القلم النقدي

 

بين شعرية السرد وسردية الشعر

عبدالجواد خفاجى



بين شعرية السرد، وسردية الشعر

دراسة لمجموعة " طوقني حتى الموت " لعبير فوزي

دراسة :عبدالجواد خفاجى

 

 

تتميز المجموعة القصصية لعبير فوزي "طوقني حتى الموت" بقصر كثير من نصوصها، وبإيجاز وتكثيف أسلوبها ـ وإن كان فيه ما يعد خروجاً عن مقتضيات السرد ـ وغزارة إيحاءاته، وكثرة محذوفاته ومضمراته، حتى أنها أقلت من استخدام علامات الترقيم الاعتيادية واستعاضت عنها بنقطتين متتاليتين في إشارة إلى محذوفات الكلام.

وتنتقل النصوص فضائياً من خطاب الفقرة إلى خطاب النص، ومن خطاب النص إلى خطاب النصوص ؛ فلا مجال للوقوف على إيحاءات الفقرة أو العبارة أو الجملة بعيداً عن السياق الكلي، وبعيداً عن الخيوط التي تربط جزئيات النص ببعضه، بيد أن النصوص تتداخل دلاليا وتتكامل رؤيوياً لتصنع كلاً موحداً وكأننا أمام نص واحد لسارد واحد، لا جماع نصوص لمجموعة من الساردين، أو لكأننا أمام لبنات تتكامل في عالم روائي يتسم بالوحدة .

  وتتسم السجالات اللغوية في هذه المجموعة بالوضوح وبساطة التعبير والسهولة المعجمية، إلا أنها لغة رمزية كثيرة الإحالات والمرجعيات والمقاصد تستند الكاتبة فيها إلى لغة المجاز والتشخيص وتوليد الاستعارات الرمزية الشاعرية، وتوظيف الكنايات والمستنسخات النصية التي تحيل إلى عالم الأنثى وأشيائها، كما تحيل إلى البيئة الواحاتية وجمالياتها المخصوصة .

وقد وفقت الكاتبة في تصوير طفولة الأنثى، كما أجادت نقل مشاعر الأنثى الجنوبية حين تتعلق برجل ما، وكذلك  التعبير عن وضعيتها الاجتماعية، ومعاناتها وإحباطاتها مع الواقع والحياة.

ولعل هذا كان دافعنا لدراسة هذه المجموعة باتجاه السرد الشعري، وباتجاه الشعر النثري في الآن ذاته، لما لاحظناه من البعد الذاتي والوجداني في النصوص، ولما لاحظناه من كثافة انزياحات اللغة باتجاه الأسلوب الشعري .

وإننا لكي نفعل ذلك كان لابد من دراسة وجهي العملة، الشكل والمضمون، كلٌّ على حده، دون أن نكون معنيين بالفصل بينهما، إذ الأساس أن كل مضمون يستدعي شكليته.

 

الأفق الرؤيوي في المجموعة :

 

يتنازع تجربة عبير فوزي القصصية في مجموعتها " طوقني حتى  الموت " اتجاهان أحدهما رومانسي  ــ وهو الغالب على النصوص ــ وآخر واقعي يتضافر معه، ففي الأول نجد الشخصيات التي يتنازعها الحزن أحيانا، وأحيانا التفاني في الحب والإخلاص للحبيب الهاجر أو الغائب، والحنين إلى الماضي، والتعلق بالطفولة، وانتظار ما لا يجئ، والرغبة في اجتياز حواجز الزمان والمكان، والشعور بالخوف وافتقاد الألفة أو الشعور بالرتابة والفراغ العاطفي والروحي، والحرمان والانطلاق مع اللاشعور، ومع المتخيل، والتمسك بأهداف الأمل الذي غالبا ما ينكسر على صخرة الواقع، فيما بدا أيضا يأس الشخوص من الحياة واعتراضهم على الوجود أحياناً، والملاحظ في هذا الاتجاه أن الحزن قاسم مشترك بين الشخوص، وصفة ملازمة لهم، تستبد بحياتهم وتلون نظرتهم إلى الحياة كما تبدو لنا بعض الشخصيات في حالة انتظار دائم، أو حالة تذكُّر، وحزن مقيم مخيم على أجواء النفس مثلما نطالع في نص "مجيء" نجد الحزن والانتظار هما سياج التجربة وحيث الساردة (الراوية) التي تسرد بضمير الأنا، مشكِّلة من السرد خطايا موجهاً إلى الحبيب الهاجر/ المخاطب المنتظر المغادر دائما، أو كما نقرأ في نص "أوتار ليست للعزف" : ( عندما أكون معك تصعد الأرض إلى السماء ... تسقط السماء تحت قدمينا .. أفك شعري الأسود، أخلع منى  "توكتي" الروز .. تصغر الطفلة التي بداخلي ألف عام .. أصنع لرأسي وسادة طرية من يديك .. بينما أنت تفرد حزنك للاسترخاء ) صــ35.

