دراسات هامة

 

حقيقة الإعلام غير الرسمي في سورية

مشاعل عبد الودود المليحان



 

حقيقة الإعلام غير الرسمي في سورية

مشاعل عبد الودود المليحان

بعد عقود طويلة من تكميم الأفواه وإرهاب العقول، هاهي سورية تفسح المجال لمثقفيها لدخول عالم الإعلام الحر بعد أن ظل حكراً على القلة من أتباع الحزب الواحد، فتم إصدار قانون المطبوعات الذي يتيح للقطاع الخاص دخول عالم الصحافة كما هو الحال في بقية دول العالم، وتحمل الشعب السوري منّة هذه المكرمة التي انتظرها طويلاً، دون أن يُسمح له بأكثر من رفع آيات الشكر والثناء، أما مراجعة تطبيقات هذا القانون وغيره من قوانين الانفتاح الإعلامي فهي ما نحاول التحقق منه في هذا المقال.

 

الصحافة:

ظلت الصحافة السورية مقتصرة طوال ثلاثة عقود على الصحف الثلاث المعروفة: البعث، الثورة، وتشرين. بالإضافة إلى بعض الصحف الأخرى الخاصة بكل محافظة على حده وصحيفة سيريا تايمز الصادرة باللغة الإنجليزية، حيث كان مقرراً على كل خريجي كليات الصحافة في هذا القطر الذي تضاعف عدد سكانه تقريباً خلال تلك المدة أن يختاروا العمل في واحدة من هذه الصحف العريقة، أو أن يريحوا الدولة عناء توظيفهم الذي يعد واجباً في الأدبيات الاشتراكية بهجرتهم إلى الخارج والبدء بضخ ما يقدرون على توفيره إلى أرض الوطن.

مع التجديد الذي طرأ على السلطة في بداية الألفية الجديدة، وقبل أن يصدر قانون المطبوعات المذكور بفترة وجيزة، حازت صحيفتان سوريتان على استثناء رئاسي بالصدور وهما (الدومري) و(الاقتصادية)، أما الأولى فكانت لرسام الكاريكاتير المعروف علي فرزات، والتي تعتبر نقطة الانطلاق لبقية الصحف الخاصة السورية، وكانت ذات طابع ساخر ناقد، حتى تكاد تغلب هذه الصفة على كل موادها إلى حد أفقدها بعض المصداقية. أما الثانية فهي صحيفة اقتصادية تسعى لتعميم المفاهيم الليبرالية التي ظلت غائبة طوال الحقبة الاشتراكية الماضية، ويعزى إليها الفضل في إنعاش القطاع الخاص إلى حد ما.

لعل التطورات التي طرأت بعد ذلك على الساحة السورية لم تعد غائبة على أحد، فما سمي بربيع دمشق سرعان ما تحول إلى شتاء قارس يعصف بالأخضر واليابس، فطالت حملات الاعتقال والتضييق أعداداً كبيرة من أولئك الذين تم اصطيادهم بهذه الفسحة الضيقة التي لاحت لهم من هامش الحرية، فنالت صحيفة الدومري الكثير من التضييق، وتوالت مسرحية المطاردة على طريقة القط والفأر بين محرريها وبين السلطة التي لم تعد قادرة على إلجام ذلك الكم الهائل من النقد، ولما لم تفلح عمليات تغيير إدارة التحرير - مع أنها صحيفة خاصة!- ولا تعطيلها عن الصدور الذي أصبح انقطاعه أمراً معتاداً على القراء، جاء القرار النهائي بإغلاق الصحيفة الخاصة الأولى في سورية، وأسدل بذلك الستار على الصحافة الناقدة ليعلم الجميع بأن أي نقد سيتم وأده قبل أن يولد.

في هذه الأثناء، سعى رياض نجيب الريس لاستعادة مجد والده وإعادة صحيفته السياسية العريقة لترى النور، ولكنه سرعان ما اكتشف أن ميدان الصحافة السياسية في سورية أكثر قداسة من المدينة المحرمة في بلاد الصين، ووفقاً لسياسة ذرّ الرماد في العيون، اختارت وزارة الإعلام شاباً صادف كونه نجل رئيس الأركان الذي أصبح فيما بعد وزيراً للدفاع وقامت بمنحه مكرمة إصدار المجلة السياسية الحرة الأولى تحت اسم (أبيض وأسود) والتي تعرّف بنفسها على أنها مجلة أسبوعية سياسية اقتصادية ثقافية اجتماعية، وأنها الأولى منذ أربعين عاماً! وبما أن صاحب الامتياز لا علاقة له بالثقافة من قريب أو بعيد، فقد تم تسليم مهمة التحرير إلى الفنان التشكيلي أيمن الدقر، واختير فريق المحررين من ستة كتاب شباب ليقوموا بتغطية أبواب المجلة الأربعة.

