دراسات هامة

 

البرمجة اللغوية العصبية

أحمد دعدوش



 

البرمجة اللغوية العصبية

أحمد دعدوش

 

كثيرا ما يتردد على آذاننا هذا المصطلح الغامض، والذي قد يدفع الكثير منا إلى الشك في دلالاته، فهو ما زال غريبا، بالرغم من انتشاره المثير للدهشة في الآونة الأخيرة، إذ تتراوح مواقف الناس تجاهه بشكل كبير، ولعل ذلك نابع من عدم الوضوح وقلة الوعي، فالمرء عدو ما يجهل. وكما يقول أنتوني روبينز فإن أي أمر جديد يمثل حقيقة كاملة لا بد وأن يمر في مراحل ثلاثة: أولها التشكيك فيها ووصف أصحابها بقلة العلم وضحالة الفكر وربما بالسفه والجنون، تليها مرحلة المحاربة والتصدي بشتى الطرق الممكنة، ثم المرحلة الثالثة التي يميل فيها المحافظون إلى التسليم والإقرار بوجود هذه الظاهرة وربما الاقتناع بها بعد أن اتضحت معالمها وتبينت لهم آثارها وخفاياها التي أثارت مخاوفهم من قبل. ولهذا فإنا سنسعى في هذه المقالة إلى إسقاط الضوء على أسرار هذا المصطلح، ومحاولة كشف مكنوناته، بهدف الوصول إلى قرار موضوعي للحكم عليه دون تسرع أو تعسف.

 

إن مصطلح البرمجة اللغوية العصبية ليس في الحقيقة إلا ترجمة حرفية لأصله الإنجليزيneuro linguistic programming  والذي يرمز له اختصارا NLP, ويمكن ترجمته بعبارة البرمجة اللغوية للجهاز العصبي، كما يميل بعض المختصين العرب إلى تسميته بالهندسة النفسية.

ويقصد به إعادة تشكيل الصور والمعارف التي يتلقاها العقل من الخارج بشكل مبرمج ومهندَس (البرمجة)، بهدف الوصول إلى لغة متقنة في التواصل مع الآخرين والتعامل معهم بالشكل الأمثل (اللغوية)، وذلك عبر التأثير على الجهاز العصبي الذي يكوّن الوعاء الذهني للمعرفة (العصبية).

وبلغة أخرى فإن مهمة هذا الفن إعادة برمجة العقل البشري بشكل مدروس، لتنمية قدرته على التعامل مع الآخرين بشكل أفضل، ومنحه الوسائل العملية والعلمية الفعالة للتصرف بشكل صحيح مع كافة المواقف والظروف اليومية. وهو أشبه بعملية البرمجة التي يقوم بها المختصون لإرشاد الأجهزة التي تحتوي على العقول الآلية إلى الطريقة الأفضل والأقصر للوصول إلى حل المشكلة.

 

نشأته:

نشأ هذا الفن في منتصف السبعينات على يد العالمين الأمريكيين: الدكتور(جون جرندر) عالم اللغويات و(ريتشارد باندلر) عالم الرياضيات، مستفيدين في ذلك من تجارب قام بها كل من الخبير النفسي (ميلتون إريكسون) والدكتورة (فرجينا ساتير) عبر مراقبة طرقهم العلاجية، بالإضافة إلى عدد من علماء اللغويات مثل نعوم تشومسكي، وألفرد كورزيبسكي وغيرهم. وقد بدأ المؤسسان عملهما بإعادة النظر إلى الطرق العلاجية النفسية، والاهتمام بعوامل تكوين الشخصية البشرية، وإبراز كوامن النجاح والإبداع فيها، انطلاقا من التفاوت الكبير في قدرات ومواهب الأفراد بالرغم من الاتفاق في البيئة والظروف. وقد قاما بنشر أفكارهما في كتاب من جزأين تحت عنوان The Structure of Magic وذلك في عام 1975.