ثمة نصوص تجسد الرؤية في هذا الاتجاه الرومانتيكي ، لعل أولها هو النص الذي تحمل المجموعة عنوانه ، حيث تعلق الشخوص بالمساء ، وإطلاق الذاكرة والرغبة في اجترار الذكريات ومخاطبة الحبيب  المضمر والميل إلى الوحدة والطبيعة والسماء والشكوى من الأرق والسهد ومناجاة النفس ، والميل إلى الحزن لدرجة أن لقاء الحبيبين مناسبة لممارسة الحزن ، ولدرجة أن هناك شخصيات تحسب عمرها بالحزن لا بالسنين .. نلمس هذا الاتجاه في نصوص : ( مساء بطعم الانتظار) و ( المساء لا يصلح للتأرجح ) و ( عندما نغفو تبدأ الموسيقى) .

أما الاتجاه الثاني الواقعي، نعاين الشخوص الذين يعيشون ويجالدون واقعا محبطا، مسيَّجاً بفوضى النظام وصرامته وزجره للذات وللطفولة وللأنثى، وحيث الخيانات والعسف، والفقر والروتين، وجلافة البوليسيين، فيما كان النظام يتجسد فنياً في المدرسة بتعاليمها ومناهجها وتجهم رجالها أو البيئة بأعرافها الذكورية، أو الأم كأداة النظام وحامية للتقاليد والأعراف وأداة كبح للأنثى منذ ولادتها، لذا بدت الشخصيات خائفة من الإقدام وهى تصور حالة الخوف الذي يترصدها منذ طفولتها كما لو كانت الحياة نفسها مشوار من الخوف .

ومثلما نقرأ في نصوص " للزوايا أبعاد متناقضة " حيث يأخذ النظام المدرسي بعده الرمزي ليرقى إلى مستوى النظام الاجتماعي الذي يحتويه .. هذا النظام بدا كسجن للذات بما يحويه من أعراف وتقاليد وآداب عامه، وفيما يفرضه حول الأنثى من صرامة، وفى نظرته إلى الأنثى وإلى جسدها المطمور تحت الثياب بمخالفة لرغبة الأنثى التي تعرف ماذا تريد لجسدها، الأمر الذي يضطرها إلى مخادعة النظام والتحايل عليه، ولذلك هي تصنع ما تصنع بعيدا عن صرامة النظام بعدما تخرج من باب المدرسة مباشرة، والنتيجة أن عيون الذكور الذين يصنعون حول الأنثى طوف التقاليد هم أنفسهم من تجذبهم الأنثى / البنت عندما تكشف عن مستور جسدها، فقد أعجب بها الولد وقدم لها وردا، لكأن الجمال الجسدي هو المدخل الغريزي الوحيد الذي يعرفه الرجال من الأنثى، أو لكأنه أقصر الطرق إلى الحب والتعلق وجذب أنظار الرجال .. طريق قصير تعرفه الأنثى جيدا وتتحايل من أجل المضي فيه أحياناً، كإنسان لها مطالبها البيولوجية والروحية والعاطفية .

