـ إيجابيّ، لأنَّ الفكرة أو "الوارِدْ" في إرهاصاتها الأولى تكون أشبه بعقْدِ الثمار التي لم تبلُغْ ـ بَعْدُ ـ مراحلَ نُضْجها واستوائها، فتحتاجُ إلى زمنٍ ترتوي فيه من ماءِ الرِّيِّ والمطر، وتَشْبَعُ من نسيمِ الهواءِ وضوءِ الشَّمسِ وعناصرِ الأرضْ. لكن لهذا "الكَسَلْ" وجهٌ أو بالأحْرَى وجوهٌ أخرى سَلْبِيَّة تتمثَّلُ في أنَّ طولَ أمَدِ الولادة يُبَدِّدُ أحياناً وهجَ هذه اللحظة ـ لحظة انبثاقِ القصيدة وتشكلها ـ فيفتر الحماس وربما يضيعُ هاجسُ الكتابةِ هباءً فتبقى "القصيدة" جنيناً غير مُكتملْ ربما لا يُقَدَّرُ له أن يرى النُّورْ. فهذه اللحظة ـ كما ذكرت ـ عزيزة وغالية خاصةً إذا كانت الكتابة مِزاجاً شَخْصِيّاً وفِعْلاً مُتَحَرِّراً من أيّة ضُغوطٍ مُلِحَّة باستثناء هاجس الكتابة ذاته. والأمر الثاني أن مُحَصّلة هذا "الكَسَلْ" ـ في النهاية ـ هو قِلَّةً ملحوظة في الإنتاج الأدبي، وهو جانبٌ آخر سَلبيّ بكل تأكيد. لكنْ مَا يُعَزِّيني ـ أحياناً ـ أنني لم أكتب شيئاً قَطّ وأنشره إلاّ وأنا مُرتاح الضَّمير وقَرير النَّفسْ.



- لقاؤنا يتجَدَّدُ مع مضيفة هذا المنتدى التي التأم جَمْعُنَا الكريم هذا على مائدتها العامرة بأطيبِ الزَّادْ. تقول شاعرتنا المرموقة إباء إسماعيل:


* يلاحظ المتابع لمقالاتك المنشورة، اهتمامك اللافت بالمجال النقدي وسبرك العميق للكثير من الأعمال الإبداعية للجيل الشاب تحديداً. ليتك تحدثنا عن هذه التجربة وهل لمستَ ملامح جديدة في إبداعات الأدباء الشباب متطورة إبداعيا أم أكثر رداءة من الأجيال السابقة؟!! هل تشعر بالتفاؤل بما ينشر من كتب

( شعر، قصة، رواية) أم لديك تحفظات ما؟!!

ـ للأديب والناقد الكبير د.وَهْب رومِيَّة مقولةٌ أعتزُّ بها كثيراً. يقول في مقدمة كتابه الرَّائع (الشِّعْر والنَّاقدْ ـ من التَّشكيل إلى الرُّؤيا): "إنَّ علاقة الناقد بالشعر هي كعلاقة البُسْتاني بأشجار الوَرْد؛ يُبعدُ عنها ما ليسَ منها، ويُنَقِّيها من الأوشاب، ويُعالجُ ما في بعضها من عِلَلْ، ويُبرِزُ جمالها وفِتْنتَها، فإذا هي مَرأى يَسُرُّ النَّاظرين".

ومع ذلك، فإنّ علاقتي بالشِّعر ليستْ على هذا النَّحْو تماماً. فأنا عاشقٌ للشِّعْرِ الجَيِّد ومُتَذَوِّقٌ له، وما يجذبني في الشِّعر والشاعر معاً هو الجِدَّة والأصالة وصِدقُ الإحساسِ ونبوغ الموهبة وفرادة اللّغة وعُمق التجربة. وحين أعثرُ على قصيدةٍ أو قصة أو أيِّ عملٍ فَنِّيٍ تتوفَّرُ فيه هذه السِّمات أقعُ في دائرة الأسْر ولا أجد فِكَاكاً من شِراكه سوى الكتابة عنه. وعادة يكون ما أكتبه انطباعيّاً ومُنْحازاً ونَزَّاعاً دائماً إلى إبراز محاسنه ومفاتنه للعَيان، وكأنني أُدَوّنُ حيثيّات إعجابي بهذا النَّصّ. لم يحدث يوماً أن كتبتُ حَرفاً عن نَصٍّ لا يروقُ لي لأنني ناقدٌ غير مُحترفٍ لمهنة النقد، بل أكتبُ بعيونِ وحواسِّ الشاعر المُتَذَوّق الذي يكشفُ مواطن الجمالِ في القصيدة أو القصَّة أو الرِّواية ويُفتَنُ بها، ويتقصَّى منابع التجربة التي أنبتت هذا العمل الفَنِّي ويتلمَّسُ صِدقها وحرارتها، فيسوقُ رؤاه إلى القُرَّاء ليشاركونه مٌتعةَ القراءة والتَّذوّق.

