القلم الفكري

 

القومية العربية إلى أين

أحمد دعدوش



القومية العربية.. إلى أين؟

أحمد دعدوش

 

كما كان متوقعا، فقد أعلنت القمة العربية العشرون بيانها الختامي دون أي مفاجآت، وطويت صفحتها لتضاف إلى صفحات تاريخ العرب المعاصر المليء بالانتكاسات. إلا أن الظروف التي جرت فيها هذه القمة بما في ذلك توقيتها ومكان انعقادها، أدت بمجموعها إلى عدّها نقطة فاصلة في هذا التاريخ المأسوف عليه. فقد شاءت الحكمة الإلهية أن يقع الدور على سورية حسب ترتيبها الأبجدي بين الدول العربية لتستضيف قمة العرب عام 2008، وكأن إرادة الله أبت إلا أن تضع الحكام العرب جميعا في اختبار محرج لمواقفهم، ولتكشف لعامة الناس وبسطائهم حقيقة نوايا وولاءات حكامهم، وذلك بمعيار في غاية الوضوح، إذ ليس هناك ما هو أبسط من اكتشاف درجة تمثيل الحكام في هذه القمة، فضلا عن قرارهم بالمشاركة من عدمها!

 

 

اتضح الآن لرجل الشارع الذي حُرّم عليه فهم السياسة من قبل، أن الحكام العرب قد انقسموا إلى فريقين، أما الأول، فقد اختار لنفسه اسم "الاعتدال"، مجاهراً بولائه للغرب عموما وللولايات المتحدة خصوصاً، ومعلناً براءته من الحركات الإسلامية والقومية، ومتخذا لنفسه نهجا يدعي أنه ليبرالي. وأما الثاني، فهو المتشبث بما تبقى مما كان يسمى بـ"المقاومة"، وهو يجاهر في المقابل بولائه لإيران، أو بعدم عدائه لها على الأقلـ، وببراءته من العولمة وقطبها الأوحد، متمسكاً بنهجه القومي ـ بعد ما طرأ عليه من تعديلات ـ أو بتوجهه الإسلامي، بما فيه من تشعبات.

هذا الانقسام ليس جديدا بطبيعة الحال، فقد وُلد منذ ولادة ما يسمى بالدول العربية، والتي رسم حدودها كل من سايكس وبيكو على الخريطة قبيل انسحاب الأوربيين من المنطقة، وبعد أن اطمأن كل منهما على نجاح اقتسامهما للكعكة العثمانية، والإغداق على العرب بنعمة الاستقلال من "الاحتلال" الإسلامي العثماني.

انقسم العرب بمجرد خروج السيد الأبيض، ولم تنجح الطلائع الديمقراطية التي حاولت بكل إخلاص وسذاجة نقل تجربة الغرب العريقة في هذا المجال وكأنها سلعة مستوردة، لتبدأ مرحلة طويلة من الانقلابات والقلاقل، إلى أن استقر الأمر أخيرا على الصورة المألوفة للعالم العربي، والتي اعتاد على مشاهدتها رجل الشارع طوال عقود في نشرات أخبار التلفزيون الوطني، إذ لم يكن استقلالا كما هو مُعلن، بل تبعية مقنّعة لأحد قطبي العالم الشيوعي والرأسمالي، ولكن غريزة حب البقاء كانت تدفع هذا المخلوق البسيط للتصديق بأن العرب كتلة واحدة.

طوال هذه المرحلة، كانت القومية العربية هي الكلمة المفتاحية لكل سياسات هذه الدول، فقد حُذفت كلمة الإسلام من مُعجم المفردات الذي تفرضه السلطة، أو تم نقلها إلى الصفحة الأخيرة. وبهذا فقد حُرم الإسلاميون من المشاركة، وأحيانا من الحق في الحياة. وبحكم التخلف والانحطاط الحضاري الذي استشرى منذ ثلاثة قرون، فقد عجز الإسلاميون عن الدفاع عن أنفسهم ولو نظريا بتقديم مشاريع مُحكمة وقادرة على الإقناع فضلا عن التطبيق.

