القلم النقدي

 

مقاربة نفسية في ديوان سنابل النيل لـ هدى ميقاتي

رضا عامر



الأستاذ: عامر رضا

جامعة محمد خيضر بسكرة / الجزائر

عنوان المقال: مقاربة نفسية في ديوان سنابل النيل لـهدى ميقاتي

.مدخــــل:

يعدّ علم النفس من العلوم الحديثة التي استفاد منها الأدب إلى حد كبير، واستخدمها في إضافة الكثير من المعايير النقدية الإبداعية إلى حيثياته، ولا تعود علاقة التداخل بينهما إلى عهد "سيجموند فرويد " فحسب في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بل لها جذور تاريخية حيث نجد "أرسطو" يشير صراحة إلى دور التطهير من الأحاسيس المظطربة والمشوشة الذي » تحدثه التراجيديا في نفوسنا«(1) .

وهذا يؤكد أنّ علم النفس كان موجودا بطريقة أو بأخرى من خلال الفلسفة والأدب الذين اهتما أساسا بدراسة النفس البشرية منذ فجر المعرفة الإنسانية، وما فعله "سيجموند فرويد" وتلاميذه من بعده كان عملا تقنينيا لهذا الفرع من العلوم التجريبية، ووضع الأسس والمناهج العلمية له.

كما يعود التداخل بين علم النفس والأدب في بعض الأحيان إلى وجود أعمال أدبية قائمة على المنهج التحليلي النفسي» حيث ينظر تلاميذ المدرسة السلوكية إلى العمل الأدبي  على أساس أنه تعبير مباشر عن شخصية الكاتب وتكوينه النفسي«(2) ، فالمبدع عندما يؤلف عملا فنيّا ما فإنّ عمله هذا محمّل بالكثير من العناصر النفسية الشعورية ، واللاشعورية والأزمات والعقد المخزنة في عقله الباطن وذكرياته ، والتي تطفو إلى السطح بطريق غير مباشرة من خلال أعماله الإبداعية، ولهذا » فإنّ الأعمال الأدبية كلها تتحول إلى نسخ باهتة وصور مكررة لنفسية كاتبها« (3)

وعليه نجد أنّ علم النفس التحليلي يساهم بطريقة عير مباشرة في تفسير دلالات التأثير السيكولوجي الذي يمارسه العمل الأدبي على نفسية القاريء( المتلقي) فنفسيته لايمكن أن تبقى على حالها بعد عملية التذوق الفني لرسالة المبدع الفنّان ،فهي تتأثر بشكل تلقائي بما يريد التوصل إليه الكاتب من خلال نفسيته المشفرة داخل العمل الأدبي خاصة عبر قناة الكتابة، وهذا ما فعلته الشاعرة "هدى ميقاتي" في ديوانها الموسوم بـ"سنابل النيل" حيث استطاعت أن تنفس عن كل أزماتها النفسية شعريا، وعندما يحوّل » الشاعر مثلا تجربته النفسية إلى قصيدة فإنه لا يعزل عنها الجوانب الفكرية ويبقي على الجوانب الانفعالية الجامحة لكي يعبر عنها وحدها« (4)

2.علاقة الأدب العربي بعلم النفس:

     يهتم التحليل النفسي بالصراعات النفسية الدفينة من خلال الإنتاج الأدبي، وهو ما يعطي للعمل الفني طابعه المتميز، وانطلاقا من هذه الزاوية فإن عمل الناقد النفسي هو إزالة كل التراكمات التي من شأنها طمس هذه المعالم النفسية ومحاولة تبيانها وربما تفسيرها، على أساس أنّ العمل الفني هو شكل من أشكال السلوك الإنساني المبني أصلا على فكرة الإلهام الخارق، ولعل الناقد هنا ينظر إلى الكتابات التي استقى منها "فرويد" أهمّ العقد النفسية والتي تنتمي أغلبها إلى أساطير قديمة، وثقت بوضوح لثقافات ورغبات مكبوتة في الإنسان.

     وهكذا أمكن للناقد أن يخلص إلى أن التحليل النفسي كان الهدف منه هو تحليل الجوانب العبقرية في الشخصية الإنسانية ومحاولة وضع معايير دقيقة لهذا التميز الإنساني لهذا نجد أنّ » هناك قدر مشترك من المسائل توحد نقاد هذا الاتجاه أبرزها الاعتماد على أسس علم النفس في تفسير الظاهرة الأدبية، وإنّ استثمار نتائج أبحاث علم النفس في حقل النقد الأدبي، بدأه رواد هم : العقاد والمازني وشكري واستمر على يد أكاديميين منهم مهدي علاّم وخلف الله والنويهي وعز الدين إسماعيل وغيرهم« (5) .