في مقَدِّمتي المُطَوَّلة لديوان "سلامي لك مَطراً" للشاعرة الفلسطينية آمال رضوان قلتُ إنني أعتقدُ أن الناقد لا يكون مُحايداً أبداً، بل ينبغي عليه أن ينحاز للتجربة التي يكتبُ عنها، تماماً كما يَنحازُ المُبدعُ لتجربته حتى يُجيد تجسيدها فَنّاً أصيلاً وراقياً. وهذا الانحياز لا ينتقصُ من تجَرُّدِ الناقد ونزاهته وموضوعيته، بِشرطِ أن يكون هذا الانحياز للتجربة والنّصّ وحدهما، وليسَ انحيازاً لشخصِ الكاتبِ أو الشّاعر أو الفنّان، وأن يكون لدى الناقدُ حاسَّة التذوِّق الفَنِّي والخلفية الثقافية الواسعة والعميقة، وأن يمتلك ناصية اللغة وأدوات النَّقد ومناهجه التي تمكنه من النفاذ إلى صميمِ النَّصِّ والكشف عن رموزه ومُعطياته.
معظم ما كتبته من نقد كانَ عن أصواتٍ أصيلة في الشعر والقصة لكنها لم تَحْظَ بما تستحقُّه من تقديرٍ واهتمام، وكنتُ أشعرُ أن المسؤولية الأدبية ـ والأخلاقية أيضاً ـ تفرضُ عليَّ أن أُعَرِّفَ بهذه الأصواتْ قَدْرَ المُستطاعْ وأن أكشفَ عمّا تبدَّى لي من مواطنِ الإبداع في أعمالهم. وهذا يَصِلُ بنا إلى الجزء الثاني من السؤال الذي تَفَضَّلتِ به:

* هل لمستَ ملامح جديدة في إبداعات الأدباء الشباب متطورة إبداعيا أم أكثر رداءة من الأجيال السابقة؟!! هل تشعر بالتفاؤل بما ينشر من كتب ( شعر، قصة، رواية) أم لديك تحفظات ما؟!!

ـ بالتأكيد هناك ملامحُ وسماتُ تَفَرُّدٍ في إبداعات الأدباء الشباب ـ في الشِّعر والقصة والرواية ـ وهي علاماتٌ فارقة تُميّزُ كتاباتهم عن كتابات الأجيال السّابقة. فقط أريد أن أتوقَّفَ قليلاً عند مُصطلح "الأدباء الشَّبابْ"، فأنا أعتقدُ أنَّ كُلَّ ما يُقَدِّمُ إبداعاً حقيقيّاً وجديداً ومُتَفَرِّداً عن سِواه ونابعاً من موهبةٍ أصيلة وتجربةٍ صادقة ـ هو كتابةٌ شَابَّة بغَضِّ النَّظر عن عُمْرِ المُبدع. فالكثير من الإنتاج المُتَمَيِّز الذي يستلفتُ الانتباه في الشِّعر والقصة هو لكُتّابٍ وشعراء في مٌنتصفِ العُمر أو جاوزوا الأربعين بسنوات. ربما لأنَّ تمرسهم بالكتابة أنضجَ مواهبهم وصَقَلَ مَلَكَاتهم فاستوتْ أعمالهم وبلغَتْ أوْجَ نُضجها.