وتحوّلت رسالة الإسلام لدى الكثير منهم من رسالة إنسانية عالمية إلى مشروع شخصي، ومن وسيلة هداية ورحمة إلى مجرد نظام أيديولوجي، يوظَّف في المعارك السياسية أو وعد إلهي بالتمكين يستحق الثقة المطلقة، ومن ثم القتال بكل سذاجة أو حتى التضحية بالنفس إذا استلزم الأمر.

في البداية، أخفقت "إسرائيل" في تفريق العرب، بل كانت عامل وحدة غير مقصودة، فاجتمعوا على حربها صفا واحدا، في وقت لم يكن يجرؤ فيه أحد على خرق الإجماع على وصفها بالعدو، بينما لم تكن هناك أي مشكلة في الالتفاف على هذا الإجماع بوصف رعاتها أصدقاءً وحلفاء.

خرجوا إلى الحرب بأحلام عريضة وخطابات رنانة، فوجدوا عدوا يقاتل باستماتة من أجل "حق" يظن أنه قد سُلب منه ثلاثين قرناً. وفي الحرب التالية، رفعوا شعار التكبير فاستعادوا شيئا من حقوقهم، ولكنهم أدركوا مجددا أن طريق النصر أكثر وعورة مما تخيلوا. وبدأت مرحلة جديدة من تاريخهم، أسماها البعض فيما بعد "نكسة"، ولكن النكسة لم تتبعها نهضة، فسماها رجل الشارع "هزيمة"، ثم دخلت في اللاشعور تحت مسمى "انهزامية".

أما تلك الوحدة الشكلية، فلم تدم طويلا، فبعد أن خسر الجميع المعركة، قرر السادات أن ينهض على طريقته، فأعلن عن فتح صفحة جديدة، وذهب وحيداً إلى القدس ليصافح قادة "إسرائيل"، وليفتح سفارة "إسرائيلية" في وسط القاهرة، ثم ليستعيض بالمساعدات الأمريكية عن المقاطعة العربية الهزيلة.

منذ ذلك الحين، خفتت روح المقاومة شيئا فشيئا، ووجد الفلسطينيون أنفسهم وحيدين على أرض المعركة فلم يجدوا بدا من الانتفاضة، وانشغل العرب بخطط التنمية الفاشلة، فوقع بعضهم أسرى الديون للبنوك والحكومات الغربية، وارتمى البعض الآخر في أحضان الاتحاد السوفييتي الذي انتهز فرصة النفاذ إلى قلب المنطقة. أما الخليج النفطي فلم يكن شيئا يقلقه أكثر من عيون الحاسدين، فرفع أسواره عاليا، وانكفأ على نفسه متخذا لنفسه أشد أنواع الحيطة من "أشقائه" المتربصين.

انتهز "الأصدقاء" على الطرف الآخر من الأرض هذه الفرصة، فسمحوا للخميني بالعودة من منفاه وإعلان الثورة الشيعية على ضفاف الخليج الملتهب، إذ لا شك في أن إحلال سلطة دينية متعصبة في وسط طائفي أفضل من الإبقاء على الشاه العلماني، فكانت النتيجة أكثر جدوى مما توقعوا، وأعلن كسنجر أن حرب الخليج الأولى هي "الحرب الوحيدة التي لا يتمنى النصر فيها لأحد"، فالكل هنا أعداء، والكل مستعد للقتال أو "الجهاد" ثمانية سنوات أو أكثر.

على المستوى الشعبي، بلغ الانقسام درجة غير مسبوقة، فتحول الخلاف من السياسة والأيديولوجيا إلى الانتماء الديني، وصعدت السلفية السنية التي وسّعت دائرة حربها التكفيرية ضد القوميين والاشتراكيين لتشمل الروافض والباطنيين والشيعة، وحذرت من فتنة ابن سبأ الجديدة، حتى وصل العنف بين الطرفين إلى شوارع مكة المكرمة.

