قصة

 

الحوذي والحصان

محمد عبده العباسي



!   الحوذي والحصان / قصة قصيرة

جاب الحوذي شوارع الحي الذي تميز أهله بشئ من الثراء ، منذ الصباح الباكر ، لم يتناول سوي كوب من الشاي في مقهاه المعتاد ودخن سيجارته الأولي علي غير ريق ، هرش أم رأسه ورفع قبعته المصنوعة من القش  فكأنما يحيي الحصان الذي ينتظره ..

  الحصان بدأ السير قليلاً فقليلاً علي غير العادة لاحظ الحوذي ذلك ، القائم الخلفي الأيمن للحصان به عرج ، ثمة سرب من ذباب يحوم من حول جرح ، حط عليه وعلا كثيراً  منذ لحظ ذلك ..

   نزل الحوذي من مكانه فوق العربة ، مسح برفق مكان الجرح بقطعة من القماش البالي بللها بالماء ، ثم ربت علي ظهر الحصان بكفه العريضة وعاد لمكان جلوسه وجذب السرج برفق أيضاً وهو يأمر الحصان بالسير..

  كان الحوذي في نحو الستين من عمره ، تسير عربته التي يجرها حصانه الأعجف بمحاذاة سور الحديقة الواسعة التي تتوسط الحي ونشرت زهورها عبقاً في الصباح ، وكان يسأل نفسه والحصان في آن واحد عن سبب عزوف الناس عن عدم طلبه لعمل شئ ، أو حمل أثاث لنقله من مكان لمكان ، أو لرفع أتربة حجارة أو مواد بناء ، أو حتي تحميل الرمل الأصفر..

كل هذا والحصان بين أونة وأخري يعتريه بعض وهن ، يقف قليلاً ، يصعد نظراته ناحية السماء المفتوحة أمامه ، ينظر للخلف كأنما يستعطف صاحبه ..

  والحوذي هو الآخر يتطلع ناحية البيوت، ويري الصناديق البيضاء التي طالما حملها ملتصقة بالجدران العالية ويتصبب منها بعض الماء ، إنها أجهزة التكييف كما قال له الحارس الذي جلس بجواره ذات مرة وتبادلا معاً تدخين السجائر واتفق معه أن يصبح عيناً له وأذناً تسمع أي نداء حين يحتاج لخدماته أحد، مقابل نسبة من المال حرص الحارس علي تحديدها مسبقاً ثم تبادلا بعض النكات الخارجة ، فضحك الحارس كثيراً وبانت أسنانه البيضاء ، في الوقت الذي كانت امرأته وقتها منحنية تمسح درجات السلم الأخيرة فبانت سيقانها من الخلف كعمودين من بلور ..

  عرف الحوذي من الحارس أسراراً جمة، لا يمكن أن يبوح بها دون مقابل ،قطعة من الحشيش يهديها له ،فحفظ الحوذي أسماء نساء يرجعن للبناية كالسكاري قرب انبلاج الصباح ، كما ذكر له الحارس في ساعة تجلي أسماء رجال من تنشر صورهم في الصحف المحلية والعامة ..

  استغرق الحوذي وقتاً طويلاً كي يكتشف بئر الأسرار تأتي منه معلومات بلا حصر ، وفم الحارس لا يكف عن ضخ الدخان غليظاً في الهواء حين يري الهدية تلمع في لفافتها الصفراء اللون ..

 والحوذي بطبعه يتباهي علي كل أقرانه في المقهي بقصص مثيرة تحلق بمن يسمعها في عوالم بلا نهاية ، وكلهم يشنفون الآذان مسحورين بينما هو يحكي في فخار وكأنه أحرز قصب السبق .

   الحوذي لا يمتلك من حطام الدنيا سوي بيت من الصفيح الصدئ ، وله امرأة تلد كل مدة طفلاً ، لديه الآن منهم سبعة ، كانوا قبلئذ عشرة ، مات ثلاثة منهم علي التوالي نتيجة للإهمال ولسوء التغذية وأمراض أخري، أكبرهم لو عاش لأصبح في العشرين من عمره ..

   تنهد الحوذي وهو يتذكرهم جميعاً حتي كادت أن تطفر من عينه دمعة ، لو عاش أحدهم حتي الآن لحمل من فوق كاهلي عبئاً ثقيلاً لكنها إرادة السماء . قال لنفسه، ونظر إلي جهة الخيمة الزرقاء التي تغطي الكون وتعلق بذكر بعض دعاء وشئ يسير يحفظه من القرآن ..