ولم يلبث هذا الفتح العلمي الجديد أن لاقى رواجا واسعا في الغرب، إذ تطورت تقنياته بشكل سريع خلال الثمانينات، وبدأت المعاهد المتخصصة بتقديم هذا الفن للمتدربين. وكأي اكتشاف علمي جديد، ظهرت خلافات عديدة بين مؤسسيه، فافترق باندلر وجرندر عن بعضهما، لينشئ كل منهما مدرسته المستقلة والتي انسحبت مبادئها فيما بعد على الأتباع، حتى أن الخلاف قد لحق بأحد المؤسسَين إلى قعر داره، فافترق باندلر عن زوجته التي ابتكرت لنفسها مبادئها الخاصة. علما بأن الخلاف لم يكن في المنهج العلمي، أو في التطبيقات والتقنيات العملية، وإنما كان نابعا من اختلاف المفاهيم والمنطلقات، فبعض المدربين يركزون على التوجه النفسي الباطني البحت، والبعض الآخر يقتصر اهتمامه على التطبيقات الإدارية والدبلوماسية، بينما يميل آخرون إلى التخصص السلوكي الاجتماعي العام. وأمام رغبة كل منهم في التفرد فيه برؤيته الخاصة، لا بد وأن تتشعب الآراء وتتفرق المدارس، وهو خلاف محمود في الأوساط العلمية كما هو معروف. ولكننا لا ننسى الإشارة إلى وجود عدد من المدربين الذين أساءوا استغلال هذا الفن، عندما وجدوا فيه ضالتهم لإغواء الناس وسلب ما في جيوبهم، فأصبح الأمر وكأنه سباق لإثبات جدارة هذا الشخص أو ذاك على حساب الآخر، بل وتبادل البعض التهم في حق زملائهم، ليصل الأمر إلى حد التجريح وسوء الظن، مما دعا كلا من (وايت وود سمول) و (روبرت دلتس ) - وهما من كبار خبراء هذا الفن- إلى انتقاد هذا التنافس غير السوي والذي يتنافى مع أصول المهنة، إذ يفترض أن تكون مدرسة حقيقية للأخلاق وحسن التعامل مع الآخرين.

 

المؤسسون:

تأسس هذا الفن كما أوضحنا على يد العالمين باندلر وجرندر، وفيما يلي لمحة سريعة عن هذين الرجلين:

Gohn Thomas Grinder  جون توماس جريندر

ولد جريندر عام  1939 م، وتخرج من جامعة ( USF )في سان فرانسيسكو عام 1960 ، بدرجة ماجستير في الفلسفة، وكان مبرزا في مجال اللغويات مما أهله للعمل في وكالة الاستخبارات الأمريكية أثناء فترة الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي. ثم عاد لمتابعة دراسته العليا وحصل على درجة الدكتوراه في اللغويات من جامعة كاليفورنيا في سان دييجو، وكانت له إضافات علمية قيمة في هذا المجال.

عين بعد ذلك أستاذا في جامعة سانتا كروز بكاليفورنيا عام 1974، حيث التقى بالدكتور ريتشارد باندلر والذي كان طالبا للدراسات العليا في قسم علم النفس، بالإضافة إلى تخصصه في الرياضيات و برمجة الكمبيوتر.

وبناء على طلب باندلر، اشترك الاثنان بدراسة عدد من الشخصيات المشهورة ومحاولة نمذجتها، مستفيدين من خبرة كل منهما في مجال اختصاصه، وقد أثمر هذا التعاون بولادة فن البرمجة اللغوية العصبية فيما بعد.

 

الدكتور ريتشارد باندلر (Richard Wayne Bandler)

ولد الدكتور  ريتشارد وين باندلر عام 1950 م، وبدأ مشواره العلمي بدراسة الرياضيات وبرمجة الحاسب الآلي. وفي عام 1973 كلف بتحرير دراسة للعالم السيكولوجي الشهير فرتز برلز بالتعاون مع الباحثة النفسية والاجتماعية فرجينيا ساتير، وكان ذلك سببا في اهتمامه اللاحق بعلم النفس والذي دفعه لدراسته أكاديميًا في جامعة سانتا كروز بكاليفورنيا، حيث التقى بالبروفيسور جريندر ليضع معه أسس البرمجة اللغوية العصبية كما ذكرنا.

وكان كل من المؤسسَين يختلف عن الآخر بمرجعيته العلمية ونوعية تخصصه، مما جعل باندلر يهتم بالجانب الفكري لهذا الفن الناشئ، في الوقت الذي ركز فيه جريندر على الجانب السلوكي. وقد أدى هذا الاختلاف إلى الشقاق والاعتزال مما دفع باندلر إلى القيام ببعض التعديلات على الأسس التي قاما بوضعها مسبقا ومحاولة إنشاء علم جديد يُنسب إليه تحت اسم Design Human Engineering ويرمز له اختصارا DHE ولكنه لم يحظ بالقبول الجماهيري كسابقه.