لم تضيع المجلة الكثير من الوقت لتوضيح خطها العام، فموقفها السياسي لا يفترق عن مسار الصحافة الرسمية قيد أنملة، وبالرغم من مساحة الحرية غير المعتادة في السماح لإحدى المحررات بإعداد ملف ضخم عن الأحزاب السورية -تم نشره على حلقات- إلا أن الهدف كان واضحاً من فتح هذا الباب، وهو توضيح موقع المعارضة السورية المغيب تماماً من الخارطة السياسية، وإثبات اكتفاء هذه الخارطة على التوجه الاشتراكي الذي تم توزيع مهامه على عدد قليل من الأحزاب التي تنضوي تحت لواء الحزب الواحد وتشاركه التوجه والأهداف وحتى آلية العمل! بينما لم تخف المحررة موقف المجلة من احتمال وجود الإسلاميين المحتمل في الساحة، واقتصر تقصيها لتاريخ هذه الحركة على عمليات العنف التي جرت تحت الضغط الهائل الذي تعرضت له في السبعينات والثمانينات والذي تزامن مع موجة عنف مشابهة عمّت دولاً عربية أخرى، في الوقت الذي غضت الطرف عن أي وجود لتوجه إسلامي سلمي ومؤهل لتحمل المسئولية وتمثيل الشعب ذي الأغلبية المسلمة، بل صرحت بتخوفها من حتمية تطور الدعوة التي يُسمح بها على منابر الجمعة وفي المدارس الشرعية -بالرغم من كل التضييق- إلى دعوة سياسية!

أما الموقف الاقتصادي للمجلة فكان أكثر جرأة، وهو المسار المعتاد أصلاً في الصحافة الرسمية، بينما تولى الجانبان الثقافي والاجتماعي المهمة الرئيسة لبث ثقافة المجلة ذات الطابع العلماني المتشدد، ولم يتقصر الأمر على تخصيص صفحتين في كل عدد لنشر أكثر الصور إغراء تحت مسمى (أزياء) وهو أمر غير مفهوم في بلد شرقي يعرف الجميع أنه لن تستفيد منه أي امرأة، ولكن الأمر بدأ يأخذ أبعاداً أخرى مع ظهور تحقيقات مشبوهة وعلى أيدي صحفيات شابات، كالتحقيق الذي بحث في قضية الراقصات اللواتي يتم استقدامهن إلى سورية من دول المعسكر الاشتراكي السابق، حيث قدم التحقيق عرضاً مجانياً مفصلاً لكل من يرغب في الاستفادة من هذه الخدمة، بل إن الشيء الوحيد الذي استاءت منه الكاتبة لم يكن الانحلال الأخلاقي البشع الذي أسرفت في شرح تفاصيله بل في استنزاف هؤلاء المومسات لأموال الزبائن!

تحقيق آخر أجرته إحدى المحررات تحت اسم المساكنة، والذي ادعت فيه أن ظاهرة المساكنة (أي إقامة الفتاة مع صديقها في بيت واحد بدون عقد زواج) بات أمراً شائعا في دمشق بل أشبه بالظاهرة! ولإثبات هذه الفرية الخطيرة قامت بوضع حوارات- أغلب الظن أنها وهمية- أجرتها مع طالبات جامعيات اكتفت بوضع الحروف الأولى من أسمائهن لنشر مواقفهن المصطنعة، بل وصلت الوقاحة إلى حد تصريح إحدى الطالبات بأنها كانت مترددة في مساكنة صديقها ولكنها وجدت نفسها غريبة بين صديقاتها اللواتي سبقنها إلى ذلك فلم تجد بداً من الموافقة، وهذه محاولة خبيثة لإيهام القارئ بأن الأمر قد انتشر إلى حد بات فيه مألوفاً، بل وأكثر انتشاراً من غيره، وهو ادعاء غير مفهوم إزاء إصرار أولئك الفتيات الجامعيات على إخفاء أسمائهن الحقيقية!