  تمهل الحصان في سيره قليلاً ، شعر الحوذي أن صاحبه في حاجة لأن يتبول ، سيقف به عند نهاية سور الحديقة، وسيقدم له شيئاً من البرسيم بدلاً من العلف الذي غلا ثمنه عن ذي قبل ، وأيقن تماما بأن أحداً سيطلبه بعد قليل ليحمل له بعض الأشياء ..

    بال الحصان فأحدث في الأرض بحيرة ضحلة إلي جوار الرصيف ، بينما انتهي صاحبه من التبول أيضاً تحت ظل شجرة ، وانهمك الحصان في تناول ما تبقي من البرسيم والحوذي يخاطبه بأن المساء سيحمل له مفاجأة كبري ، علف كثير ومن نوع خاص كي يشد من عزمك ، ويقوي من بأسك. قال الحوذي وراح يدندن له بغناء لم يفهمه سواهما ..

  عاد الحوذي يحادث نفسه عن سكان هذه البيوت ومدي الترف الذي يعيشون فيه ، ولكنه تذكر قول الحارس بأنه أحسن حالاً منهم وأهدأ بالاً من أكثرهم ، ويجب ألا تهمه المظاهر ، الحارس بالطبع لا يكذب فهو رجل أمين ، وعاد لقهقهته بصوت مسموع ..

  ثم عاد ليحادث نفسه ، ماذا لو أعمل حارساً أنا الآخر مثله ؟ سوف تتهيأ لي أسباب الرزق ، سأجلس طيلة النهار إلي جوار زوجتي أدخن النرجيلة ، سأغسل بعض السيارات ، ساتمتع بعطايا تتوفر دون أي تعب ..

  نحي الفكرة عن رأسه سريعاً ، ووجد فيها شيئاً لا يليق به ، فهو منذ شبابه الأول كان بطلاً مغواراً وحياة الأبطال يجب ألا تنتهي بالركون إلي ظل شجرة كسلاناً أو اللوذ بباب بناية كحارس..

  الحظ العاثر ملازمه منذ فترة لكنه يمتلك من ادنيا مباهج كثيرة ، أهمها تلك الذاكرة الحديدية التي يتمتع بها ، القصص المثيرة التي يحفظها ، الخيال الخصب الذي يرسم له بدقة أشياء كثيرة ، حكايات عرفها منذ زمن ، كان يذكر أصحابه بالحرب التي خاضها ضد إسرائيل ، وكانت مسرحاً لبطولاته التي حكت عنها الصحف ، في الوقت الذي فر فيه كثيرين غيره من الميدان ، مازال يحفظ أسمائهم بكل تأكيد ، ويذكرها دون أدني خوف أو وجل ، بل ويشير علي كثير من الشرفات التي تحمل إعلاناتهم ولافتات أنشطتهم ، كما أعلن أكثر من مرة استعداده لمواجهتهم إذا لزم الأمر ..

  كان بعض أصدقائه يستشيطون منه غضباً ويلوحون له بإبلاغ الأمر لأصحاب الشأن فيؤذونه بفضل ما يملكونه من شدة بأس وسلطان وجاه  ، لكنه لم يكن يأبه ويردد دائماً بأن الله يمنح لمن لم يمت في الحرب عمراً طويلاً ثم يضحك مقهقهاً..

  في بيته لا يملك سوي سرير يسعه بالكاد مع زوجته التي ترهلت كثيراً ، وبعض أوان حصل عليها من زبون حن عليه قلبه ورق له بعد أن سمع منه مأساة فقده لثلاثة من أبنائه ماتوا تباعاً ـ كذب للمرة الأولي وهو يؤكد له بأنهم غرقوا في أثناء رحلة صيد بالبحر المالح وهم يسعون وراء رزقهم ـ صدقه الرجل ومنحه الكثير من الأشياء التي تحملها العربة علي ظهرها ذات يوم ، حتي الفراش الذي ينام عليه منحته له سيدة عجوز تنازلت له عنه دون أي مقابل بعد أن ترملت وصارت وحيدة ولا تحتاج إلا إلي التخلص منه بأي ثمن ..