الظاهرة المُمَيِّزة في هذه الكتابات الشَّابَّة الأصيلة هي التواجد الحَيّ والخَلاّق لعدد كبير من الشاعرات وكاتبات القصَّة والرواية في واجهة المشهدِ الشِّعْريّ والنَّثْريِّ على السَّواءْ. وهي ظاهرةٌ حضاريّةٌ طَيِّبة ومُبَشّرة بالخير وتصحيحٌ لخطأ أو خَلَلٍ تاريخيّ تمثَّلَ في قِلّة إسهام المرأة في الحياةِ الأدبية والثقافية بشكلٍ عام، أو ظهورِها كأصواتٍ منفردة وليسَ كظاهرةٍ جديرة بالرَّصدِ والتسجيلْ. فإذا أضفنا إلى ذلك ما طرأ على هذا النتاج الأدبي من تطوّرٍ نوعيٍّ في القيمة الفكرية والإنسانية والجمالية وانغماسٍ حميمٍ في قضايا الوطن والمُجتمع والأمّة والتعبير عن هذا كله من خلال أشكالٍ ومبادراتٍ إبداعيةٍ راقية ـ بدتْ لنا أهمية هذا الطَّفرة الإيجابيّة في حياتنا الأدبية والثقافية بل والاجتماعية والقومية أيضاً.

أمَّا الجانب السَّلبيّ الذي أراه فهو ينحصِرُ في نُقطتَيْن تعرَّضتُ لهما ـ باستفاضة ـ في بعض المقالات النقديّة أو الحوارات التي شرُفتُ بالمشاركة فيها. النقطة أو الظاهرة الأولى تتمثّلُ في ذلك الرُّكام الهائل من الكتابات التي تُنشرُ نشراً إلكترونيّاً في كثيرٍ من المُدَوّناتِ أو المواقع الخاصة أو المنتديات الصَّغيرة وهي كتاباتٌ تفتقرُ كثيراً إلى أبسطِ مقوِّماتِ الكتابة الأدبية، وهذا الغَثّ يطفو على السطح وينالُ استحسان أو مُجاملة غير المتخصصين بالنقد فيحجبُ عن عيوننا الإبداع الحقيقيّ الذي يستحقُّ الاحتفاء به. لقد قَدَّمَ النشر الإلكتروني إمكانياتٍ هائلة وعظيمة للمبدعين وأتاح لهم سهولة وسرعة الوصول بنتاجهم الأدبيّ إلى قطاعٍ واسعٍ وعريض من جمهور القُرَّاء، وهذا عنصرٌ إيجابيّ على قَدرٍ كبيرٍ من الأهمية، لكنْ من سلبياته أنه أتاح لغير الموهوبين وغيرِ المُتمرّسين بالكتابة أيضاً أن يَنشروا أعمالاً لا ترقى إلى مستوى النَّشر. وهذا لا يعْني أنَّ النَّشرَ الورَقيَّ مُبَرَّأٌ من نشْرِ بعض الأعمالِ الهزيلة، فهناك كثيرٌ من الإصدارات الوَرقيّة التي تنهالُ عليْنا بقِوَّةِ المالِ أو النفوذِ أو العلاقاتِ الشَّخصيّة وهي تفتقرُ إلى مُقَوِّماتِ الأدبِ شِعْراً أو نَثْراً. وبعض هذه الأعمال يُرَوَّجُ لها أحياناً بحملاتٍ دعائيةٍ رخيصة تُسهمُ في ارتفاعِ أرقامِ توزيعها بشكلٍ غيرِ مُبَرَّرْ مثلما حدث مع إحدى الروايات الصادرة عندنا في مصر والتي قيل إنها حققت أرقاماً قياسية غير مسبوقة في التوزيع وحين قرأتها لم أجِدْ فيها غير القليل جِدّاً من الأدبِ والفَنِّ والكثير من الثَّرثرة الفارغة والعُرْي المُبْتَذلْ. وظَلَلْتُ في حيرةٍ حقيقية حتى قرأت العديد من الدراسات النقدية لنُقَّاد مرموقين كشفوا زيفَ هذا العمل وغيره من الأعمال التي تنتمي إلى عالمِ التجارة لا إلى عالم الأدب والثقافة.

والنقطة أو الظاهرة الثانية من سَلبيّات المشهد الأدبي الرَّاهن هو غياب النَّقد أو شبه الغياب للحركة النقْديّة التي تخلَّفتْ كثيراً عن حركة الإبداع مما أسهم في اختلاط الجَيِّد بالرَّديء والغَثِّ بالسَّمين في أعين القُرَّاء وعدم وجود آلِيَّةٍ نقدية فَعَّالة للفَرزِ والتَّمييز بين هذا وذاكْ.