      إنّ العلاقة بين المبدع وإبداعه علاقة معقدة جدا و خاصة فهي» تؤدي افتراض قيام علاقة بين الحالة النفسية اللاواعية للمبدع وإبداعه ،فكثيرا ما ينظر إلى هذه العلاقة نظرة مرضية، بمعنى أنّ أعراض الأمراض النفسية أو العقلية أو العضوية أحيانا التي يحملها الشاعر أو الكاتب في عالمه الداخلي هي التي تفرض المادة التي يخرجها في قالب فني(...) ومن ثم يصبح النص الأدبي ثمرة من ثمرات مزاج الشاعر أو الكاتب المريض«(6).

 

 

      ونتيجة لمثاقفة نقادنا مع الغرب، أُثير الاهتمام بالمنهج  النفسي في تفسير الأدب، فتبناه أمين الخولي، وحامد عبد القادر في كتابه (دراسات في علم النفس الأدبي)، ومحمد خلف الله في كتابه (من الوجهة النفسية في دراسة الأدب ونقده)1947م، ومحمد النويهي في كتابه (ثقافة الناقد الأدبي) 1949م الذي حلل فيه شخصية "ابن الرومي" اعتماداً على بيولوجيته، وأرجع تشاؤمه إلى اختلال وظائفه العصبية والجسدية، ثم وضع كتابه (نفسية أبي نواس)1953م حيث حلل فيه شخصية "أبي نواس" اعتماداً على (عقدة أوديب)، التي اكتشفها (فرويد)، وعلى اللاشعور الجمعي الذي اكتشفه (يونغ)، وعلّل إدمانه الخمرة بكونها تعويضاً عن مكبوتاته النفسية، وعن حنان أمه التي حرم منها منذ وقت مبكر من طفولته، حين تزوجت بعد وفاة أبيه، فأورثه هذا شذوذاً جنسياً يتمثل في النفور من النساء، بوصفهن ـ كأمه ـ خائنات.

        وقد دفع به نفوره من النساء إلى البحث عن (تعويض) فوجده في الغلمان حيناً، وفي الخمرة حيناً آخر، فتخيّل الخمرة أنثى، وخلع عليها صفات الأنوثة المغرية المثيرة التي يجدها الرجال العاديين في المرأة، ووصفها بالبكارة والعذرية، وسماها فتاة وبنتاً وجارية وعواناً.‏

        كما اهتم "عباس محمود العقاد" بشخصيات الشعراء، فتتّبع سيرهم الذاتية، ورصد شخصياتهم، من أجل النفاذ إلى أسرار إبداعهم، فحلّل شخصية "ابن الرومي" في كتابه (ابن الرومي:حياته من شعره) 1963م ، درس فيه أصله، ونشأته، ومزاجه، وتكوينه النفسي والجسدي، وأرجع تشاؤمه إلى اختلال في أعصابه، وسخريته إلى خصائصه الجسدية، كما ردَّ عبقريته إلى أصوله اليونانية، وإلى الطيرة التي استحكمت به.

        ثم وضع كتابه (أبو نواس: دراسة في التحليل النفساني والنقد التاريخي) حلل فيه شخصية "أبي نواس"، وأظهر (عقده النرجسية) لديه، وعلى ضوئها فسّر مجونه، معتمداً على (فرويد) و(أدلر)، و(يونغ)، وغيرهم حيث ورأى أنه كان جميلاً مفتوناً بمحاسنه، بسبب نقص غدد رجولته، وأنه لقي من أمه دلالاً زائداً بسبب شيخوختها، فاتخذها قدوة، مما وطّد له سبيل الانحراف عن الولع بالنساء إلى الولع بالرجال.‏

         وتناول "طه حسين" شخصية (المتنبي) في نشأته، فرأى أنه كان يتستّر على معرفة أبيه وأمه ويتجاهلهما في الوقت الذي كان الناس فيه يتفاخرون بالأنساب، وأنه اتصل بالقرامطة لأنه كان مثلهم ثائراً على الأوضاع في بغداد ، ثم تتبع حياته في بلاد سيف الدولة، فرأى أنه شغل نفسه بحركة الحياة الخصبة التي كان يحياها سيف الدولة، وأنه أظهر نفحة الحزن عند كافور عندما وجد نفسه سجين العناء والمرارة.

