كتاب العدد

 

صورة الإسلام في الإعلام الغربي

د. محمد بشاري




  يحاول هذا الكتاب لمؤلفه الدكتور محمد بشاري أن يرصد الكيفية التي يتناول بها الإعلام الغربي قضايا الإسلام والمسلمين في ضوء الحملة المتصاعدة التي تسعى لتشويه صورة العرب والمسلمين وهي الحملة التي تزايدت وتيرتها خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر.
 
في مستهل الكتاب وفي إطار استعراضه لصورة الإسلام في الإعلام الأوروبي يشير المؤلف إلى أن تحليل مضمون هذه الوسائل يشير إلى أن الخوف من الإسلام ليس بالأمر الطارئ أو الجديد غير أن هناك عوامل عديدة تزيد من هذا الشعور حاليا وتجعل الأوروبيين يرون في الإسلام خطرا كبيرا وتحديا أكبر أمام الغرب.
 
ولذلك كانت حصيلة تأمل نتيجة الدراسات الإعلامية التي تناولت صورة المسلمين في الوسائل الاوروبية المقروءة والمسموعة والمرئية سلبية في اغلب الاحيان مع وجود بعض التغطيات غير المتحيزة احيانا ولكنها قليلة قياسا الى الصورة غير الصحيحة عن المسلمين السائدة في الاعلام الغربي نتيجة المعالجات المغرضة.

وحسبما يشير الكتاب فقد اثبتت هذه الدراسات ان وقوع بعض الاحداث المرتبطة بالمسلمين عموما تزيد فيها المعالجة غير الموضوعية سواء كانت هذه الاحداث متعلقة بالاقليات الاسلامية في القارة الاوروبية او في بعض الدول العربية والاسلامية.
 

اما الاوصاف النمطية التي يتم عرضها عن المسلمين عموما فهي على شاكلة انهم يتبنون التطرف والعنف والجهاد وتعدد الزوجات ونبذ العلمانية ورفض الاندماج. من النماذج الفجة التي يقدمها الكتاب ما اذاعته القناة الفرنسية الثانية وهي قناة حكومية خلال برنامج حول وضعية المراة في باكستان.
 

حيث تحدث معد البرنامج عن الشريعة الاسلامية «التي تحرم على المراة ولوج عالم الدراسة.. وان المراة في باكستان تبقى العوبة في يد الرجل تباع مثلما تباع البهائم».. وغير ذلك من الاباطيل المشينة بالواجب المهني والاخلاقي.
 

اما على صعيد تناول قضية الاصولية والتي يشير المؤلف الى انها موجودة في جميع الديانات فيوضح جوانب من الخلط الذي سقطت فيه وسائل الاعلام الاوروبية من خلال عقد ربط بين ظاهرة الاصولية الاسلامية وحركة التدين بصفة عامة مع الاصرار على التركيز على بعض السلبيات مثل الغلو والتطرف والتشدد واحداث العنف من جانب هذه الجماعات عند الربط بينها وبين الاسلام والمسلمين لتكوين صورة غير سليمة في ذهن المواطن الاوروبي.
 

على سبيل التوقف يشير المؤلف الى ان ذلك لا يعني عدم وجود من ينصف الاسلام ويحاول ان يقدم صورة حقيقية له ومن ذلك مثلا جوسلين سيزاري الباحثة الفرنسية، روبرت فيسك الصحافي البريطاني، ماركوس بورج استاذ علوم الدين في جامعة اوريغون الامريكية، فرانسوا بورجا الباحث الفرنسي المرموق وكذلك كارين ارمسترونج الكاتبة البريطانية والراهبة الكاثوليكية سابقا وصاحبة العديد من المؤلفات عن الاسلام والمسيحية واليهودية.
 

وفي اطار تزايد موجة العداء للمسلمين في الاعلام الاوروبي يشير المؤلف الى مجموعة من القضايا التي تعكس هذا التوجه ومن ذلك ملف قضية الفتيات المحجبات. فتحت عنوان : هل هو صراع حضاري ام ماذا؟ تناولت مجلة دير شبيغل بهذا العنوان المستفز القضية واعتبرتها صراعا يتفجر من جديد متسائلة عما اذا كان هذا الصراع يهدد المجتمع المسيحي او العلماني؟
 

اما في النمسا فان الدنيا قامت ولم تقعد عندما تزوجت لوسيا دحلب السويسرية المسلمة من المواطن الجزائري علي دحلب واعتنقت الاسلام وارتدت الحجاب حيث انطلقت حملة اعلامية عنصرية ضدها في اثناء احتفال اقيم في المدرسة الابتدائية التي تدرس فيها لوسيا حضره الاباء واولياء الامور وبعض ممثلي اجهزة الاعلام المحلي. اما مجلة الاكسبريس فقد اختزلت موضوع الحجاب الاشكالي بعنوان : الحجاب المؤامرة.. كيف يتسلل الاسلاميون؟
 

ويحوي الموضوع مفردات تثير فزعا واضحا لدى القارئ الفرنسي ومنها الارخبيل الاسلامي، الجماعة الاسلامية المسلحة، تفشي الحجاب والذي راحت كاتبة تصفه بانه عملية ارهابية!
 