ـ نستأنف حوارنا ـ من جديد ـ مع الأخت الكريمة والشاعرة المبدعة مروة حلاوة التي تقول:

* أُلْحِقُ بسؤال شاعرتنا الإباء بنداً آخر:

 أين تجد كتابات المرأة في سياق هذه التطورات عبر الأجيال؟
وهل يتماشى إبداعها مع الخط العام لأقرانها الأقل لطفاً وجمالاً أم هناك خطٌ /اتجاه إبداعيّ مختلف ؟

ـ ما أراه هو أنَّ المؤشِّرَ العام لكتابات المرأة أو الجنس الأكثر لُطفاً وجمالاً يتفوّق كثيراً على أقرانها الأقَلّ نعومة ولُطْفاً. وهذه ظاهرة جديرة بالتسجيل والاحتفاء أيضاً. فالمُتَتَبِّعُ للحركة الأدبية ـ في عمومها وتفاصيلها ـ يُلاحظُ تنامياً ملحوظاً وتواجدا مُكثفاً للمبدعات في شتى فنون الأدب وربما كانت حِصَّةُ الشِّعرِ أكثر قليلاً. غير أن أهمية هذه الظاهرة لا تقتصرُ على "الكَمّ" بل تتجاوزه إلى "الكَيْف". ذلك أنَّ نَوْعِيَّة الكتابة ذاتها قد سجَّلتْ مُستوى بالغَ الجَوْدةِ والرُّقيِّ ـ عند بعض المُبدعاتْ ـ على صَعيدي الشَّكْلِ والمَضمون معاً. وليسَ أدلّ على ذلك من أنَّ حركة التجديد والتحديث ـ في الشِّعرِ والقصَّة ـ تحفلُ بأسماءِ مُبدعاتٍ أسْهَمْنَ إسهاماً فاعلاً وجَوْهَريَّاً في هذه الحركة. فضلاً عن ذلك، فإن قضايا الوطنَ والأمة وشواغلَ المجتمع والناسِ كانت في صميمِ إبداعَات المرأة خلال السنواتِ العشْر الأخيرة. وهذه ربما كانت أهَمَّ سمةٍ من سماتِ الحركة الأدبية المعاصرة في وطننا العربيّ.

 

ـ نستهلُّ حوارَنا ـ الآن ـ مع الأخ الكريم الدكتور عبد الرحمن أقرع الذي أسعدُ وأشرفُ بحضوره الكريم وأشكره ـ عميق الشُّكر ـ على حفاوته وطيبِ مشاعره. يقول د. عبد الرحمن

 

*  يدور في خلدي عدة أسئلة سأكتفي بطرح واحد منها الآن:

 كشاعر وناقد.. هل يتقن الناقد نقد شعره كما يفعل مع الآخرين؟!

ـ أعتقدُ ـ وهذا مَحْضُ اجتهادٍ شخصِيّ ـ أنَّ الشَّاعرَ الحقيقيّ ينبغي أن يكون أوَّلَ نُقَّادِ شِعْره، لأنَّ القصيدةَ تبدأ هاجساً أو خاطرةً أو إحساساً بِكْراً قبلَ أن تسْتوي عَملاً فَنِّيّاً بالغَ النُّضْجِ والاكتمالْ، وهي تَمُرُّ ـ بين إرهاصات الخَلْقِ ومُخاضِ الولادة ـ عَبْرَ منافذِ الحِسِّ والذَّوقِ وملكة الإبداعِ لدى الشَّاعر طوالَ مرحلة التكوين والنُّموِّ التي تستغرقُ وقتاً قد يطولُ أمده أو يقصر، لكنها في كُلِّ لحظةٍ من لحظاتِ التَّشَكُلِ في وَعْيِ الشَّاعر ولاَ وَعْيه تخضَعُ لعملياتِ اختبارٍ وفَرْزٍ ومُفاضَلَةٍ وانتقاءٍ حتى يصِلَ الشَّاعرُ إلى أفضلِ صياغةٍ شِعْريَّة لأحاسيسه ومشاعره ورؤاه. وأحياناً لا يصِلُ الشاعرُ إلى الصيغة المُثلى لما وَقَرَ في وجدانه لأنَّ حرارةَ الصِّدقِ ووَهَجَ الخَلقِ لا يكفيان لإنضاجِ التجربة، أو لأنَّ مُخيّلته أو ثقافته أو موهبته لا تُسْعفه في الوصولِ إلى ما يَنْشُده من مُرامْ، فتبقى القصيدة ـ في باطنِ الشَّاعر ـ جنيناً لا يرى النُّورْ.