يذكر أن باندلر صاحب فضل لا ينكر في دراسة التأثير العصبي للصوت، والذي صنفه في علم جديد أسماه بالأصوات العصبية، كما ينسب إليه الفضل في دراسة النميطات (Submodalities) ومعالجتها بشكل علمي ولغوي رصين.

 

 الاعتراف به: 

 مع انتشار هذا الفن عالميا، قام روبرت دلتس بإنشاء جامعة البرمجة اللغوية العصبية GTC، كما أسس عدد من الخبراء ما أسموه بالاتحاد العالمي للبرمجة اللغوية العصبية NLPTA ومقره في الولايات المتحدة، بهدف وضع آلية أخلاقية وتقنية موحدة لتطبيقات هذا الفن، وتوحيد معاييره المطبقة في كافة أنحاء العالم. ويمثل الاتحاد مرجعية عالمية لتصديق الشهادات المؤهلة للمتدربين في الدورات التي يقيمها المدربون المعتمدون والاعتراف بها، واعتبر أحد مؤسسي الاتحاد "وايت وود سمول" أول رئيس له.

ويقوم الاتحاد بمنح الشهادات لمتدربيه وفقا للتسلسل التالي:

 دبلوم: 30 ساعة.

 ممارس: ما بين 70-80 ساعة.

ممارس أول: 120 ساعة.

مدرب: 21 يوم.

مدرب أول (منمذِج): يشترط للحصول عليها الانتظام في دورة مطولة وتقديم مشروع نمذجة، وهو أشبه برسالة الماجستير أو الدكتوراه، والتي تتم تحت إشراف علمي مباشر.

وكان أول تدريب لمدربي البرمجة قد جرى في ميونيخ بألمانيا في أغسطس/آب 1994 بحضور 75 شخصا، تلاه اللقاء الثاني في سيدني بأستراليا في أكتوبر/تشرين الأول 1994 بحضور40 شخصا، ثم اللقاء الثالث الذي انعقد في تورونتو بكندا في مايو/مارس 1995، فالرابع في ميونيخ بألمانيا في أغسطس/آب 1995، ثم الخامس في واشنطن  في أغسطس/آب 1996، والسادس في بريطانيا عام 1997م، تلاه السابع في  مانشستر بإنجلترا في أغسطس/آب 1998، والثامن في المكان نفسه في عام 1999م ، وصولا إلى اللقاء التاسع الذي جرى في كوبنهاجن عاصمة الدانمارك في يوليو/تموز 2000.

وإلى جانب الاتحاد العالمي، قام تاد جيمس بإنشاء ما أسماه بهيئة البورد الأمريكية لمدربي البرمجة اللغوية العصبية ABNLP، والتي تعتبر منافسا قويا للاتحاد، ومؤشرا آخر على الشقاق القائم بين صفوف أساطين هذا الفن.

 

أهدافه: تسعى البرمجة اللغوية العصبية إلى تحقيق الأهداف التالية: 

1-   مساعدة الفرد على اكتشاف نفسه، كالتعرف على نمط إدراكه وإحساسه، طريقة أدائه لعمله ونوعية اهتماماته، وسلوكه في التعامل مع الآخرين.

2-   الكشف عن القدرات والمواهب الكامنة، ومحاولة تفعيلها، انطلاقا من قاعدة علمية راسخة تقول إن حوالي 90 بالمئة من قدراتنا العقلية تظل كامنة مدى الحياة.

3-   تشجيع الأفراد على الاستفادة من تقنيات هذا الفن لتطوير مهاراتهم العلمية والعقلية والنفسية والاجتماعية، مما ينبئ بصحة ادعاء مدربي البرمجة اللغوية العصبية بأنهم قادرون على قلب حياة متدربيهم نحو الأفضل.

4-   دراسة الحالات الذهنية السلبية التي قد يتعرض لها الفرد، ومحاولة علاج الكثير منها عن طريق الإيحاء النفسي وإعادة برمجة الذهن بشكل إيجابي سليم.