وظّف الحكام الخليجيون هذه العاطفة الدينية لدعم صدّام العربي السني بالرغم من علمانيته الفجة ضد الخميني المتدين الشيعي، خوفا من انتشار روح الثورة الإسلامية، فأيدت الشعوب هذه الحرب، واقتنعت بأن الخميني الرافضي أشد كفراً من صدام العلماني.

خرج العرب منتصرون، وفرحوا بتوحد موقفهم مجددا ضد العدو الجديد، ولكن صدّام المنتشي بنصره في "قادسية صدام"، لم يلبث أن وجه سلاحه إلى حلفائه، فدخل الكويت "فاتحا"، معلنا أن طريقه إلى "إسرائيل" يبدأ من الكويت. وكانت مرحلة فاصلة بكل معنى الكلمة، إذ أصبحت الفرقة بين العرب أشد وضوحا وأكثر جرأة، فأعلن البعض انحيازه إلى صدام، واختار البقية الانضمام إلى جيوش عاصفة الصحراء بقيادة أمريكية!

وسرعان ما تحولت الدعاية في الإعلام الخليجي إلى النقيض، فلم يعد صدام العربي السني حليفاً كما كان بالأمس في حربه ضد "الكفر" الباطني، بل هو اليوم نموذج لـ"الكفر" البعثي القومي العلماني، فأيدت الشعوب الحرب من جديد، وأُعلن الجهاد ضد الكفر تحت راية "الأصدقاء" القادمين من الغرب.

في الوقت نفسه، سقطت الشيوعية من تلقاء نفسها، ووجد الاشتراكيون العرب أنفسهم في مهب الريح. استسلم صدام، وسقطت شعارات عبد الناصر، وحوصرت سورية وليبيا، أما عرب الخليج فاحتفلوا بالنصر على الخميني وصدام، وانطلقت الألسنة والأقلام بالشتائم ضد القوميين العرب، وبدؤوا بمساءلتهم عن كل ما وقعت فيه المنطقة من أزمات وتخلف.

أدرك العرب حينئذ فشلهم الذريع في الوحدة، وحاولت الأبحاث الإستراتيجية والأكاديمية التأكيد على استحالة قيام الوحدة بعد اليوم، وأن البراجماتية تستلزم البحث عن بديل واقعي قابل للتطبيق والاستمرار، فكل ما يمكن البحث فيه اليوم هو السعي لإيجاد صيغة للتعاون القطري بين الدول العربية المشتتة. أما القضية الفلسطينية التي كانت بمثابة الرمق الأخير للوحدة العربية، فقد وجد أصحابها المعنيون أنفسهم في العراء، وتحولت من قضية للعرب والمسلمين عامة إلى مسألة حياة أو موت لدول المواجهة فقط، فبدأ كل منهم التحرك على طريقته، فانضم الأردن إلى مصر في التطبيع، ثم لحقت به موريتانيا، وتمسكت سورية بموقفها مع دخولها مسلسل مفاوضات السلام، وظل لبنان تابعا للموقف السوري.

أما الفلسطينيون، فانقسموا كغيرهم من العرب إلى فريقين، إذ تخلت فتح عن المقاومة بمباركة الحكام العرب الذين وجدوه خيارا مريحا، وذهب رمزها عرفات إلى الولايات المتحدة وأوسلو مصافحا قادة "إسرائيل" بابتسامة عريضة، واحتفل بزواجه من مستشارته الشابة بعد عقود من الرهبنة، أما حماس فانكفأت في غزة واختارت المقاومة لوحدها، دون أن تتوقع شيئا من الدعم الشعبي العربي العريض الذي لم يتجاوز حدود الكلام.