أما أكثر المواضيع جرأة فكان في إقدام الكاتب الملحد نبيل فياض على نشر مقال من ثلاث صفحات ادعى فيه أنه أجرى استبياناً بين الشباب السوري يثبت فيه انتشار المثلية الجنسية " اللواط والسحاق" في دمشق إلى حد ينافس سان فرانسيسكو ذاتها، وقام على طريقته بتحويل سهام النقد للثقافة الدينية المتزمتة التي تلزم أفراد كل جنس على الاكتفاء بأمثالهم في الجنس، وبعد أن أفرغ ما في جعبته من الحقد بدأ بالتساؤل عن سبب إدانة هذه الحرية الشخصية، ولم ينس في النهاية أن يهزأ من النصوص الدينية في التوراة والقرآن الكريم التي نصت على دمار قوم لوط. ولو أن الأمر قد اقتصر على ذلك لكان هيناً، ولكن السماح للمحامي الحكم جركو بالرد في عدد لاحق، ثم استنفار نبيل فياض الذي عاد بأقوى من السابق للرد على جركو تحت عنوان كتب بالخط العريض (الإرهاب الديني) أمر لا يدع مجالا للشك في نظر المجلة "الحرة" إلى كل قول مخالف على أنه إرهاب فكري، وهي التهمة التي تتلبس بها بكل بداهة.

كان هذه هو الموقف الصريح للمجلة السياسية الحرة الوحيدة في سورية، أما على الصعيد الفكري فلم تحظ بالموافقة على الإصدار إلا صحيفة واحدة تحت اسم (تحولات)، وهي تحمل فكر الحزب القومي الاجتماعي السوري المحظور (أنطون سعادة)، وقد بدأت منذ عددها الأول بالتركيز على قضيتين لا ثالث لهما: نشر الفكر القومي السوري العنصري، وتسليط سياط النقد بكل أنواعه على كل ما يمت بصلة للفكر الإسلامي. بدأت الصحيفة في عددها الأول بلقاء مع الوجه الإسلامي الأبرز في سورية (محمد حبش) والذي تم تنصيبه مديراً لمركز الدراسات الإسلامية، فلم يبخل الرجل بدوره على الصحيفة بمنحهم ما يريدون، إذ وضع مقدمة يقول فيها أن كل شخص قادر على الاستدلال لمذهبه السياسي بالعودة إلى القرآن، فالاشتراكيون يدعمون مذهبهم ببعض النصوص والمواقف إلى حد وضع بعضهم كتباً عن اشتراكية الإسلام، والليبراليون أيضاً لم يجدوا أي صعوبة في دعم آرائهم من النصوص، وبالتالي فإن النتيجة التي وصل إليها هي أنه لا يمكن الخروج برأي سياسي واضح للإسلام، وهو ما احتفت به الجريدة على صفحتها الأولى لتبني عليه في كل أعدادها اللاحقة مؤكدة أن الحل الوحيد لضم شتات الأمة هو في القومية السورية التي تتسع للجميع!

 كان هذا هو التواجد الوحيد المسموح به للسياسة والفكر في الصحافة السورية، لذا توجهت الأنظار إلى إصدار المجلات الاجتماعية المنوعة والتي تشمل كل ما يمكن إدراجه تحت مسميات الأزياء والفن والأبراج، مما يجعلها الأكثر رواجاً من قبل المجتمع وتأييداً من قبل السلطة، أما التوجه الثقافي والعقائدي لهذه الصحف والمجلات فهو يدور بدون شك في الفلك السابق ذاته.