عملية الإبداعِ كما أراها ـ إذَنْ ـ تحملُ في ثناياها بالفِطْرةِ والطبيعة نزعةً نقْدِيَّةً تُصَوِّبُ مسارَ الشاعر وتُضيء دَرْبَه وتُنَقِّي أجواءه من كُلّ ما يحجبُ الرؤيةَ أو يُضَبّبها أو ينحرفُ بها عن مُرادها وهو القصيدة كائناً حيّاً نابضاً ومُشِعّاً بوهَجِ الحياة.

 

ـ لقاؤنا الآن مع الأخ الكريم إبراهيم العَبَّادي الذي أتوجّه إليه بعميقِ الامتنان والتقدير لما غمرنا به من فيضِ مشاعره وكريمِ حفاوته، وما تفضَّلَ به من مشاركةٍ قَيِّمةٍ في الحوار أشاعتْ فيه جَوّاً من الإمتاعِ والمؤانسة وزادتْه غِنىً وثَراءً.
يقولُ أديبنا الجميل إبراهيم العَبّادي في أولى مُداخلاته التي رسمتْ بسمةً مضيئة على الشِّفاه:

* ذكرت أن من المآسي التي واجهتها في بداية حياتك وفاة حبيبة الصبا، هل كان المناخ في القرية يسمح بهذا ؟ أم أن الهوى كان هوى النظر.. (والنظر راح يرضي مين)..؟!


• نعمْ ـ أخي الكريم ـ كانَ هوىَ النَّظَرِ بكُلِّ تأكيد، وتَعَلُّق الأحاسيس البِكْر والمشاعر الغَضَّة ـ المُتَفَتِّحة لتَوّها على ضوءِ الشَّمسِ والهواءِ الطَّلقِ والأفق الفسيح ـ بجمال الأنوثةِ ونضارتها وفورانِ الحياةِ فيها. لكن.. من قالَ إنَّ الحُبَّ يخضَعُ لمُناخٍ اجتماعيٍّ أو تقاليد راسخةٍ أو أية عوائق تحولُ بينه وبين التَّحَقُّقِ والوجودْ..؟! الحُبُّ موجودٌ في كُلِّ الأزمنة والأمكنةِ والبيئات فهو فطرةٌ فطرنا الخالقُ عَزَّ وجَلَّ عليها. لكنَّ كُلَّ عصْرٍ ومُجتمعٍ يطْبَعُ مشاعرَ النّاسِ وأحاسيسهم بطابعه. وفي المُجتمعاتِ المُحافظة تكونُ المشاعرُ حبيسةً ونارُ العواطفِ أكثر اشتعالاً وتأجُّجاً بطبيعة الحالْ. لكنني أوَدُّ أن أستأذنكَ لأتوقَّفَ قليلاً عند الفكرة الشَّائعة عن الحياة الاجتماعية في الرِّيف عموماً وما يتعلقُ منها بالعلاقة بين الجِنْسَيْنِ على وجه الخصوص. وأنا أتحدَّثُ ـ هنا ـ عن انطباعاتي الشَّخصيّة كريفيٍّ أمضى طفولته وصباه الباكر بالقرية ولم تنقطع علاقته قَطّ بالناس فيها. صحيح أن العادات والتقاليد التي يغلب عليها التحفظ ـ وأحياناً الجمود ـ هي الغالبة في المجتمع الريفيّ، لكنني أعتقدُ أنَّ مكانةَ المرأةِ ووضعها الاجتماعيّ في الريف أكثر نُضْجاً وتقَدُّماً منه في بيئاتٍ حَضَرِيَّة كثيرة وبالأخصّ في أوساط الشرائح الاجتماعية المتوسطة أو ما يُسَمَّى تحديداً بـ "البورجوازية الصَّغيرة". فالاختلاطُ بين المرأة والرجل شائعٌ في الريفِ بِحُكْمِ التقاربِ الاجتماعيّ وصلة القُربى والجيرة وخروج المرأة لمشاركة الرجل في العملِ بالحقل. ومكانة المرأة في البيت الريفيّ أكثر أهميّةً بكثيرٍ من سواها. فهي حجرُ الزَّاوية ومركز الدائرة الذي يتمحورُ حوله كُلّ اقتصادِ المنزل وحياته الاجتماعية. ويبدو أنَّ هذه سِمَةٌ لا تقتصرُ على الريف المصري أو حتى العربي بل تمتدُّ إلى حضاراتٍ وبيئاتٍ اجتماعيةٍ مُختلفة في العالم. فقد قرأتُ لكُتّابٍ كثيرين أعمالاً أدبيّة يصفون فيها الحياة الاجتماعية في الريف فوجدتُ تشابهاً كبيراً بينَها وبين ما هو كائنٌ عندنا في الريفِ. غير أنَّ ما أدهشني حقَّاً هو ذلك التطابق بين ما قرأته في رواية "قَوْس قُزَح"(
Rainbow) للكاتب والروائي البريطاني الشهير د.هـ. لورانس وبين واقع الحياة بريفنا وما عشته من ذكرياتٍ وأحداث فيه.