أما في الخليج العربي، فقد انقسم الشعب نفسه إلى قسمين، إذ تركت هزيمة كل من الثورة الإسلامية والقومية العربية- تحت راية الغرب- في المجتمع بذورا سريعة النمو للتيار الليبرالي، فبدأت تنمو في الظل، وتزامن ذلك مع يقظة سلفيي الخليج- أو ما كان يسمى بجيل الصحوة- لإدراك حجم الأزمة التي وقعت بها المنطقة، إذ لاحظوا تضخم الديون التي أُجبرت الشعوب على تحمّلها ودخول مرحلة التقشف، وآلمهم على نحو أكبر تحوّل بلادهم المقدسة إلى قواعد عسكرية للأمريكيين، فبدأت روح التمرد فيهم بالظهور، ووضعت حكوماتهم قدمها على طريق الاستبداد الذي انتقدته من قبل في الحكومات القومية، فاعتقلت بعض الرموز للتأديب، وفضلت في الوقت نفسه عدم الصدام مع الشعب فسمحت للسلفية بإحكام السيطرة على الإعلام والتربية طوال عقد التسعينيات دون منازع.

في الوقت نفسه، عاد العرب الأفغان إلى بلادهم منتشين بالنصر على إحدى أقوى دول العالم، وفي قلوب الكثيرين منهم رغبة عارمة في العودة إلى الجهاد. فضُيّق على البعض وطُرد البعض الآخر من بلادهم ليلجؤوا إلى أفغانستان مجدداً، وليعلنوا قيام أول "دولة إسلامية سنية" في العصر الحديث تحت راية "أمير المؤمنين" الملا عمر، ثم لم يلبثوا أن أعلنوا الجهاد على جميع الأعداء، بدءا من الغرب الرأسمالي المسيحي حكومةً وشعباً، حتى المسلمين منهم لاشتراكهم بتمويل الحروب ضد الإسلام عن طريق الضرائب، ومرورا بالسلطات العربية المتواطئة، وانتهاء بعامة المسلمين الذين يُصادف وجودُهم تفجيرَ إحدى مرافق العدو على أرضهم.

ودخل العرب مرحلة جديدة من الصراع، كان الغرب فيها بأمس الحاجة إلى البحث عن عدو جديد بعد سقوط الشيوعية، فبعد أن نسي العالم أمة اسمها العرب، اعتادت على النوم اللذيذ خلف أسوار مجتمعاتها القبلية المنغلقة طوال عقود، استيقظ العرب من سباتهم على أجهزة الإنذار التي أطلقتها القوة الأمريكية المحتشدة على أسوارهم، ووجدوا أنفسهم فجأة أبطال الإعلام العالمي الذي بدأ بالتدخل في أدق شؤونهم الخاصة.

وفي الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 ترسخ الانقسام على أشده بين العرب، فأعلن القطب الأوحد أن من لم يقف معه فهو ضده، وبات من الضروري إعلان الولاء الصريح دون مواربة. فخرج الحكام العرب عن صمتهم، ووجد السلفيون أنفسهم يحاربون في العراء، إذ حمّلتهم شعوبهم مسؤولية نبذ العالم للعرب والمسلمين، فتخلت عنهم السلطة بعد أن اتكأت عليهم في الماضي لاستقطاب الرأي العام، وصعدت للمرة الأولى في السعودية ـ على وجه الخصوص ـ أصوات الليبرالية، فاصطبغ الإعلام بلون الليبرالية السافر، وانقسم الشعب بين ليبرالي صاعد مفعم بالنشاط ومثقل بالكراهية والحقد، وبين سلفي محبط عاجز عن مجاراة العصر واستقطاب التأييد الشعبي، أما الوسطية ـ أو الإسلامية المعتدلة ـ فلم تُحقق ما كان يُرجى لها من تأييد كبديل عن التزمت السلفي.

بالتزامن مع هذه التحولات، كان اليمين المتطرف الإنجيلي في أمريكا يخطط للحرب الشاملة قبل أن يتذرع بهجمات القاعدة، فأزاح "الدولة الإسلامية" في أفغانستان، وأحل فيها حكومة علمانية، ثم أعلن الحرب على العراق غير آبه باعتراض العالم، وصُعق العرب مجددا بما لم يكن في الحسبان، وسقطت آخر أوهام الصداقة مع الغرب، وتجسد صراع الحضارات على أرض الواقع مع القبض على صدام الذي كان صديقا للأمريكيين في ما مضى ثم إعدامه، وأدرك الحكام العرب أن الخيارات باتت محصورة بين اثنين: إما المقاومة التي تؤدي إلى حبل المشنقة، أو التسليم بكل الشروط دون اعتراض. فوقع الاختيار على الثاني بكل بساطة، مع بعض الاختلاف في درجة الوضوح والتعبير.