 

وكثيرا ما يتردد السؤال اليوم عن الفرق بين هذا الفن وبين علم النفس والعلاج النفسي. والجواب هو أن البرمجة اللغوية العصبية لا تختلف في جوهرها عن علم النفس، بل ترتبط به بشكل وثيق كارتباط الرياضيات بعلوم الفيزياء والميكانيكا. فعلم النفس يضع الأصول والقواعد العلمية، ويبحث في مضمون المشكلة النفسية، أما البرمجة اللغوية العصبية فتهتم بطريقة حل المشكلة وأسباب وقوعها للوصول إلى حل عملي لها. ومن جهة أخرى فإن علم النفس يفضل الغوص في أعماق الذاكرة واستخراج الخبرات والتجارب السابقة وربطها مع بعضها للوصول إلى التشخيص العلمي للمشكلة، فيما تهتم البرمجة اللغوية العصبية عادة بالتغيير انطلاقا من وضع الخارطة النفسية والعقلية للفرد، والاعتماد عليها لصنع مستقبل أفضل يمكن من خلاله التخلص من المشاكل السابقة والحالية، وإنشاء حياة أفضل بما يتلاءم مع قدرات كل فرد على حده.

علما بأن مشاهير المتخصصين بهذا الفن لا يدّعون لأنفسهم القدرة على علاج كافة الآفات النفسية، وخاصة تلك العميقة منها والمرتبطة بمشاكل صحية فيزيولوجية، إذ يترك علاج هذه الحالات للأطباء النفسيين. فيما يرى البعض أن البرمجة اللغوية العصبية لا تسعى لتقديم العلاج بقدر اهتمامها بالمساندة النفسية المطلوبة لمرضى الوهم بهدف مساعدتهم على التخلص من مخاوفهم ومشكلاتهم الداخلية وتفعيل طاقاتهم الكامنة للاستفادة منها، فضلا عن إمداد الأصحاء بالمعارف والتقنيات التي تساعدهم على تجنب المشاكل النفسية في المستقبل. وبالرغم من ذلك فإن هذا الفن ما زال يلقى المعارضة حتى الآن من قبل عدد غير قليل من الأطباء النفسيين، وهو الموقف ذاته الذي اتخذه المعالجون النفسيون التقليديون من الطريقة التي ابتكرها ميلتون إريكسون في علاجه لمرضاه قبل أن يأخذ هذا الفن صيغته المعروفة اليوم، وهو ما تكرر أيضا عندما اتخذ البعض موقفهم ضد جرندر وباندلر في بدايات تأسيسهم له.

وعلى أي حال، فإننا نقر بوجود عدد من الأدعياء كما هو موجود في أي مجال علمي أو مهني، إذ لا يعدم وجود بعض المدربين الذي قد يدّعون لأنفسهم قدرات علاجية مبالغ فيها، ولعل هذه التصرفات غير المسؤولة هي التي أوقعت الكثير من الناس في حيرة تجاه هذا الفن الجديد، وجعلتهم ينظرون إليه بعين الشك.

 

مبادئه:

يقوم هذا الفن على المبادئ الرئيسية التالية:

1-   الخارطة ليست نفس الواقع:  وبمعنى آخر: الصورة الذهنية للعالم ليست هي العالم نفسه، ونعني بذلك أن الصورة التي تتشكل في أذهاننا عن العالم الخارجي بعد إدراكنا له بالحواس، أو باللغة التي نسمعها أو نقرؤها، أو بتأثرنا بالقيم والمعارف المسبقة التي تأصلت في عقولنا ونفوسنا، هي ليست مطابقة بشكل دائم للواقع نفسه. ولا يعني هذا أن الصورة الذهنية مختلفة  عن الواقع بشكل جوهري، ولكنها تقل عنه بشكل أو بآخر نظرا إلى أن ما يصل لأذهاننا من معلومات لا يكون مكتملا تماما، وذلك بسبب قصور عوامل إيصال المعلومات وتأثرها بالمؤثرات الداخلية والخارجية العديدة كاللغة والحواس والعادات والتقاليد.

وبناء على هذا المبدأ المهم يمكن لنا أن نتفهم الخلاف الذي ينشأ دائما بين الناس في نظرتهم للواقع، وبالتالي التفاوت الكبير في وجهات النظر وطرق التعامل مع المواقف المختلفة، ولا شك في أن أخذنا لهذا المبدأ في عين الاعتبار وترسيخه في عقولنا سيساعدنا كثيرا على تخفيف حدة الصدام مع الآخرين، وتفهم وجهات نظرهم، وهو الأمر الذي وعاه الفاروق عندما قال: (أعقل الناس أعذرهم للناس)، وهو أيضا ما تمثله الإمام علي في سلوكه كرم الله وجهه مع مخالفيه من الخوارج وجند معاوية كخير مثال على تطبيق هذا المبدأ، مما كفل له حسن التصرف معهم، والتزام العدل في كل قرار قام باتخاذه.