اما بالنسبة لقضية المراة فازاء التناول غير المحايد للاعلام الغربي لهذه القضية الى حد ان اصبح اول ما يتبادر الى ذهن الاعلامي الفرنسي في اثناء تناول موضوع المراة هو تعدد الزوجات المشروع في الاسلام والممنوع في الدستور الفرنسي.
 

وفي مقال بمجلة الاكسبرس مثلا نقرا تنديدا شديدا موجها الى القادة السياسيين بسبب سماحهم بممارسات جاهلية قديمة مثل تعدد الزوجات، ختان البنات، الاسلام المتشدد، وحتى دروس تلقين اللغات الاصلية لابناء الاقلية المسلمة والعربية.
 

ثم ينتقل المؤلف الى جانب اخر يتمثل في تشويه مفهوم الجهاد في الاعلام الغربي ومن ذلك تاكيد البعض على ان الاسلام هو دين حرب . واصبح يكفي ان تتم الاشارة في اي مقال لمصطلح الجهاد مقرونة بترجمة في اللغة الفرنسية «الحرب المقدسة» لكي تثار الزوابع والهواجس والمخاوف.
 

ولا يتطلب الامر ان يكون هناك حدث ذو دلالة لكي يتم التخويف من الاسلام وانما اصبح ينظر الى كل ما يتعلق بالمسلمين على انه كذلك ومن ذلك على سبيل المثال ان صحيفة لونوفيل اوبزرفاتير نشرت مقالا عما وصفته بانفجار الحالة الاسلامية في فرنسا فهناك في تلك الفترة اكثر من الف مسجد واكثر من ستمائة جمعية اسلامية.
 

وهذا انفجار يعود الى حوالي 17 سنة يطرح مشكلا فريدا على المجتمع الفرنسي. ويضيف صاحب المقال المذكور: ان تكرار العمليات الارهابية واختطاف الرهائن تندرج ضمن استراتيجية مضادة للغرب وذلك عبر تمرير خطاب الجهاد في معناه العدواني.
 

ويجول المؤلف في الاعلام البريطاني ضمن جولته في الاعلام الاوروبي فيشير الى ان الصورة لا تختلف كثيرا عن طبيعة الصورة الموجودة في باقي الدول الاوروبية والتي تصنف الاسلام بالدين البدائي والارهابي وانه الدين الذي يتعارض مع الحضارة والبديل عن الشيوعية وايديولوجياتها خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي.
 

وفي ذلك نشرت صحيفة صنداي تايمز مقالا لكاتب يدعى بيير جرين دورتون بعنوان الوجه القبيح للاسلام قال فيه ان الاسلام الذي كان حضارة عظيمة تستحق الحوار معها قد انحط واصبح عدوا بدائيا لا يستحق الا الاخضاع. ويقدم المؤلف في هذا الجزء عرضا للعناوين فقط والتي تستصرخ بداخل القارئ الفزع من الاسلام مثل :
 

المسلمون قادمون، الحروب الصليبية مستمرة، سيف الاسلام يعود من جديد، العالم يتحكم فيه بدو الصحراء وشيوخ البترول، وما زالت هذه الحملات الاعلامية تظهر بين الفينة والاخرى مما يساهم بطبيعة الحال في تنميط صور مغلوطة تماما عن الاسلام بوصفه دينا للكراهية والتعصب والعنف.
 

ولعل ابلغ تعبير عن وضعية الاسلام في الاعلام والادراك الغربيين ظاهرة «الاسلاموفوبيا» وهي الكلمة التي دخلت قاموس السياسة الاوروبية وتحولت الى مفردة لها معان محددة في عصرنا كما حصل في القرن التاسع عشر مع مفردة اللاسامية وتحت مفردة «الاسلاموفوبيا» وهي كلمة يقصد بها «الرهاب الاسلامي»كمصطلح لمعنى الخوف من الاسلام بدات تعقد المؤتمرات السياسية وتدار الندوات الفكرية لمعالجة مواضيع المخاوف من الاسلام وابعادها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
 

ومن الصور التي يعرض لها المؤلف وتشير الى الظلم البريطاني للاسلام والمسلمين نشر وسائل الاعلام هناك مزاعم وادعاءات تزعم فيها ان الثقافة الاسلامية مختلفة جملة وتفصيلا عن الثقافات الاخرى كذلك تتضمن هذه الصورة الثانية انتقادا بريطانيا حادا للنظام الاجتماعي في الاسلام والذي يعتمد بشكل اساسي على الاب الذي ينسب الابناء اليه دون امهم ويتولى مسؤولية الاسرة كاملة وغير ذلك.
 

ويعود المؤلف ليشير الى ان الصورة ليست مظلمة تماما حيث ينوه بمواقف الامير تشارلز بخصوص صورة الاسلام عموما عند الفرد الغربي والتي تمثل شهادة نادرة واسقط فيها صفة التطرف التي يحاول الاعلام الغربي ان يربطها بالاسلام الى جانب دفاع تشارلز عن فضل الحضارة الاسلامية على القارة الاوروبية وعلى الحضارة الغربية بصفة عامة.
 