بعد وقوع بغداد في يد الاحتلال، وجد العرب أنفسهم أمام مرحلة جديدة من الصراع، فقد خسر الإصلاحيون في إيران، وسقطت معهم محاولات خاتمي المستميتة للحوار مع الغرب، فصعد المحافظون بعنترياتهم النجادية، وفاجؤوا العرب بنهوض قوة إقليمية عظمى، تمتلك صناعة ثقيلة وسلاحا متقدما وبرنامجا نوويا، فضلا عن كل مقومات النهوض كأمة متماسكة كما كان عليه الحال منذ آلاف السنين. ولم تُفلح الأخوة الإسلامية في رأب الصدع، بل تحولت العراق إلى ساحة صراع بين الفرس والعرب، أو بين النواصب والروافض، أو بين الصفويين والعثمانيين (!)..

وتخلف الوعي الإستراتيجي لدى الجميع عقودا إلى الوراء، بعد أن كان "الأشقاء" قادرين على التوحد ضد عدوهم "إسرائيل" في الستينيات، ليعجزوا اليوم عن التوحد ضد المحتل الأمريكي، بل ويتسابقوا إلى التواطؤ معه.

فبعد أن فشل الأمريكيون بكل المقاييس في إنجاز أي نجاح واقعي بعد سقوط صدام، أدركوا أن وسيلتهم الوحيدة للتحكم بالمنطقة هي إذكاء روح الطائفية من جديد، واكتشف القوميون من جديد فشلهم في إحلال الروح العلمانية والاشتراكية في الوعي العربي - الإسلامي، وأن عقودا طويلة من القمع والتربية والإعلام الموجه لم تلفح في القضاء على الروح العشائرية والطائفية في نفوس الناس، فاستبدل الأمريكيون بحكومة علاوي العلمانية حكوماتٍ طائفية، كما استبدلوا من قبل بالشاه ثورة الخميني الشيعية، وحرضوا الكرد على بعث قوميتهم النائمة ضد قوميات الترك والعرب والفرس للمزيد من التقسيم والتهييج، واختفت أسماء أقطاب المعارضة العراقية العلمانية السابقة التي توقع الجميع أن تستأثر بتركة صدام، مع أنها دخلت جميعا على دبابات أمريكية، وعاد العراق ليصفي حسابات القرن الهجري الأول.

بالرغم من كل هذه الإنجازات، فقد أدرك الغرب أن ثمة روح للمقاومة ما زالت حية في المنطقة، فكانت حادثة اغتيال الحريري، وما تلاها من اغتيالات وثورات شعبية في لبنان، فتحول الاهتمام العربي على الفور من دارفور والصومال والعراق وفلسطين إلى هذا البلد الصغير، وأصبح "الاحتلال" السوري له أخطر بكثير من أي قضية أخرى، فأجبر السوريون على الانسحاب العسكري والسياسي، وخرج سمير جعجع من السجن قبل أن تنتهي مدة حبسه التي أقرها القضاء اللبناني، وعاد ميشيل عون من المنفى في باريس، بينما قرر سعد الحريري التحرك دون مغادرة باريس، وسقطت حكومة الحص، وضُيق على لحود حتى لم يعد يُسمع صوته، وتكرر مشهد الانقسام بين فريقي موالاة لسورية ومعارضة لها، حتى ربحت المعارضة معركة الوصول إلى السلطة مع تصعيد التدخل الخارجي.