مازال الحصان الأعجف يمشي الهويني وهو يجر العربة ، وسور الحديقة لم ينته ، دار الحوذي به من حول السور أكثر من مرة عله يلقي الحارس الذي اختفي ، هذه هي المرة الأخيرة . قالها وودع مدخل البناية التي يحرسها ..

  كان النسيم الجميل ، راح يهفهف ويراقص قمصان نوم ملونة حمراء وزرقاء وصفراء شدت انتباهه لشرفة الشقة التي حمل أثاثها علي عاتقه ذات ظهيرة قائظة ، وتذكرالمرأة الجميلة التي أنقدته أجراً جزيلاً بينما كان زوجها البخيل يتردد في الدفع ، لابد أنها تتذكره ، كانت معجبة بلون عينيه اللتان تحملان لون المروج الخضر ـ كانت قد همست لنفسها ، ولم يفهم هو ـ إنه يشعر بحاجة لبعض الماء ليروي ظمأه ، كان عصير التفاح الذي قدمته له لاذعاً ولازال طعمه في فمه ، تذكرها جيداً بقوامها الممشوق وملابسها المثيرة ، كان يحمل قطع الأثاث بشئ من القوة حتي إذا جاء الدور علي حمل أخشاب السرير شعر بقواه وقد خارت  قليلاً ، ولكنه وبشئ من المتعة والتلذذ بأحلام غريبة حمله إلي غرفة رائعة..

  كان الزوج منشغلاً في الحديث مع الشاب الذي راح يلملم كل قطعة من الأثاث ويعيدها إلي سيرتها الأولي ، بينما الحوذي لم يغض الطرف عن المرأة وجسدها يتراقص بداخل كأس العصير ، حتي تجرأ وطلب كوب ماء ..

  راح الحوذي يتلصص علي المرأة وصورتها تنطبع علي المرآة المقابلة وتزلزل كيانه بخطواتها ، ورأي نفسه يقف مشدوهاً أمام جمالها الذي جرفه كالتيار و خلب عقله ، وجعله يقف علي رجليه مثل حصان جامح ألجمه علي الفور صوت الزوج وهو يقدم له سيجارة ..

   لابد أن المرأة أمضت الليلة في حضن زوجها ، وقضيا معاً لحظات هانئة ، ليلتها حاول هو مع زوجته لكنها أبت وراحت تغط في نوم عميق بعد أن تركت له الفراش واحتضنت أحد أطفالها ..

 مازال الحصان يجر العربة ، والعربة خالية تماماً إلا من حبل طويل ، ومقطف فارغ ..

  هاهو ظل بناية عند ناصية يهفهف فيه الهواء المنعش ، لابد من اللجوء إليه سعياً للراحة وليكن مايكون ، جاءه صوت زوجته وثرثرتها التي لا تنقطع جاء مؤكداً بأن عليهم جميعاً أن يتناولوا الطوب ويسفوا التراب إذا عنّ لهم العيش في كنفه ، أو يلقوا بأنفسهم في البحر إذا شاءوا.

  تحرك قليلاً في نومته فوق كرسي محطة الباص الذي جعل منه سريراً ، الباص لم يعد يعمل ، بعد أن ألغت الحكومة خط سيره منذ عام مضي ، الخشب الطولي الذي يشكله أقلق مضجعه وأوجع ظهره كثيراً، وصوت زوجته مازال مثل وشيش البحر لا ينقطع ، لايشغله  شئ سوي أن يشعل سيجارة ..

 تحسس جيبه الخاوي تماماً من النقود ولا يحمل سوي علبة سجائر ضمرت ، وجد فيه سيجارة واحدة يتيمة ، أشعلها بثقاب بلله عرق من صدره ، قال لنفسه لو كان معي مالاً لأشتريت علي الفور علبة سجائر جديدة من " السوبر ماركت " القريب ، أو كنت تناولت زجاجة من " البيبسي"  أروي بها عطشي.

   هز رأسه موقناً بأن الرزق لن يفوته وبأن الله لن يخذله أبداً ، فالصغار وأمهم في حاجة لأبٍ سعيد ..

  عاد لجلسته علي ظهر العربة وأمسك بالسوط وبدأ الحصان يجرها وهو يئن ، تخيل الحوذي وقد تحول لسان زوجته إلي سوط أطول مما في يده ، راح يلهب ظهره وهو يسوقه بلا هوادة ، بينما هو كالحصان يفر من أمامها إلي حيث فلاة بلا نهاية ..

