قصة

 

الهارب الى الموت

غمارى احمد



اطبق مفكرا واضعا راسه بين راحتيه مستدركا ساعة خروجه من البيت تاركا إبنته المولودة و زوجته الحديثة العهد به لقد تركهما دون وداع مدفوعا بفقره وحاجته للعمل ان محلات المدينة زاهية وشوارعها كبيرة و جميلة لكنها لفظته مثل النواة كما فعلت معه قريته الامنة أعياه التسكع في الشوارع فأينما حل قوبل بالرفض لا يوجد عمل إجابة مميتتة  وقاتلة أحيانا لاتوجد صدقة و علت نفسه تنهيدة حارة ندب بها حظه العاثر و نحسه الذي يلازمه ما الذي دفعه للزواج و لم يستطع الباءة بعد اه لو عاش وحيدا؟و لم يكن سببا فى اتعاس الاخرين وإستيقظ من تساؤله على صوت الباخرة يدوي ارجاء الميناء فايقن انه على شرفة مدينة بحرية

فلاح ببصره الى الافق البعيد اين اختلطت زرقة السماء بالبحر و ارجع بادراج بصره رويدا رويدا الى الميناء فوجده يعج بحركة غير عادية فالبواخر كثيرة والحمالين فى نشاطهم الدائم و تبادرت لذهنه فكرة الهجرة الهروب من جحيم وافعه فتسأل في نفسه؟ألم يحدثوه عن اؤلئك الذين هاجرواالى اروبا بطرق شتى و بدت له الفكرة قريبة التحقيق لما إمتد بصره ثانية لمقصورة حراس الميناء فوجدها خالية من الحراسة .فنزل السلم و من فرط سرعته لم يبالي بخطر السيارات التي يعج بها الطريق المؤدي اليها و داخلها ارتدى مئزرا لاحد الحمالين وراح ينظر في المراة هل يمثل دوره و لا ينكشف امره؟ حينها سارع الى المستودع ليحمل كيسا من الارز كغيره من الحمالين وأكثر من غدوه ورواحه متقننا دور الحمال على احسن وجه ولم يتفطن احد له على كثرتهم و إقبالهم على الحمالة. فسلع باخرة اليوم كثيرة و نادى المنادي علىحلول ساعة الغذاء فتهالك الحمالون المنهكون في الطابق الاول من الباخرة لتناول الغذاء و بجانب احدهم اتخذ له مجلسا و اتته شجاعته ان يسأله عن وجهة الباخرة فاجابه الى اوروبا فإبتسم بخبث دونما البحث عن جنسيتها المانية ام فرنسية ام إيطالية المهم انه طاهب الى اروبا

و تباطىء فى إفطاره متعمدا لكي يتسنى له إلتقاط ما تبقى من فضلات الموائد فراح يعبىء جيوبه بفتات الخبز وبعض التمرات وعاد لعمله المزعوم يدفع الوقت دفعا ولما حانت ساعة إنصراف العمال مساءا إنعطف فى ركن الباخرة متظاهرا بقضاء حاجته وامام ابواب المستودع هاله الظلام الحالك فراح يتحسس بيده على جدار الباخرة الفولاذى حتى وجد متكأ امام الصناديق فاسند ظهره ليغرق في سبات عميق مستسلما لأحلامه العمل اوروبا الورقة الحمراء و تدحرجت الصناديق فأفق من نومه غير داري كم ليلة نامها و داخله سرور عميق بتحرك السفينة نحو مبتغاها و لم يقاوم جوعه فسلك يده فى جيبه يقتات من فتات خبز مطعم الحمالين الذي تزود به

و طالت ايامه و لياليه ولم يعد يفرق بين الليل و النهار وإزداد جوعه فصارت اروبا بالنسبة له بقيعة ماء حسبها ماء ولم يعد يفكر فيها بقدر ما اصبح يفكر في حريته من قيود الجدران الفولاذية الدائرة به وتحسس بيده جسمه فأدرك انه قد هزل ولم يدرى كم ليلة نامها بل لم يفرق بين الليل و النهار من شدة الظلام وزاده البرد والجوع يأسا وذات يوم انفتح الباب الخلفي للمستودع فهاله ان يرى النور فجاة كالاعمى الذي إرتد له البصر و تقدم نحوه شخص عظيم الجثةو صاح به وهو يلطمه لقد وجدنا تسليتنا فافق بنفسه وهو فى مقصورة الربان وقوم من غير قومه دائرين به لقد حمله البحار عظيم الجثة على كتفيه فوجد فيه تسليتهم تريد الذهاب الى اروبا؟ بلاد العشق والفتيات؟ بلاد الورقة الحمراء؟

فصاح البحار الضخم سوف يذهب الى العالم الاخر فأدرك انهم ملقوه في البحر حتما فعاود كبيرهم حمله و القوم يصرخون و يصفرون فتصبب العرق من جبينه فزعا قبض صدره وفاضت روحه لبارئها ومن رحمة الاقدار به ان ألقي في البحر ميتا على عكس اؤلئك الذين القي بهم احياء

و لطف به موج التيار الجارف القادم من الشمال ايام الشتاء و ألقى به في شواطىء بلاده و تقاذفت جثته الامواج كورقة خريف نثرتها الرياح فلمحها صياد عجوز فحملها معه فى قاربه الصغير بعدما اغمض عينيه الجاحظتين و غطى بشاعتها بمئزر من شدة التأكل و لما وصل الى الميناء سأله الصيادون كيف لقى مصيره غرقا في زمن الشتاء فأجابهم انه ... جرح بملامح إنسان ......إنه من الهاربين الى الموت

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home