ثم جاءت حرب تموز عام 26، وهاجمت "إسرائيل" لبنان تحت ذريعة تحرير جنديين تم أسرهما على الحدود اللبنانية، ولم يشك أحد في أن الهدف هو القضاء على الرمق الأخير للمقاومة، ممثلة بالحزب الشيعي "حزب الله"، فأمعن العرب في الانقسام، وأظهرت بعض الشعوب العربية تأييدها للمقاومة، حتى تشيّع البعض حباً لها. بينما رأى السلفيون في الأمر خدعة، وتمويهًا لخطة إيرانية صفوية تسعى لتشييع المنطقة وصرفِ الأنظار عن مشروعها النووي، فبالرغم من أنها الحرب الإسلامية الأولى ضد "إسرائيل" والتي لم تُرفع فيها شعارات القومية العربية ولا غيرها من القوميات، وبالرغم مما حققته من هزيمة نفسية للجيش والشعب "الإسرائيليين"، إلا أن الإسلاميين السلفيين لم يجدوا فيها إلا لعبة مجوسية باطنية.

ومع خروج الرئيس اللبناني إميل لحود من قصر الرئاسة وترك كرسيه شاغرا في نهاية عام 2007، اكتشف العرب أنه لم تعد هناك أي جدوى من التمويه والتظاهر، فقد أصبحت الولاءات مكشوفة، وبات من الممكن للغرب و"الإسرائيليين" التحدث بصوت عال عن أصدقائهم وحلفائهم، بل وعن مخططاتهم الاستراتيجية لاحتواء المنطقة دون تورية.

الإعلام الليبرالي ـ الخليجي واللبناني على الأخص ـ يجاهر اليوم بشتم القومية العربية، ويسمي أصحابها بالقومجيين إمعانا في الإهانة، ثم يضع معه الإسلاميين في سلة واحدة، من شيعة وسلفية ووسطية، ويتباهى بالطفرة الاقتصادية التي حققتها عائدات الفائض النفطي والودائع الخليجية الهاربة من التضييق الأمريكي بعد الحادي عشر من سبتمبر، مع أنها قاصرة في معظمها على بناء المجمعات السكنية والفنادق وناطحات السحاب، مفاخرا بأنه قد حقق ما عجز عنه "القومجيون" والإسلاميون.

ولم يعد ـ والحال هذه ـ من المعيب الحديث عن انقسام "الوطن العربي" إلى فريقين واضحين، أما الأول فسُمي بدول "الاعتدال"، لأنه اختار طريق "الحوار" مع الغرب والتخلي عن المقاومة التي أصبحت من الماضي، وينضم إليه شعبيا وإعلاميا الموارنة في لبنان بنفوذهم الإعلامي، وبعض السنة بحكم الخوف على هويتهم من الامتداد الشيعي، والكثير من السلفية بدافع العداء المعلن للشيعة. وأما الثاني فهو ما يسمى بفريق "المقاومة" والذي لم تبق فيه إلا سورية كتوجه معلن، وليبيا مع بعض التردد خصوصا بعد أن أعلن زعيمها فشل مشروعه للوحدة الذي تمسك به طويلا وتوجهه صوب أفريقيا، كما يضم هذا الفريق الحركات الإسلامية الوسطية والأحزاب الاشتراكية وحزب الله وحماس.

وبين الفريقين قوى يصعب ضمها، فالشيعة في العراق موالون للغرب في حربهم مع السنة، ومعادون للاحتلال في الوقت نفسه، والإسلاميون الوسطيون موالون للقوميين العرب في المقاومة ضد الغرب والصهيونية، ومعادون للقومية والعلمانية في الوقت نفسه أيضا.

إلا أن ولاء الشعوب العربية على اختلاف أطيافها يظل أبسط من هذه التعقيدات، فبالرغم من الموقف المناهض للاستبداد الداخلي من قبل السلطات العربية، إلا أن العادة جرت على تعاطف الشعب مع قيادته في سياسته الخارجية، وخصوصا عندما لا يفرّق التهديدُ الخارجي بين السلطة والشعب.