     كما درس "طه حسين" شخصية (المعري) فردّ ولعه بالتلاعب بالألفاظ إلى أنه عاش نصف قرن (رهين المحبسين): محبس البيت، ومحبس العمى، فطال عليه الزمن حتى ملَّه، فلجأ إلى قتل الوقت بالتلاعب بالألفاظ.‏

      ودرس "شوقي ضيف" شخصية (عمر بن أبي ربيعة) فاستفاد من علم النفس، ووقف عند ظاهرة جديدة في الشعر العربي جاء بها عمر هي تحويل الغزل من المرأة إلى الرجل؛ فالمعهود هو أن يتغزل الرجل بالمرأة، لا العكس كما حدث مع عمر الذي أصبح هو المعشوق لا العاشق، وفسّر الناقد هذا التحول بأن عمر كفلته أمه بعد موت أبيه، فقامت على تربيته، وتعلقت به بوصفه وحيداً وجميلاً، وأغدقت عليه من فيض حنانها ودلالها، فانعكس ذلك إعجاباً بنفسه في شعره: فالنساء هن اللواتي يطلبنه، ويعشقنه، ويرغبن في وصله، بينما يختال هو عليهن، ويتأبى ويتمنّع إعجاباً بنفسه، وهذا الإعجاب الزائد بالنفس هو ما سماه علماء النفس بـ(النرجسية).

     ثم أصدر "عز الدين إسماعيل" كتابه (التفسير النفسي للأدب) عام 1963م عالج فيه عملية الإبداع الأدبي، فرآها وليدة اللاشعور، وأنها كالحلم، تتخذ من الرموز أو الصور النفسية ما ينفّس عن الرغبات، كما حلل نفسية المبدع، ورأى أنه قد يكون عصابياً، ولكنه ليس مجنوناً، وعصابه لا دخل له في قدرته على الإبداع، لأنه حين يبدع يكون في حالة جيدة من الصحة النفسية، كما أنه ليس نرجسياً، لأنه حين يبدع يعوّض بإبداعه الأدبي عن نرجسيته.‏

       ثم نشر "خريستو نجم" كتاب (النرجسية في أدب نزار قباني) عام 1983م قرأ فيه شعر نزار على ضوء (عقدة النرجسية) في التحليل النفسي، وهي عقدة مرضية تبتدئ في طفولة كل طفل، حيث يمر بمجموعة من المراحل النفسية، والتغيرات الفيزيولوجية ،وقد تتبع الباحث تطور هذه المراحل في حياة "نزارقباني"، واعتبر انتحار أخته إسهاماً في تسامي مشاعر الشاعر السلبية، فغدا الشاعر أنثويّ الإحساس، يعبّر عن مشاعر المرأة الرقيـقة.‏

ولكن عقدة (النرجسية) تنزاح عند الباحث ليجعل من الشاعر" انطوائياً، سادياً ، مازوشياً وأوديبيا ودون جواناً مسلّطاً" ويسقطها على شخصية "نزارقباني" ، كما تجاوز الناقد الأخذ من فرويد ليأخذ من معظم المدارس النفسية.‏

      كما اعترف (يونغ) بذلك فقال:» إن المنهج الذي يمكن الوصول عن طريقه إلى حقيقة الفن لابد أن يكون منهجاً فنياً«(7) ، و عليه » فالتوغل في أعماق المريض - في علم نفس الأدب- ومساعدته على التداعي الحر لأفكاره، مسألة لا يقدر عليها إلاّ أديب، لأنّ المريض ههنا نص منثور أو قصيدة شعرية أو رواية مسرحية.ومعروف أنّ المختص في التحليل النفسي يتوخى اكتشاف العقدة لمعالجتها، بينما الأديب المحلّل يتوقف ملياً عند هذه العقدة، فيقارن أثرها الفنّي لدى شاعر معيِّن، بسائر الآثار لدى شعراء آخرين«(8)، ولعلّ هذا التمازج الفنّي بين "علم النفس والأدب"  يشكل نقطة تحول وترابط عضوي يستدعي منا التأسيس لقاعدة ممنهجة أكاديميا في هذا الميدان العلمي الذي يحترم تفسير الظواهر الأدبية في ضوء التفسير النفسي لها.