اذا كانت هذه هي الصورة فيما قبل احداث سبتمبر فلنا ان نتخيلها فيما بعد هذه الاحداث، فقد زاد معدل خضوع صورة الاسلام والمسلمين للتشويه والتحريف. وقد تفرعت اصناف تشويه صورة الاسلام والمسلمين ما بين التصريحات الاكاديمية والسياسية والاعلامية.
 

واذا كانت الصورة التي ترسخها وسائل الاعلام مشوهة بسبب سيطرة اللوبيات الاعلامية اليهودية عليها او بسبب وجود عقليات عنصرية متطرفة استغلت احداث ستبمبر لكي تفرغ ذلك المكبوت من اجل تفعيل تشويه صورة الاسلام فقد كانت هذه الاحداث فرصة مواتية ايضا لبعض السياسيين الغربيين والدينيين لكي يمرروا خطاب العنصرية والاستعلاء.
 

فمن الدعوة الى هدم الكعبة الى وصف الاسلام بانه دين شيطاني جديد على لسان القس البروتستانتي المعروف فرانكلين غرام الى بيرلسكوني الذي راح يؤكد على ان الغرب يجب ان يثق في ان حضارته ارقى من الحضارة الاسلامية وهو يضع استراتيجيته لقمع ما وصفه بالارهاب.. كلها تنويعات على تشويه صورة الاسلام.
 

وهي مواقف تمتد لتصل الى الكاتبة والصحافية الايطالية اوريانا فالاتشي والتي راحت تؤكد رسالة لها على ان الغرب يعيش حربا صليبية بالفعل.. حرب يسمونها جهادا.. حرب لا تريد ان تغزو اراضينا بل ارواحنا، حرب تريد القضاء على خيراتنا وعلى حضارتنا!
 

اما رئيس تحرير مجلة لوبوان الفرنسية فيقول في مقالة افتتاحية له بعد احداث سبتمبر انه من ضمن الملاحظات العديدة التي نخرج بها من هذا الحدث هو ان الارهاب المستشري اكثر في العالم اليوم يتعلق بالتطرف الاسلامي.
 

مضيفا ان الغرب يجهل القوة الصامتة للحركات الاسلامية وللمسلمين كافة لان هناك مليارا منهم في العالم وانه حتى لو كان هذا المليار لا يساند الارهاب فانهم لا يعارضون الانخراط في اعمال الجهاد والحرب المقدسة.
 

اما في بريطانيا فقد نشرت جريدة الصنداي تليغراف مقالا بعنوان «هذه الحرب ليس موضوعها الارهاب بل الاسلام»، اما الصحافة الاميركية فحسبما يشير المؤلف فقد اثبتت دراسة بشانها انها بدات في الهجوم المباشر على الدين الاسلامي باعتباره دينا يحض على العنف والانتقام وكان هذا النمط من المعالجة الصحافية متوازيا مع الهجوم على المسلمين.
 

كما لجات الصحافة الاميركية والبريطانية الى تخصيص مساحات واسعة لشخصيات ذات تاثير في المجتمع للادلاء بشهادتها المعادية والداعمة للاهداف التي كانت تعمل من اجلها في هذه المرحلة وهو ما نراه مثلا في اقوال صامويل هنتنغتون بان المسلمين يشكلون 20 % من سكان العالم وهم وحدهم مسؤولون عن 80% من الصراعات والاضطرابات في عالم اليوم.
 

اما في هولندا فقد نشرت مجلة «هاخسابوت» في متنصف اكتوبر مقالا دعا فيه كاتبه الى مراجعة جذرية للوجود الاسلامي في هولندا والغاء مدارس المسلمين مضيفا ان الوقت حان للتاكد من امكان التعايش مع الدين الاسلامي بوصفه دينا يحترم القيم الديمقراطية للدولة الغربية والنظام الدستوري والقانون.
 

وازاء هذه الصورة التي تشير الى اتساع نطاق حجم التحامل على الاسلام بغض النظر عن الاسباب، فان المؤلف يؤكد على حاجتنا الى بلورة خطاب اعلامي عصري نقدي وموضوعي يغزو الاسواق الغربية ويبتعد عن رتابة الخطاب الاعلامي العربي والاسلامي الموجود اليوم.
 

كما يؤكد على حاجتنا الى خطاب يؤسس نسبية اسلامية في التعامل مع قضايا الساعة والتي تتعلق بالبشرية جمعاء على ان يكون النقيض مع خطاب النسبية المطلقة التي يتبناها الخطاب الغربي الذي يظهر فيما يحرره العديد من الباحثين والاكاديميين المتعصبين امثال صامويل هنتنغتون وفرانسيس فوكوياما.

الناشر : دار الفكر ـ دمشق 2004




  أرشيف كتاب العدد

اطبع الموضوع  

Home