لقد نجح الدعاة الإسلاميون الوسطيون في هذه المرحلة بسحب البساط جزئيا من تحت أقدام السلفية، خصوصا مع تصاعد مشاعر الكراهية ضد التزمت والتطرف، ولعب الدعاة الجدد دورا واضحا في استقطاب الرأي العام مع تزايد الوعي الجماهيري وانفتاحه على العالم في عصر الفضائيات والإنترنت، فتحولت دعوتهم إلى حركة إصلاح اجتماعية واقتصادية وعلمية شاملة. وعلى الجانب الآخر، ومع تزايد مشاعر النفور نفسها من التزمت السلفي، وانفتاح المجتمعات العربية- والخليجية على الأخص- على الحياة الغربية أكثر من ذي قبل، وجد الليبراليون سوقا رائجة في الإعلام، فنادوا بعدم الصمت عن عورات المجتمع- بدلا من إصلاحها- وخلع الكثير من النساء الخليجيات الحجاب، وظهر الإلحاد والشذوذ والإباحية على السطح، وتغيرت الكثير من المفاهيم.

ولكي يحقق وعوده بالحرية والانفتاح، دعا الإعلام الليبرالي إلى ضرورة تحرير الإعلام من قبضة وزارات الإعلام "القومجية"، فأُعلن عن تحويل الإعلام من إرشاد قومي يخضع للرقابة والتوجيه إلى لعبة تتحرك وفقاً لآلية السوق، بينما لم يكن خروج الإعلام من سيطرة الوزارات الرسمية إلا تمويهًا، فالفضائيات والصحف السياسية والإخبارية تُمول كليا من قبل حكومات عربية مختلفة، أما آلية السوق فقد تُركت للإعلام الترفيهي، مع أن هذا الأخير نفسه يتحرك في بعض الحالات وفقاً لترتيبات سياسية معينة، وانتشر العري من شاشات السينما التي كانت في الماضي حبيسة جدران دور العرض ليدخل البيوت ويصل إلى الصغار قبل الكبار دون أدنى محاسبة.

وعلى الصعيد العملي، يلعب هذا الإعلام الليبرالي دور الشرطي الرقيب على أي فكر قومي أو إسلامي لينعته بالتخلف، تماما كما فعل القوميون الاشتراكيون في الماضي عندما وصموا الإسلاميين والليبراليين بالرجعية.

أما العدو الوحيد في نظر هذا الإعلام فلم يعد الغرب، ولا الصهيونية العالمية، ولا حتى المسيحية- اليهودية وصنيعتها "إسرائيل"، بل هو الحلف القائم بطريقة أو بأخرى بين إيران الصفوية والقومجيين العرب والإسلاميين بكافة أطيافهم وطوائفهم. والوسائل المتبعة في هذا الإعلام لتحقيق غاياته تتنوع بين السخرية اللاذعة من أي صوت يفكر في التذكير بأن الغرب ما زال عدواً، ووصمه على الفور بوقوعه ضحية "نظرية المؤامرة" التي تعطل عقله عن التفكير، وتذكير الجميع بأن المشكلة ليست في الغرب أو الصهيونية بل في العرب والمسلمين أنفسهم، وصولا إلى ترسيخ الشعور باليأس التام من عدم جدوى أي محاولة للإصلاح.. إلا في حال السير على خطا الغرب، هذا إلى جانب التطبيع مع الثقافة الغربية في الذوق والأخلاق والعلاقات الجنسية، وكسر الحاجز النفسي الذي يعوق الانحلال الأخلاقي تحت ذريعة الحرية في الحوار وسقوط القداسة عن كل شيء إلا "العقل".

وسط هذا الصراع، يقف رجل الشارع العربي اليوم مثقلا بهموم تجعله عاجزا عن الفهم فضلا عن التحرك، فتداخل الأوراق والولاءات يدفع المثقفين أنفسهم للتخبط في محاولتهم لوضع اليد على الجرح، وتوسع الهوة الفاصلة بين طبقات المجتمع والتضخم السكاني وفشل برامج التنمية أدت بمجموعها إلى تراجع الروح القومية والحس الوطني لدى عامة الناس، حتى بات تأمين لقمة العيش هو الهمّ الأول للشباب الفلسطيني نفسه- سواء في مخيمات الشتات التي تحولت إلى أحياء كاملة أو في فلسطين نفسها- فضلا عن بقية الشباب العرب، ولم تعد "إسرائيل" تخشى مظاهرات الملايين في العواصم العربية منددة بالمجازر إبان الانتفاضة الثانية، كما لم تعد أخبار لقاءات عباس بشارون وأولمرت تلفت الانتباه بعد مضي سنوات قليلة فقط على اللقاء التاريخي بين عرفات ورابين.