وتتجه الرؤية في بقية هذا النص إلى رصد تناقضات وسلبيات في النظام حيث تربية الخوف، وحيث ضرب الجرس إيذان ببدء الخوف، لكأن التخويف والترهيب هو المستقر في النظام، بيد أن أقسى ما وجه للنظام من نقد أن الغشاشين هم من يصفق لهم الآخرون ويعطونهم الجوائز، في نقد لشكلية النظام وفى إشارة ضمنية إلى أن ثوابت النظام ليست مقدسة ويمكن اختراقها، بل تبدو أحيانا بلهاء لا تدرك الحقائق، ومن ثم فإن الإشارة الضمنية الأخرى هي ضرورة الخروج والتمرد عليها، ولعل مجمل ما تدور حوله الرؤية من نقد للنظام الاجتماعي الذكوري يدعو إلى الخروج عليه، والسخرية منه .

يتجه أيضا الملمح الواقعي للرؤية إلى البعد الاجتماعي للشخوص حيث بدا مُركَّزا حول صورة الحياة الزوجية، وكيف أن الحياة تضن على الأزواج بالسعادة، وكيف أن الفقر والخوف يسيجان الحياة، حتى أن العيد يقف بعيداً أحياناً، كما نلمس في النص "العيد يقف بعيدا" صورة للطفولة البائسة المهمومة يوم العيد بتلقيط رزقها من بيع القصب للأطفال الآخرين دون أن يكونوا مشاركين في العيد، وكذلك في نص " نوبة حراسة " و" فعل فاضح .. هكذا حرر " صورة للواقع المسيَّج بالبوليس الذي يحاصر حتى المشاعر والعلاقات الزوجية والعاطفية.

وفى نص " كرتون مشجر ورجل أليف جدا " صورة الأسرة متواضعة الحال و المرأة المهمومة بتغيير فرش الكنبتين الوحيدتين في بيتها، ومن ثم هي تلح على رجلها المنهزم أمام تعاسة حياته وعجزه عن تغيير اللحظة إلى الأفضل، فيما بدت حياته الزوجية العاطفية غائرة وراء الحاصل من محبطات، وفيما بدت عجلة الحياة معاندة ولحظة السعادة بعيدة إذ تنتهي القصة بما يؤكد شح اللحظة عن السماح لآخر الآمال البسيطة المشروعة بالتحقق . على أن المعالجات الدرامية لقضايا الواقع لم تكن تحتل مساحة تبعد عن مشهد الطفولة البائسة وتصوير حالات نادرة من الفقر، وحالات نادرة من الفعل البوليسي الغبي الذي يستبد بحرية الشخوص .. بيد أن جل ما استحوذ على الرؤية الواقعية كان متجها صوب إدانة الرجل الذي اتسم بالغباء أو الخيانة، أو الغيرة حد الاهتمام، أو الهجر، أو الطمع في الأنثى أو الشهوانية أو ما شابه ذلك من اتهامات، غير أن اتهامه الأكبر أنه مستأثر لوحده بالحياة التي ما انفك يلونها بطابع ذكوري  مقيت، الأمر الذي دفع الأنثى في كثير من النصوص إلى الندم على تجربة الحياة نفسها والتمرد ليس على وضعية الأنثى بل على كونها أنثى في الأساس ينظر إليها كعروسة مولد أو كدمية جميلة فيما تبدو رغبتها غير ذلك، والحياة حقيقة فروسية ورجولة لماذا لا يصنعون لها سرجاً وحصاناً إذن ؟ ( نص : هامش في منتصف القلب صـ 40 )

وفى نص " فعل فاضح هكذا حرر " حيث الواقع البوليسي الذي يحاصر الزوجين ويطالبهما بإثبات قيام العلاقة الزوجية لحظة ممارستهما حرية السير في الشوارع شديدة العتمة، بيد أن البوليس الذي يلون الحياة بالسواد يطلق الرجل ليحضر قسيمة الزواج فيما تظل المرأة رهن التوقيف تحت سطور بوليسيين متهمون بالغباء إلا أن المفارقة أن الزواج وبدلا من إحضار قسيمة الزواج اطمئن لنومه،مستسلما لاتهام الزوجة بالخيانة، وإلا لماذا أوقفها البوليسيون أو ربما أنها مشبوهة أو ما شابه ذلك من هواجس .