3. المقاربة النفسية في ديوان سنابل النيل:                                      

     يعدّ الأدب صورة نفسية لشخصية الشاعر أو الأديب فالتّنفيس والتّوصل، عنده، دافعان متلازمان وشرطان ضروريان لبروز الفنّ ، ولا يغني أولهما عن ثانيهما،و هما: رغبة الفنّان في أن ينفّس عن عاطفته، ورغبته في أن يضع هذا التنفيس في صورةٍ تثير في كل من يتلقّاها نظير عاطفته ، والتنّفيس والتّوصيل مسألتان واردتان في النقد النفسي والأدبي؛ فأيّ عمل يبدعه أديبٌ صادقٌ أصيلٌ، إنما يريد منه التنفيس عن همومه ورغباته وعواطفه، وهو لا يكتفي بهذا، بل يريد أن يوصل عمله إلى غيره ليعيش معه تجربته فقد قيل، مثلاً إنّ "غوته" حرّر نفسه من آلام العالم بتأليف "آلام فرتر"، وأنّ الشاعر دي موسيه كان يلجأ إلى الشعر لإنقاذ نفسه من الانتحار ، وقد حلّل "ريتشاردز" عملية التوصيل، فرآها ضرباً من الموهبة، على استرجاع تجارب الماضي، وهذه القدرة هي التي تميّز الرجل الماهر في التوصيل، شاعراً كان أو مصوّراً، فالنص الأدبي له قيمته الجمالية والإنسانية المؤثرة في تدوين الأعمال الفنية» على أنّها تمثل وثائق أو أعراض مرضية« (9) خاصة في حالة الاستمتاع بقراءة قصيدة ما سواء كشفت لنا الحالة النفسية لصاحبها أم لم تكشفها عن ذلك.

      الحقيقة أن المنهج النفسي حين أقحم في دراسة الظاهرة الأدبية، لم يكن يدرس الأدب باعتباره نسيجا لغويا، وإنما انكب على دراسة الظواهر الإنسانية التي تحفل بها المؤلفات الأدبية،لأن التجربة الأدبية لا تمثل إلاّ» حالة من حالات النفس«(10) .

و على هذا تتحرك المقاربات والإشارات اللفظية عبر مساحة المجموعة الشعرية "سنابل النيل" للشاعرة "هدى ميقاتي" بماديات جمالية لتتبلور داخلها نفسيتها عبر مستويات عديدة من العلاقات الثنائية التي تؤسس لمشهد الشاعرة الشخصي، وتماهيات الآخر عبر انكشافات الجهاز اللغوي من خلال تشكيلات الصورة وجمالياتها الرؤيوية ومرجعية الأثر النفسي، والجرأة الهائلة  عندها، حيث تحيل الشاعرة لغة المدونة إلى خطاب تقرير حاد تؤكد فيه حضورها اللامتناهي عبر العديد من الثنائيات النفسية التي تصب كلها في ثنائية كبرى هي ثنائية: "الحزن والخوف"حيث تنضوي تحتها بقية الثنائيات الفرعية الأخرى.

و بهذا تصل بنا الشاعرة إلى درجة عليا من المزج و المعانقة بين ما هو حسي، و ما هو مادي فذلك هو نمطها التأويلي الذي جعل   نقل الصفات بعضها إلى بعض يساعد، على نقل الأثر النفسي كما هو قريب، ممّا هو، و بذا تكمل أداة التعبير بنفوذها إلى نقل الأحاسيس الدقيقة، حيث يرى "عز الدين إسماعيل" أنّ » المنهج النفسي يسير مع الظاهرة الأدبية بشكل مواز «(11).

 

1.3.ثنائية العطف والخوف:

     تشير الشاعرة – هدى ميقاتي- صراحة إلى » أن الإحساس بالعطف، والخوف من شأنه أن يخلّص من العواطف المشوشة والتافهة، ويجعلنا أكثر قرباً من الوجدان الإنساني العام البعيد عن الأنانية وتضخم الذات وضيق الأفق« (12)، وهذا ما تؤكدّه المدونة الشعرية حيث ينتقل فيها التوتر النفسي تدريجيا عبر الأصوات المهموسة التي تعكس رؤية الشاعرة للواقع ، ونظرتها الثاقبة التي تشخص خصوصيتها الأنثوية التي تعاني من وكزات الدّهر وصروفه، ومن هنا فالمبدع له علاقة وطيدة بنصه الأدبي الذي يعد علامة نفسية لحالاته وعليه» الإنسان المبدع لغز« (13) لم تسقط من قلمه حالات الحزن أو الخوف أو الفرح أو الطيش أو السكوت أو حدّة التصور أو البلادة إلى غير ذلك من آثار الأحداث النفسانية إلا وكان لها مرجعيتها في اللاشعور .