  انتهت السيجارة علي الفور فألهبت طرفي سبابته والوسطي دون أن يشعر ، رمي بها فوراً علي الرصيف المقابل فأشعلت أوار نار في كومة من الورق  ..

  النهار عبر انتصافه ، سبب له ضيقاً في صدره ، وشعوراً بالتذمر ، تحسس جرحاً قديماً في رجله ، وجعل يفكر جيداً في أمر شغل رأسه مؤخراً وهو العمل حمالاً في الميناء ..

  في الغد القريب سيودع تلك المهنة ، سيبيع العربة والحصان ، سيحول عائدهما لأساور من ذهب يحلي بها رسغي زوجته ، وسوف يثقب لها أذنيها لتضع فيهما قرطين علي شكل مخرطة الملوخية لحين إعلان الحكومة عن وحدات سكنية جديدة تحتاج بالتالي لمقدم حجز وأثاث جديد ..

  الشمس ازدادت قسوتها ، وقبعة الحوذي تخللتها حرارة وضوء ممتزج بها ، والحصان يجر العربة في وهن ..

سأعمل حمالاً في الميناء من أول الأسبوع ، لابد أن أعرض الأمر علي زوجتي ، بالطبع لن تمانع ، ستفرح كثيراً وستشتري أساوراً من ذهب تثير به غيظ جارتها طاغية الجمال ، امرأة تسكن في بيت من الخشب ، مدهون بعناية بأصباغ ، في سقفه مروحة بثلاث ريشات تظهر من الناافذة الزجاجية ، وعلي السطح طبق للقنوات الفضائية يأتي لها بأفلام مخلة تحكي عنها، وأغنيات يترامي صوتها للأسماع ..

    سوف تثير مسألة الأساور الذهبية حفيظة المرأة بالطبع ، وامرأة الحوذي لا تهنأ بالاً وهي تري المرأة في كل يوم تلقي بماء استحمامها أمام البيت الحشبي فتجلب نسيماً معطراً يراقص قمصان نومها الملونة ، المرأة طاغية الجمال تحلم كما قالت لامرأة الحوذي في ساعة صفا بأنها تود لو تنجب صبياً ، بعد ثلاث بنات ، سألتها في نفس ساعة الصفا بأن تشرح كخبيرة كيف السبيل لذلك ؟ امرأة الحوذي بفطنتها وغريزة الأنثي فيها تتصنع الدلال تارة ، وتارة أخري تحكي بغنج عن اللحظات المثيرة ،وهي تمط شفتها السفلي وترفع حاجبها الأيسرعجباً ثم تشير للسماء .

  في الليل حين عاد الحوذي خالي الوفاض لزوجته ، رأي زوجته متننمرة له وعلامات الغضب ترتسم علي ملامحها ، وسنحت لهما الفرصة للإختلاء ببعضمها البعض لأول مرة منذ زمن ، غازلها بعبارات مديح وضمها لصدره فأزاحت ذراعه وراحت تتدلل ، وعرض عليها الأمر ، فرحت تماماً وهي تجد الفرصة سانحة للثأر من المرأة الجميلة ، ثم راحت تسأله هل شاخ وبلغ من العمر عتياً ؟      نفي ذلك وبيّن لها استعداده لإثبات قوته وبأنه لم يزل شاباً ..

  لم ينم ، ساوره القلق كثيراً في حين علا صوت غطيط امرأته ، وتذكر أول المساء أقرانه وهو يجالسهم في المقهي الذي يرتاده وقد انقسموا من حوله ، البعض سخر منه وردد كلمات حطت من شأنه ، والبعض الآخر نفر منه ووصفه بأنه لم يحفظ ميراث الأهل ، الباقون تساءلوا عما يفعل وقد طعن في السن وبلغ الستين ، وحين رآه صاحبه الأثير وقد لزم الصمت ، وقدم له سيجارة محشوة بالحشيش ، وقال له وهو يشعلها بقداحته " الرونسون ":

ـ لا شئ يهم ، أشعلها يارجل ، كل نار تصبح رماد ..

وجاء صوت أم كلثوم من المذياع يغني ...

ــــــ

محمد عبده العباسي

بورسعيد

 ***

ك.خ

 

 

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home