 

- نُتابعُ لقاءنا المُمتع الشَّائق مع الأخ الكريم إبراهيم العبّادي الذي نَثَّ في ثنايا هذا الحوار عبقَ روحه الطَّيِّبة ونثَرَ في سمائه نجومه الزَّاهرة. كتب يقول:

 

* درست الجماعة إبَّان المَدِّ الناصري، فإلى أي مَدَى كان تأثرك به؟ وكيف تنظر إلى تلك المرحلة الآن؟!

ـ لم أكن فقط شاهدَ عَيانٍ على المرحلة النَّاصريَّة ولا دارساً لها فحَسْب، بل كُنتُ وأبناء جيلي والأجيال اللاّحقة جزءاً لا يتجزأ من هذه التجربة، عِشْنا أحلامها العظيمة وإنجازاتها الكبرى وأُدْمِيَتْ قلوبنا وتَصَدَّعَتْ نفوسنا بأخطائها الجسيمة وانكساراتها الفاجعة.

النَّاصريّة كانت مرحلةَ مَدٍّ ثوريٍّ وتحَرُّرٍ وطنيٍّ وتوجُّهٍ قوميّ وتحَوُّلٍ اجتماعيٍّ واقتصاديٍّ جسورْ، وقد أحدثَ هذا كُلُّه آثاره العميقة في المجتمعَيْن المصري والعربي وغَيَّرَ الخارطة السياسية والاجتماعية في المنطقة بل وامتدَّتْ توابعه إلى الكثير من بلدان العالم الثالث.

في ظِلِّ حُكم عبد الناصر تجسَّدت الوحدة العربية حُلماً قريب المنال، وتبلورت طموحات الاستقلال الوطنيّ والعدالة الاجتماعية حقيقةً على أرض الواقع. وكان التَّصنيع ومجّانية التعليم وتمصير المصالح الأجنبية وتأميم المشروعات الكبرى وتقليم أظافر الطبقات المُستغلة من كبار مزارعين ورأسماليين كبار، والتنمية الوطنية المستقلة والتوزيع العادل لثمار التنمية على كل فئات المجتمع دون تمييز مؤشراتٍ أكيدة على فكرٍ ثوريٍّ مُتقَدّمٍ ومُنحازٍ إلى الطبقة الوسطى والشرائح الاجتماعية محدودة الدَّخل التي تضُمُّ بين دِفََّتيها العمال وصغار المزارعين والبورجوازية الصَّغيرة عموماً.
وشهدتْ هذه المرحلة ازدهاراً ثقافيّاً غير مسبوق في شتَّى مجالات الإبداع من أدبٍ وفنون تصويرية وتشكيلية وسينما ومسرح وغيرها من الفنون.