وعلى الصعيد الشخصي، نتعلم من هذا المبدأ أن الإنسان قادر على تغيير العالم المحيط به بمجرد تغيير خارطته الذهنية، كما يؤكد القرآن الكريم في قوله: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ )(الرعد:11)، ويعتمد المعالجون بهذا الفن على هذه القاعدة كثيرا في تغيير الواقع البائس الذي يعاني منه مرضاهم.

 

2-   كل الناس يمكنهم أن يحققوا النجاح الذي حققه الآخرون إذا ما اتبعوا استراتيجياتهم الناجحة:

يشير هذا المبدأ إلى ناحية مهمة من النفس البشرية، اعتمادا على حقيقة علمية ثبتت حديثا، وهي أن الإبداع ليست له أي علاقة بالجينات أو الصبغات الوراثية، فالمبدعون لا يختلفون عن الآخرين في شيء، وكل ما في الأمر أنهم تمكنوا لسبب أو لآخر من استغلال إمكانياتهم الإبداعية في صنع إنجازاتهم، والأمر نفسه قابل للتكرار مع أي فرد في هذا العالم، ما دام يملك عقلا ناضجا طبيعيا غير مختل، شريطة أن يتمكن من اكتشاف نفسه وكوامن الإبداع لديه، ثم يوظفها بالشكل الأمثل.

 

3-   إن المرونة في كل من السلوك والتفكير تعطي صاحبها قدرة أكبر على السيطرة والتحكم في الأوضاع:

يعطي هذا المبدأ مؤشرا مهما لقدرة الأشخاص على التحكم في سلوكهم وانفعالاتهم، ويرتبط بذلك بمدى قدرتهم على استيعاب المواقف والظروف غير المرغوبة والتعامل معها بشكل عقلاني سليم. كما يمس فكرة سلوكية حساسة للغاية عندما يبين لنا أن الإنسان المتسامح والقادر على التحكم بأعصابه يكون هو المسيطر دائما أمام انهزام الشخص الذي يفشل في ضبط انفعالاته، مصداقا لقول الرسول الكريم (ص): (ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) صحيح البخاري، باب الأدب، حديث 6114 .

 

4-    إن الطرق المتماثلة تؤدي إلى نتائج متماثلة:

ويعني هذا المبدأ أن تكرارنا لسلوكنا اليومي بالشكل الروتيني نفسه سوف يؤدي غالبا لبقاء كل شيء على ما هو عليه، وهو يقدم إجابة منطقية لشكوى الكثيرين من التكرار الممل لوقائع حياتهم اليومية، بالرغم من تجاهلهم للسبب الرئيسي في ذلك والمتمثل في عدم رغبتهم أصلا في التغيير.

 

وأخيرا، فإن البرمجة اللغوية العصبية ليست ضربا من السحر حتى تملك آثارا خارقة في قدرتها على تغيير حياة الإنسان، كما أنها ليست أيضا مجرد ادعاءات جوفاء لا تستند إلى أي أساس من الصحة.  بل هي علم جديد يتفرع عن مزيج من العلوم الإنسانية والطبيعية، ومحاولة لتطبيق آخر ما توصلت إليه خبرات العلماء في دراسة النفس البشرية والغوص في أسرارها، بهدف تصحيح أخطائها وعلاج مشكلاتها. كما أنها فن راق نشأ عن تجارب اختصاصية عميقة، يهدف إلى وضع الأسس الصحيحة لبناء علاقات إنسانية سليمة، وتجنب الأخطاء التي يمكن أن تنشأ عن أي خلل في البناء السلوكي للفرد والمجتمع على حد سواء.

وبما أن الحكمة ضالة المؤمن، وأنه أحق بها أينما وجدها، فإني أرى أننا مدعوون مرة أخرى لاكتشاف هذا العلم، والتحقق من جدواه العلمية والعملية، ثم استيعابه والتمكن منه بهدف الوصول إلى مرحلة التأصيل والتوطين، ثم الإضافة والإبداع

 




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home