أما في نص " قل من هي ؟" فالخطاب موجه للزوج الخائن الذي هجر زوجته وطفلته بعد عشر سنوات من العشرة، ذاهباً إلى أحضان أخرى صـ 42 ليظل الخطاب السردي موجها إليه : قل من هي ؟ .. لتتكرر بعد ذلك صورة الزواج أو الحبيب الخائن الهاجر في كثير من النصوص، هو المفارق ببرود دائما وهى المرأة الساردة المشتعلة في انتظاره، حقيقة صورة الرجل بدت مزرية في النصوص، ولعل النصوص كانت فرصة مناسبة لجلده، وهو المغرور، وهو المستأثر وحده بالحياة منذ النص الأول " ثقب في جسد جنوبية " وتصوير لحظة ميلاد الأنثى / السارد " دقات الهون وأصواتهن المنكسرة تدور حولي، تلهب عظمى الطري، بينما أصوات الرجال تصعد فضاء البيت، فيزداد سمك السقف بطلاء غاب لونه، فتضيق أكثر زواياه وأركانه عليهن .. " الرجال إذن يضيقون الحياة الوسيعة، ويصنعون سياجا من الخوف والعتمة بما يفرضون حول الأنثى الجنوبية من صرامة محددات عرفية ذكورية سخيفة قاتلة للروح وماسخة لوجه الحياة، وراسمة العتمة في وجه الأنثى المهيضة التي تظل في كل النصوص وفية، مهمتها الانتظار والإخلاص لرجل دائما يخون، حتى ذلك الرجل المنهزم المهيض لم يكن يحلم وسط احباطاته إلا باعتلاء  ناصية أنثاه ( كما لاحظنا في نص : كرتون مشجر ورجل أليف جدا ) صورة هذا الرجل الأليف لم تتجاوز حيوانيته فيما بدا أمام فقره منهزما يصارع تروس الزمن القاسي وهو عائد إلى بيته يحمل قماشاً جديداً للكنبتين الوحيدتين على ما يبدو في بيته، وفيما بدت الزوجة مهمومة بالكنبتين وفرشها، فيما بدا هو مهموما بقضاء ليلة سعيدة مع جسد هذه الزوجة المهمومة، وقد شاء الحظ أن يعود إليها بقماش الكنبتين " الليلة ستغلق باب الحجرة، ثم تمنحه البقاء على نهدهها المترهل، تلفه بسخاء بين ذراعيها المكتظتين، يروى سنوات مضت، وهى تعرى له عن كراكيبها التي أسدلت عليهم جلبية متهرئة " صـ66

وكما بدت صورة الرجل هكذا بدت صورة الأنثى كطرف مقموع مكبوت في وسط صارم محافظ جدا، وكانت الفرصة مهيأة لمناقشة وضعية الأنثى في هذا الوسط، الأنثى التي فشلت أغلب محاولاتها في صنع ثقب بجسدها تصفى من خلاله دمها المختزن منذ ما قبل الميلاد  ــ كما نقرأ في النص الأول ــ ولعل تغيير الدماء بالنسبة لها لا يعنى التخلص من الحياة على ما يشي ظاهر اللفظ، وإنما هي ترمى إلى تغيير ما يحمله الدم من سمات مختزنة تحدد جنوبيته هي الرغبة إذن في التغيير، اتضحت في محاولة الساردة التصرف بحرية خروجاً على الأعراف، بإشعال سيجارة في طريق عام الإشكالية أن فمها لم يطاوعها ولم تنفرج الشفتان، وكأن المحددات العرفية والتربية صنعتا منها نموذجا يصعب تغييره، الإشكالية الثانية أن الساردة كانت تحاول ذلك مرارا وكانت تفشل، لكأنها الرغبة إذن في اجتياز وضعيتها كأنثى جنوبية وجدت في هذا الوسط الذكوري الذي يضيِّق حولها الزوايا والأركان ويضرب حولها سياجاً من صرامة محددات بيئية تحولها إلى كيس لحم مصرور، ومن ثم هي تعلن اعتراضها على الحياة أساسا كما في نص " انفصال " حيث التمني بالعودة إلى رحم الأم مرة أخرى فرارا من حياة كئيبة إلى حد كبير، وحيث السرد الذي يبدأ بالوقوف عند لحظة الميلاد الأول وتصوير الأم التي وضعت لتوها وليدتها ( الساردة ) : " سواد عينيها يتأرجح في اتساع ضيق، ثم يغيب مع انسدال جفنيها .. تقاوم زوغان بصرها، تشير بيدها نحو " الطشت " " ــ ادفنوا الخلاص، هاتوها في حضنى .. هل تعرف أنني كنت لا أريد الخروج منها ؟! .. لو أن الله يصنع معجزة، ويدخلني إليها مرة أخرى .. لو .. " صـ8 .