غير أنَّ هذه التجربة كانت تحمل بذورَ انهيارها في داخلها بسبب غياب الديمقراطية وتضييق هامش الحريّة والنقد والتعبير وانعدام المشاركة الجماهيرية في رسم السياسات واتخاذ القرار فتضَخَّمَ نفوذ أجهزة الدولة ـ والأجهزة الأمنية على وجه الخصوص ـ وتراكمت الأخطاء والسَّلبيّات حتى كانت هزيمة الخامس من يونيو/حزيران مُنعطفاً تاريخيّاً كشفَ هشاشة البنيان المؤسَّسي للنظام في غياب المشاركة الشعبية، وكانت نقطة تَحَوُّلٍ في هذه التجربة أدَّتْ إلى انحسار مَدِّها الوطنيّ وتراجعِ خطاها وتصفية مكاسبها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والانقضاض على منجزاتها بعد رحيل عبد الناصر.

التجربة الناصريّة مرحلةٌ هامة وخصبة في تاريخ الوطن والأمة وهي تحتاجُ إلى دراسة مُوَسَّعة وبحوثٍ مُستفيضة وتقييمٍ أمين لما لها وما عليها من أجل استخلاص الدروس والاستفادة من مؤشراتها ومُعطياتها.

عودة إلى حوارنا مع الأخ الكريم إبراهيم العبادي الذي يتساءل:

* عملك في منظمة العفو الدولية، هل هو مجرد أداء وظيفي، أم رسالة تؤديها..؟ وإن كان رسالة، هل تعتقد أن المنظمات الدولية أصبحت أهلا للثقة ؟ أم أنها مجرد أدوات للضغط باسم المبادئ الراقية - على دول لصالح دول أخرى..؟!


ـ عملي بمنظمة العفو الدَّولية يتعلق بترجمة الوثائق والتقارير التي تعدها المنظمة من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية. وهذه الوثائق والتقارير تصدرُ في مطبوعاتٍ ونشراتٍ سنوية ودورية وشبه دورية عن المنظمة. أي أنه عملٌ مهني وليسَ تطوّعيّاً. لكنه يُتيحُ لي أن أتعرفَ ـ عن قرب ـ على أوضاع حقوق الإنسان في العالم. وهي أوضاعٌ مُتردِّيةٌ دون شكّ في معظم بلدان العالم خاصة في العالم الثالث، أمّا في وطننا العربيّ السَّعيد فهي مأساوية بحقّ. أمّا رأيي الشخصي في أداء هذه المنظمة وغيرها من المنظمات النشطة في ميدان حقوق الإنسان فليس هناك من شكّ في أنها شأنها شأن مؤسسات المجتمع الدَّولي والمدني غير الحكومية ـ تقوم بدورٍ مهمّ من خلال نشر التجاوزات والجرائم التي تُرتكبُ في حقّ المواطنين سواءٌ من قبل أنظمة الحُكم والسلطات التابعة لها أو من قبل قوات الاحتلال في البلدان الخاضعة للاحتلال. وتقوم المنظمة بالتحقيق في البلاغات والشكاوى التي تتعلق بأيِّ شكلٍ من أشكالِ انتهاكات حقوق الإنسان مثل الاعتقال والتعذيب وسوء المعاملة والاستخدام المفرط للقوة في فضِّ المظاهرات والاعتصامات ومسيرات الاحتجاج، وذلك بعمل زيارات ميدانية ولقاءاتٍ مع ضحايا هذه الانتهاكات، كما يقوم ممثلو المنظمة وأعضاؤها ونُشطاؤها بعمل جولاتٍ تفتيشية على السجون ومراكز الاحتجاز للتحقق من استيفائها للشروط الواردة بالمعاهدات والاتفاقات الدولية ووثائق الأمم المتحدة وبروتوكولاتها المتعلقة بحقوق الإنسان.
غير أنّ هذا كله لا ينفي انحياز هذه المنظمة أو تلك من منظمات حقوق الإنسان وتبنيها لمعايير مزدوجة أو كَيْلها بمِكْيَالَيْن في بعض الأحيان إمَّا تحت ضغوطٍ من الدُّول الكبرى أو تحت تأثير الإعلام والدعاية المضَلِّلة أو لدافع آخر من الدوافع التي تؤثر على حياد هذه المنظمات واستقلالية أدائها.

http://www.aklaam.net/forum/showthread.php?t=17525




  أرشيف تحقيقات صحفية

اطبع الموضوع  

Home