القلم النقدي

 

-هندسة البناء في أغنية حزينة عن بندقية

السيد الخميسي



 

                                     هندسة البناء في

                    "  أغنية حزينة عن بندقية "     السيد الخميسي

                 ----------------

     قال القدماء :  " النحو خادم المعنى " 

وقال الأسلوبيون : " بل هو المعنى نفسه " 

والفرق بين القولين هوة بحجم ألف عام ، بين بلاغة تقليدية – أقفل باب الاجتهاد فيها      - منذ قرون بعيدة – ونظريات نقدية حديثة تتطور في كل لحظة 0

   وسنحاول أن نقرأ هذه المجموعة القصصية للقاص " صلاح عسّاف " في ضوء

" النحو التوليدي " وهو منهج نقدي  حديث 00  قديم 0                 

الحرف :    في قصة " مطر مفاجئ " ص 15

-----------   " كان يتكئ إلى سور الحديقة "  ، والأقرب أن يستخدم حرف الجر "على "، يقول القرآن الكريم : " متكئين على الأرائك " 0

وفي ص 16 " كانت تنحرف بعينيها في الماء " ، والأقرب الحر ف " إلى " 0

وفي ص 17 " كانا ينتهيان على إسفلت الشوارع " ، والأقرب أيضا الحرف "إلى"0

ومن السهل معرفة الفروق البلاغية أو الأسلوبية التي دفعت الكاتب نحو هذا الاستخدام الخاص للحروف  0

والانحراف عن المألوف في استخدام الحروف كثير في هذه المجموعة القصصية ، وهذا الانحراف لايدخل الكاتب تحت طائلة الخطأ النحوي ، فحروف الجر كما يقول القدماء " ينوب بعضها عن بعض "  ،   و " الحروف -خاصة المتصلة - لا معنى لها في ذاتها وإنما تكتسب المعنى من وصلها بغيرها " 0

وكلام القدماء عن الحروف صحيح ،  ولكنه لا يقتصر على " الحروف " فقط وإنما ينطبق على " الكلام "    كله  " الاسم والفعل والحرف "  0

فكما تؤثر المفردة في التركيب ، يؤثر التركيب في المفردة ،

ولا توجد دلالة  - محددة - لأي لفظ إلا فى المعجم ، ولا نتكلم عن أسلوب أو بلاغة إلا من  خلال التركيب والبناء 0

   الاسم :  يكثر الكاتب من استخدام الضمير " المستتر" المتضمن زمن المضي 

--------   حتى وإن لم يسبقه " ظاهر" ، والفرق بين ال " أنا " و ال " هو "

              كبير في بنية الأسلوب ، فالأول أقرب إلى  "الغنائية " والثاني أقرب إلى 

              الملحمية ، وهذا البعد الأسطوري وجو الأحلام في نصوص المجموعة

               هوالذي أعطى البعد الملحمي طابعا عصريا لا تاريخيا  0

                     كما يستخدم الكاتب أحيانا الضمير البارز  في موضع الاسم الظاهر

              ص25 " كان  - هو -  واقفا في مواجهة المرآة "

             وص27 " وكانت - هي -   تقترب من باب الحمام "

                   عرفنا التنازع وفقا لنظرية  "العامل " ولم نعرفه في باب الضمائر

 

             

              يقول الكاتب ص 16 "شبك راحة يده بين أصابعها الدقيقة وسألها

              هل لديك تفسير ؟ سرت برودتها إليه لفترة " 0     

              الضمير في برودتها يعود الي أصابعها ويحتمل أن يعود إلى المخاطبة

              وهي الأولى نحويا فهي الأقرب ولكن الكاتب هنا لايعتد إلا بالمعنى الناتج

             عن التركيب ، وقديما قالت العرب :  " خرق الثوبُ المسمار " 0

 