                                

*******

فى دراسة الشكل :

يبدو أن المضمون الذي احتوى رؤية الكاتبة وتوجهها على نحو ما سلف استدعى شكليته التي تمثلت على المستوى النصوصي في بناء النص على كيفية تعكس تلك الرؤية .

وبناء النصوص اعتمد ــ في الغالب ــ على صوت ساردة ( راوية ) تروى بضمير الأنا .. هي أنثى متعلقة بآخر ( مخاطب ) مروى له أو عنه، تخاطبه بضمير" أنت " .. تكررت هذه الوضعية في نصوص كثيرة ( قل من هي ؟ ــ فعل فاضح .. هكذا حرر ــ مساء بطعم الانتظار ــ عندما نغفو تبدأ الموسيقى ــ أوتار ليست للعزف ــ لست في غاية السرية ــ أشياء صغيرة جدا ــ أندرا ــ مجيء ) وفى تلك النصوص كان السرد مغلقا على العلاقة بين ( أنا وأنت ) كما تظهر الساردة في نصوص أخرى لتسرد بضمير " الأنا " مخبرة عن نفسها عبر مراحل ومواقف مختلفة من حياتها، مثلما جاء في نصوص ( ثقب في جسد جنوبية ــ انفصال ــ أشياء صغيرة جدا ( 6) ــ الغرد ــ اشتباك ــ العيد يقف بعيدا ــ .. الخ "

وهكذا نجد أن جل النصوص اعتمد على ساردات إناث يقصصن بضمير الأنا .. ماذا يعنى هذا بالنسبة لنا ؟ .. هو سؤال مهم خاصة إذا ما تعلق بسؤال آخر : ماذا يعنى توحد المستوى السردي لنصوص المجموعة ؟ والمفترض غير ذلك المفترض أن كل ساردة حسب وضعيتها ومستوى شخصيتها يتحدد مستواها السردي ويختلف من نص لآخر بحسب الموقف القصصي ، أما وقد لاحظنا توحد المستوى السردي أو تقاربه في نصوص المجموعة وكأننا أمام رواية تتكامل أجزاءها، أو لكأننا أمام نص واحد تم تشزيره إلى نصوص عدة، وخاصة أن الرؤى تتكامل بين النصوص وتدعم بعضها من نص لآخر .

الملحوظتان السابقتان المطروحتان في السؤالين السابقين يدعمهما خروج الساردة في بعض النصوص عن مقتضيات السرد إلى مناطق غير درامية تخلو من الحركة ومن الصراع وربما لا تخص الحدث بقدر ما أنها تخص الساردة نفسها وهى تطرح تعليقات وتأملات واستنتاجات واستخلاصات وتساؤلات ما ربما لا تشكل جزءا من النسيج الدرامي للقصة بقدر ما أنها استطرادات الساردة نفسها التي استغلت ضمير الأنا إلى الخروج إلى تأملات ذاتية ووجدانية .