لقد خسرت الوحدة العربية كامل مصداقيتها في الشارع العربي، بل أصبحت وصمة عار يلاحقها الإعلام الليبرالي للتندّر، وموضوعا جيدا للسخرية في الأعمال الكوميدية بكافة انتماءاتها السياسية، فبعد أن دعت

القمة العربية عام 1964 إلى تحويل مياه نهر الأردن لمنع "إسرائيل" من الشرب، أصبح القادة العرب في قمم اليوم يتوسلون إلى إسرائيل لتقبل مبادرتهم بالسلام والتطبيع الكامل، بل أصبحت هذه القمم معرضا لتبادل الشتائم بين القادة أنفسهم.

لقد تمكن الصهاينة خلال قرن واحد من تحقيق حلمهم الذي كان أشبه بالخيال، فتحالفوا مع الجميع، حتى مع الشيطان، وأقاموا الأحلاف والعلاقات واشتروا الضمائر ليستصدروا قرارا من الأمم المتحدة بتأسيس دولتهم، ثم أحيوا لغتهم العبرية المنقرضة وجعلوها لغة محكية في القرن العشرين، وزوروا التاريخ وأخرجوا أساطير التوراة التي لا يؤمن الكثير منهم بها ليجعلوا من شتاتهم شعبا وجيشا لدولة عصرية. أما العرب فقد صفقوا لوعود لورنس العرب في تحرير الإنجليز لهم من قبضة العثمانيين المسلمين، وأقاموا دويلاتهم على أساس القومية العربية نكاية بالقومية التركية، ثم انكفؤوا على التاريخ ليبحثوا عن هويتهم لدى الكنعانيين والفينيقيين والفراعنة، وليجعلوا من صلاح الدين الكردي بطلا عربيا.

الصهاينة حددوا عدوهم بوضوح، فصوبوا كل أسلحتهم تجاهه، وأقاموا العلاقات والأحلاف مع كل من يؤيدهم في موقفه من العدو حتى لو اختلفوا معه في أمور أخرى، ولم ينشغلوا بتحديد هويتهم وتاريخهم وصدق ادعائهم بالحق في الأرض لإقناع العالم به. أما العرب فلم ينتهوا بعد من الاتفاق على الهوية، ولا حتى على معايير البحث فيها، ولم يقبلوا بعدُ فكرة الاتفاق فيما بينهم على القضايا المشتركة الكبرى طالما ظل الخلاف قائما على التفاصيل، فالتخلص من العدو الداخلي أولى عندهم من مواجهة العدو الخارجي المشترك لهم جميعا، وعقيدة الولاء والبراء عند السلفيين منهم تستدعي التخلص من القوميين والعلمانيين والروافض قبل أي شيء آخر، مما يعني حتمية انتظار حلّ هذه المشاكل الداخلية- التي لم تزدد إلا تضخماً- قبل البحث عن حل للقضايا المصيرية التي تهم الجميع.

القومية العربية التي تأسست عليها هذه الدول كلها، أصبحت اليوم محل سخرية، وشعوبُ المنطقة لم تعد مهتمة كما في الماضي بهويتها القومية قدر اهتمامها بلقمة العيش، أما الانتماء الفكري فبات مقصورا على خيارين: إما الإسلامية بكافة أطيافها وبما تمتلكه من مقومات النهوض والحماس، وإحياء روح الكرامة المفقودة وموافقة الفطرة الإنسانية في التدين، وإما الليبرالية بما تملكه من زخم إعلامي ودعم غربي ومظاهر مغرية بالحرية والإباحية الأخلاقية، وعلى القوميين الآن إعادة حساباتهم في عالم بات العمل فيه يتحقق بسرعة الخاطرة نفسها، كما يقول بيل غيتس.

 




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home