الفعل :  هل يحتاج النحو العربي إلى قواعد جديدة ليواكب الكتابة الجديدة ؟ ، أم

------   يحتاج إلى حذف بعض قواعده البالية ليتواءم مع تلك الكتابة الحديثة ؟

          إن أي تطوير للنحو العربي يجب أن يبدأ من قول القدماء الصحيح : " النحو

          خادم المعنى " ، خاصة وإننا وحتى الآن عيال على علماء القرن الثالث 

          الهجري في معظم ما وصل إلينا من إنجاز نحوي لم يعد ممكنا – دون تعديل

         - أن يتعايش مع النظريات الحديثة في علم اللغة وفي سائر العلوم 0

         هذا التقسيم الوصفي  الثلاثي المتعسف : الكلام - اسم وفعل وحرف  - ، الفعل

        - ماضي مضارع وأمر - مهموز  سالم مضعف - مثال أجوف ناقص 00 إلى   

         آخر هذه التقسيمةالأعجمية القائمة على التثليث ، والتي أصبحت إطارا ضيقا

         تحاول اللغة أن تنحشر فيه ، واللغة كائن حي ينمو ويتطور ويشيخ أيضا إن لم

         يمده أبناؤه من روحهم وإبداعهم  0

            نعود إلى الفعل  00 قال القدماء : " الفعل عمدة " ومع ذلك وضعوه ثالث 

          ثلاثة ، وساووه بما هو دونه 0

         يكتسب الفعل كينونته من دلالته علي "الزمان" و"الذات " 00 

         والكاتب يدمر تلك الخاصية في الفعل ، يقول : ص 16

    " قلت لك هذا من قبل ، ربما قلته ، أنت لا تريدين أن تصدقي " 00     

     "قلت" – ماضي - ، " هذا "– اسم إشارة - أقوى الحضور ، "لك" – كاف

    الخطاب – حضور أيضاً  ، "من قبل" – ماضي - مرة أخرى - ، "ربما قلته"     

   - يشكك في الجملة كلها – " أنت لا تريدين أن تصدقي " -  " أنت "حضور ،

    ثم  فعلان مضارعان – "تريدين" – " تصدقي" – 0 

   ومنه أيضا قول الكاتب : "  كان الهواء قد استحال نسيما رقيقا الان "

        - كان واستحال – ماضيان نسخ زمانهما الظرف – الآن – 0

        الفعل هنا  فاقد " للزمان "كما رأينا ، و"الذات" مشوشة مشكوك في وجودها ،

       الفعل في هذه المجموعة القصصية  يحيل ولا يصف  ، زمانه منسوخ ، وذواته

     مسوخ   0                                                            

        يقول : ص17 " نفضت راحتيها ووارتهما جيبي معطفها "

        الفعل  " وارى"  يحيل إلى معنى "الموت " الذي يلف المكان والزمان 00

           رتابة المعدية هي الموت ، حركة مكررة مثل الزار تساوي السكون ،

      أليس هذا واقع العرب الان ، حركة في المكان المأسور، والزمان الميت ،

      جعجعة ولا طحن 00

        وفي قصة " الغرانيق "   فقدان الأمل في الدليل العاجز المنفصل عن  

       القطيع الغاشم   القاتل  والمقتول  ، وهذا الحلم الكابوسي لتاريخ القهر الشخصي     

       والجمعي والوجودي 0

        و المجموعة   كلها تحمل روح  العبث وقبض الريح 00 هذا العالم            

       ال "كفكوي" ،   البحث عن خلاص لا وجود له  00

      انشطار الأبطال وتوحدهم في بطل وحيد منهزم ومنتهك ، بلا عورة ، ولا

      شعرعانة  ، ورود ممزقة ، ورجل يتنتظر امرأة في الفراش ممددا مغمض

     العينين   التف  جسده العاري في ملاءة بيضاء " كفن "  ، والعرس الذي ينتهي

      باحتراق الأجساد الآدمية ، والبرد الذي يلف كل شئ  0

        نعود إلى مقدمة المجموعة والتي نقلها الكاتب " صلاح عساف "عن "كافكا " 

     والكلام عن -  "قوة البيئة الميئسة ، قوة الاعتياد على الخيبة ، قوة المؤثرات غير

     الظاهرة في كل لحظة ، والجرأة على منازلة هذا الخطر " 00

    دون إشارات سياسية مباشرة ، اللهم عبارة أو عبارتان " حرب الخليج – أمن

   