وغير ذلك بدت الساردة عليمة بكل شيء في خطابها إلى الآخر كان هو صامتا وكانت هي التي تخبر عما في نفسه وتتكلم لها وله، وفى الوضعية الثانية كانت تخبر عن ذاتها ومن ثم كانت فرصتها إلى مزيد من البوح الذاتي والوجداني حول الحادث من عينة الاستهلال الذي جاء بداية نص " ثقب في جسد جنوبية " وهو استهلال اقترب من الشعر تقول فيه " يا جسد اطرح ظلك على الأرض .. / ارسم لي قدمين .. يدين .. / جزعا / ورأس .. لا تنس أن يكون الرأس محشوا بكل أنواع الصداع ... الخ " صـ2، ومثال ذلك أيضا ما جاء بداية نص "طوقني حتى الموت " من تساؤل  مجاب عنه " ماذا لو قبل رجل امرأة على رصيف أحد القطارات .. سوف تخبئ قبلته في مناديلها الو رقية، ومن حين لآخر تطمئن عليها " صـ77 ومثال ذلك ما جاء بداية نص " للزوايا أبعاد متناقضة " من تأمل بدأ ـ إلى حد كبيرـ  بلا معنى " المثلث المتساوي الأضلاع زواياه متساوية، المثلث الحاد الزوايا أضلاعه تتشاجر في صمت، المثلث الذي بلا قاعدة سقطت زواياه بالأمس " صـ59 .

والأمر لم يتوقف عند حدود بعض التدخلات التي شكلت عبئا دراميا بل تعدى الأمر ذلك إلى خلو بعض النصوص من الدراما متخطية حيز السرد إلى حيز المقال حيث تسقط في مثل هذه النصوص الأداة ( الساردة ) تماما لتشْخُص ذات المؤلفة ( الكاتبة ) وحدها منفردة بالإفضاء، ولدينا نصان معنونان " انفجارات تحدث في صمت " صـ53 و" التوت غير مهيأ لاستقبال العصافير " صـ74 هذا النصان لا يحققان شرط قيام السارد أو لا يعتمدان عليه بالدرجة الأولى إذ لا يوجد حدث أساسا ينبني به أو حوله السرد، ويكفينا أن نعاين بداية أولهما : "فصول السنة الأربعة في كل مرة تبنى ما بينها جدارا، تصنع لنفسها فوق بيوتنا عاصمة منيعة، ونحن سرعان ما نمارس كل واجباتنا ولا يمر وقت  سوى علينا وتنهار المدينة القوية أمام الفصل القادم ... ألخ " لندرك أننا أمام خاطرة تتزيا بزى المقالة الأدبية التي لا ترقى إلى مستوى البناء السردي .

نحن إذن أمام ملحوظات أساسية على طبيعة البناء السردي ووضعية السارد وأسلوب السرد نستكشف منها سقوط الأداة السردية في بعض أجزاء النص، كما هي في بعض النصوص، وفى المقابل من ذلك نجد ارتفاع نبرة الذاتية والوجدانية وهذا يفسر نقديا باشتباك المؤلفة بالساردة والاستيلاء على دورها في بعض الأجزاء النصية وهذا من شأنه أن ينقل مستوى النص برمته من المخيل السردي إلى مخيلات أخرى كالشعر والخاطرة .

 

******

إن دراسة مثل هذه النصوص تستوجب بالضرورة تذبذب الدارس بين اتجاهين أحدهما يتجه به صوب " سردية الشعر " والآخر صوب " شعرية السرد " وبين الاثنين فارق كبير، ففي الأول نحن أمام ذات شاعرة تفضي ببوحها وحالاتها ورؤاها وهى ذات حقيقية ترتبط مباشرة بتجربة شعرية لها أبعادها الذاتية والوجدانية . وفى الثانية نحن أمام ذات ساردة وهمية، وهى أداة يتوارى خلفها المؤلف، وربما ظهر المؤلف لصاحب ذوات ساردة متباينة ومتعددة يخترعها ليتوارى خلفها .

في الأولى نحن أمام شعر يوظف أبعادا سردية لغرض درامي، وفى الثانية نحن أمام سرد له جمالياته التي تمتاح من مجازات الشعر وأسلبته دون أن تتخلى عن أدواتها في الطريق .