 و فيما يبدو أن عنوان (ماذا جرى) المحذوف منه علامة الاستفهام قد وضع الشاعرة في حيرة ، وتعجب شديدين مما حدث في وطنها لبنان من حرب طائفية طاحنة أحرقت الأخضر ، واليابس فراحت تتذكر الأمسيات الجملية ، والصور الشادية في ربى وطنها .هذا الذي ضاع فجأة ، فراحت تلعن مرارة الشتات ، والتمزق ، والموت ، والدمار فتقول:

 » أَيْنَ الجَمَالُ؟.. وَأَيْنَ نَجَمْاتُ المُنَى؟  فِي كُلِّ رَابَيَةٍ لَهَا مُتَسَكِعُ«(14)

حيث أصبحت البلاد ممزقة بين فصائل ، وألوية متناحرة على مناصب، وألقاب زائلة فتقول:» لَهْفيِ عَلَى الأَحْلاَمِ تَنْدُبُ حَظَّهَا * لَهْفِي عَلَى قِمَمٍ تُدَاسُ وَتُصْفَعُ«(15)

ثم تقول في قصيدة أخرى بعنوان (دمى متحركة):

» وَيَشُدّنِي خَيْطٌ.. يُذَكِرُّنِي بِأَنِّي دُمْيَةٌ

فِي جِسْمِهَا رَأْسٌ وَسَاقٌ..

وَبِأَنَّنَا فِي مَسْرَحِ.. وَسَنَلْتَقِي

فِي ضَمَةٍ« (16)

وعليه نجد أنّ » مهمة الفنان هي التعبير عن الانفعالات ، إنها انفعالاته على أية صُورة من الصور ولن يستطيع أحدُ أن يحكم هل عبرَ عنها سوى من شعر بها، ولو كانت هذه الانفعالات خاصة به ولا تخص أحداً غيره ، فلن يُوجد أحدٌ سواه قادرٌ على الحكم بأنه قد عبّر عنها أولاً« (17).

 فالفجوة التي كانت تنخر في أديم ذاتها تبلورت في مجموعتها الشعرية سرية تكتمت عليها الشاعرة لتعطي انطباعا يوحي بالألم ، والآه الأنثوية عبر زفرات الصراعات السياسية، والأهوال والنكبات الاجتماعية ، إنّ تفضيلها التألم بحزن يجعلها متجلدة في مواجهة واقع الحياة الذي ينشد نغماً حزيناً صوفيا، ترسله من فيافي وحدتها،» وعندما يحوّل الشاعر مثلا تجربته النفسية إلى قصيدة فإنّه لا يعزل عنها جوانبه الفكرية، ويبقى على الجوانب الانفعالية الجامحة لكي يعبّر عنها وحدها، فإن ما يقوم به الشاعر هو خلط الفكر ذاته في الانفعال« (18)

2.3.ثنائيـة الوجع والحب:

 إنّ السنابل معادل موضوعي انزاح إلى الشاعرة التي وجدت في الطبيعة مخدعا ، وملجأ لكل من يريد الهروب إليها من مرارة الحياة، فالطبيعة هي الرحم، والأنثى التي تواسي أحزان كلّ أنثى مبدعة وهذا ما تجسده في قصيدة (سبايا) فتقول:

» آهٍ.. تَلَوّتْ في فَمِي الآَهْ  *    هَلَ كُنت في نُعْمَايَ لَوْلاَهْ

فَأُحِسُّ بي جُرْحاً... فَيُقْلِقُـنِي * وَيَفِيضُ بي قَلقي فَيَغْشَاهْ« (19) .

وتتواصل الرحلة الشعرية فوق صمت الاجهادات اللّغوية للقوافي لتفجر ساحة الديوان محدثة شرخا، وصرخة مملوءة بالمرارة الفاضحة لتعكس عظمة مصاب المبدعة التي أهدرت من الحمم المفعمة بنبرات حزينة ليأتي » الشعر هو الدواء لأبشع مرض يصيب الروح أي فساد الوعي« (20) ، وهذا ما تشير إليه الشاعرة فتقولها:

» يَا نِيلُ.. إِنِّي إِذَ أَبَثْكَ لَوْعَتِي   *  فَهَوَايَ مِثْلُكَ هَادِيءْ... وَوَدِيعْ

يَا نِيلُ أَخْبِرْنِي.. إِذَا طَالَ النَّوَى *  وَدَنَا إَِلى جَمْرِ الفُؤَادِ صَقــيِعْ

     خُذْنِي عَرُوسًا فِي مَيَاهُكَ عَلَّنِيْ  *  أَهَبُ الحَيَاةَ لأُِمِتَّي... وَأَضِيعُ «(21)     




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home