     من هذه  المقدمة وفي مجالها الحيوي  ، تدور عوالم هذه المجموعة القصصية ،الدولة "  0

        البطل هو هذا الاعتياد القاتل على الخيبة ، حوّ ل الناس إلى مسوخ بشرية فاقدة

    ل "الفعل" ل "الحياة " ، هذا الموت البطئ الصامت البارد بلا ضجيج وبلا نقطة

    دم ٍ واحدة 00

         لذلك جاءت الأغنية حزينة عن بندقية مات صاحبها وحيدا منعزلا

    دون أن يطلقها  - حتى - على نفسه ،

      كذلك كل أبطال قصص هذه المجموعة وقعوا في براثن هذا التحلل البطئ ،

   طال حتى الجماد ، ص 70 " طالعتني فوضى الأشياء المهملة ، وهي تنهي حياتها

  على مهل في الأركان ، ورائحة العطن المختزنة في هواء الشقة الفاسد " 0

    أما الجرأة على منازلة هذا الخطر فهي في مجرد إدراكه والكتابة عنه 0

   وكما أن "الزمان " - داخل المجموعة -  خارج عن حدود الزمن  كذلك " المكان" 

    حتى ولو شممنا فيه الخصوصية " المعدية- النوارس- الغرانيق " إلا أنه يخرج

    إلى حد الوهم والتخيل كالحلم أو الكابوس - إن أردنا الدقة – 0

      ولغة السرد مكثفة تشع في كل الاتجاهات ، وتقبل سائر الاحتمالات دون قصدية

    أو افتعال 00 هذا الهدوء الشديد الذي يجعلنا دائما في انتظار العاصفة 00 هذه

   البنائية الهندسية ولا أقول التراكمية  0

       في قصة " أغنية حزينة عن بندقية " - القصة المركزية في المجموعة –

       ينفرع      العنوان إلى عنوانين  – لعبة العلبة – الأسئلة والأسلحة  - 0

  "أغنية "    نجدها في : - الطبول- آلة الحرب- تقذف-  00 هذه الأصوات الفاعلة     التي تنتهي ب -عضو الذكورة - والأسئلة المسنونة -  0

"حزينة"  نجدها في : - أوجست منه رعبا - توسل-  شئ ما يقشعر مؤلما داخل أعماقي - هالني هذا الأسى المعشش في العيون - ضربات الطبول المكتومة -

مجللا بحزن عينيك الأبدي - أسئلتك الموجعة - ضحكتك المقتضبة الشبيهة بالشهقة -

" عن بندقية " : - عن -  تفيد الماضي البعيد والبندقية الفاعلة المتناصة مع صوت أم كلثوم ،  وتدل أيضا على الماضي القريب – والممتد للحال – وبندقيته الخرساء والتي تقتل صاحبها بلا صوت وبلا دم 0

"لعبة العلبة": الإبداع لعب جدي في مواجهة لعبة خطيرة هي الحياة ، وال" علبة "

هي "اللعبة "التي مارسها الكاتب مع بطله ، مع كل ما يرمز إليه لفظ  "العلبة "من دلالة متولدة – السجن – الحصار- الحاجة – الخ 00

     وهكذا يتخطى اللفظان حدود الجناس الصوتي إلى التناص المعنوي

اللعبة = العلبة  ، الأسئلة = الأسلحة 00 بهما معا مات  " موفق " ، لاحظ الاسم ،

     ربما كان موفقا فعلا بوصوله إلى الخلاص قبل اكتمال دائرة الإذلال التي يدور فيها بطل " العلبة " لقد أخذ موفق السجائر من نفس العلبة ولم يكمل الدائرة ،

أنقذته ثقافته وأسئلته وبحثه عن العلاقة بين اللفظ ومعناه : - بندق بندقية - الخ ،

 ( أجمع علماء الأسلوب على أن العلاقة بين الصوت ومعناه اعتباطية ) 0

     قال صلاح عبد الصبور للقادم من بعده " لاتنس أن تحمل سيفك " هل يريد صلاح عساف أن يقول : إن هذا لم يعد كافيا في هذا العصر ؟

     

 

 

                                                            السيد الخميسي

 

 

 

 

 

 

 

 




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home