أن الاشتباك القوى بين المؤلفة والساردة (الراوية) في النصوص واستخدام ضمير الأنا جعل من النص ساحة للسجال الشعري أحيانا ولعل هذا المدخل صالح تماما لدراسة اللغة في مجموعة عبير فوزي .. لقد أتت لغة عبير فوزي تتسم بالشفافية العالية وحساسيتها الجمالية بالعالم الداخلي الملتبس للأنثى في حركة موازية للعالم الخارجي والطبيعة، مقدمة من خلالها حسها العميق يجرح الحياة لشخوص قصصها اللاتي يغفو تاريخهن وينكسر في كل ما يقدمن عليه، في عالم مسيَّج بالصرامة والخوف الذي يرهن الشخصيات ويتحكم فيها . فتضمحل وجوديا مقابل نماء داخلها الذي يتجرد شخصية أخرى ترسم معالم حياة لا تقوى على اكتشاف كنهها إلا باللغة السابحة في حساسية شعرية فريدة تهيئ للسرد حيوا ته في فتوحات اللغة الشعرية، وتحرك اللغة السردية باتجاه أداء تشكيل جمالي ينضح شعريته، ينيره بشعاع شعري ينبثق من الأسلوب الذي يحرص على تكثيف المجاز وتحليقه وخلق جملة من الانزياحات اللغوية المؤهلة للتحليق في عوالم ذات المؤلفة إذ تحلق بذوات شخوصها وقد اشتبكا معا .

إن من يقرأ نص ( مجيء ) يدرك تماما أنه أمام قصيدة نثرية : " الانتظار وجع /لا يعرفه غير المحبين .. /  جمرة توقد الجسد .. / وترسل دخانها للاختناق / وأنا ... / احترقت حتى آخر قطرة في الكون / جئت الآن ؟! / تجدد حبك ؟! / تبغي إعادة ملامحي في ذاكرتك ؟! / أم أرهقك الفراغ ؟! / تأتى بعد غيبة طويلة .. / مستسلمة أنا فيها للاشتعال / أقدامك تخرج من بين الفصول، لم أنسك ... لا أتذكرك / هل صرت طيراً مهاجراً حط على مكانه الموسمي؟! .... الخ " صــ 21 ولعل القاصة لم تنكر علينا مثل هذا الاعتبار إذ تقطِّع النص كتابيا بطريقة رأسية على هيئة الشعر .

ولعلها لم تنكر أيضا توجهها الشعري الذي يحتضن أبعاد ذاتية ووجدانية منذ السطور الأولى لمجموعاتها : " يا جسد اخرج ظلك على الأرض / ارسم لي قدمين .. يدين .. جزعا / ورأس .. لا تنسى أن يكون الرأس / محشوا بكل أنواع الصداع عندما يجوب الوطن القني بنتا / جنوبية / تسكن بقايا الشمس على بشرتها " صـ2. هكذا تتقوى الشعرية في لغة القص عند عبير فوزي بإقامة الحدائق الإبداعية للانزياحات التي تحقق انحرافا عن النثر، والمهيجة للتخيل الذي تحركه عبير فوزي بفنية مثيرة وهى تتحرك بخصوصيتها الإبداعية والفنية والفكرية، وهى تنشط لتعيد تركيب العالم حول الأنثى أو تضعه أو تموضعه  على نحو شعري، وهى أيضا توغل في دواخل شخوصها متلمسة المكان الحيوي للروح والجسد، تبنى بينهما وبين العالم موجات من الاعتراضات أو التوافقات أو التساؤلات والخطابات ليصبح السرد مجالا أو مكانا للتخيل الشعري بجانب أنه مكان مناسب للبوح والإفضاء والتذكُّرات والوصف، وتلك سمات شعرية في الأساس إذ يلج منها الشعراء إلى عوالمهم الشعرية .

إلى هذا الحد كان السرد استثناء في نصوص عبير فوزي ؟! أم أنه الولوج إلى عالم السرد كان من باب الشعر ؟ أم أنها النصوص التي تقع في المنطقة الوسط بين المتخيل السردي والمتخيل الشعري، أو لنقل المنطقة الوسطي بين شعرية النثر، والنثر الشعري  

  

عبدالجواد خفاجى

في 20 أبريل 2008 م

Khfajy58@yahoo.com

ملحوظة : عبير فوزي قاصة مصرية من مواليد محافظة الوادي الجديد وقد صدرت مجموعتها موضوع الدراسة عن فرع ثقافة الوادي الجديد ( سلسلة إبداعات الواحة ) عام 2007 م 

________________________________________________

 

 




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home