لا بد وأن يبدأ عرضنا لهذه الإصدارات بالمجموعة المتحدة للتسويق والإعلان والنشر فهي المؤسسة الوحيدة في سورية التي دخلت عالم الصحافة والنشر بمواصفات دولية، يملكها أحد كبار رجال الأعمال وهو عضو في مجلس الشعب، وتُصدر صحيفة إعلانية مبوبة (مجانية)، بالإضافة إلى عدد من المجلات التي توصف بالشبابية والاجتماعية، ويمكن القول بأن إصدارات هذه المؤسسة قد تخطت كل حدود الأخلاق المعروفة في أي مجتمع شرقي، فمنذ العدد الأول لكل إصداراتها وضعت نصب أعينها مهمة إفراغ هذا المجتمع من كل مخزونه الديني والأخلاقي، ولا يتم ذلك بالتعرض لأي مفهوم بالعرض أو النقاش، لأن المنطق الوحيد الذي يطبق هنا هو البحث عن كل مظاهر الفساد والانحلال والعري في المجتمع السوري والمجتمعات العربية المجاورة، ثم إفراغها في صفحات تضج بالألوان والصور المبهرة. أما خط العمل الأساسي لهذه الإصدارات فيتخذ مسارين: أما أولهما فهو التغطية الصحفية المصورة لكل الاحتفالات والمناسبات والسهرات ذات الطابع الغربي كمحاولة لإظهار المجتمع المخملي السوري في حلة غربية بحتة، وأما الثاني فهو السير على خطى الصحافة الصفراء الشائعة في الغرب والتي تجعل من تقصي أدق تفاصيل حياة النجوم بمثابة الخبز اليومي للقارئ، مع الفارق الكبير بين الصحافتين وهو أن نجوم الفن والرياضة في الغرب لا يشكلون طبقة غريبة عن مجتمعهم بل يمثلونه بكل مفاهيمه وتقاليده، أما النجوم في مجتمعاتنا المنهزمة فليسوا أكثر من طابور خامس يبذل كل ما لديه من جهد لمحاولة الانسلاخ عن الوسط الذي يعيش فيه والالتحاق بالغرب، وبالتالي فإن هذه المجلات لا تجد أي غضاضة في وضع إعلان مجاني لأحد النجوم الشباب بحثاً عن زوجة من بين معجباته مع إشارة إلى أنه مخصص لأولئك الفتيات اللواتي لا يمانعن من التقبيل منذ اللقاء الأول.

مجلات اجتماعية منوعة أخرى ما زالت تتوالى في الصدور، ولا تكاد تخلو إحداها من السعي الواضح لإحلال الإباحية والانحلال في المجتمع، ومن ذلك النزول إلى الجامعات لتقصي أخبار الموضة بين الطلاب والطالبات هناك، وإجراء تحقيقات صحفية تتساءل عن الوقت الذي سيبدأ فيه المجتمع بتقبل استقلال الفتاة عن والديها في السكن، وحوارات واستطلاعات عن حفلات عبدة الشياطين وراقصي الروك آند رول والميتال!

مجلة أخرى انضمت على استحياء إلى هذه الموجة تحت اسم مجلة شبابية منوعة، وقد تعرضت لنقد أزعج كتابها على صفحات جريدة الحياة، وهو نقد يمكن تفهمه بنظرة سريعة على صفحات المجلة، فهي كأي مجلة تتسمى بالشبابية في بلادنا العربية، تحصر جل اهتمامها في الموضة والإنترنت والعلاقات بين الجنسين، فضلاً عن أخبار الجامعات والرحلات.. إلخ، وتحسب لهذه المجلة نقطة ذكية لم يتنبه إليها الكثيرون وهي السعي لاحتواء كافة فئات الشباب السوري بالتركيز على المحجبات لكونهن يمثلن نسبة كبيرة من طالبات الجامعات، فقد تصدرت صورهن عدداً لا بأس به من الأغلفة والصفحات الداخلية، مع الانتباه إلى عدم إقحام أي شيء آخر يتعلق بالإسلام الذي يدين به معظم الشعب السوري احتراماً لمشاعر الأقليات، بل والضرب على الوتر نفسه من استغلال لجرائم الشرف (الثأر) للانتقام من الشرف نفسه بقلم رئيس التحرير الشاب، أو فتح تحقيق مفصل عن مواقع الإنترنت الجنسية العربية، تحت مسمى مكافحة هذه المواقع، وكأن نشر تلك الصور والتفاصيل سيقنع أياً من القراء باجتنابها، فضلاً عن الدعاية لها بين كل من لم يسمع بها!

المجلات الطبية لم تخرج هي الأخرى في مسارها العام عن الخط المرسوم لأي وسيلة إعلام سورية، فهي ممنوعة بشكل مسبق من التجرؤ على اتخاذ أي توجه ذي طابع إسلامي، كما أنها محكومة بلغة السوق التي تقول بأن المنافسة تقتضي البحث عن رغبات المستهلك، والتي تقتصر في نظرهم على الثقافة الاستهلاكية الرخيصة، فتجد هذه المجلات تضج كغيرها بالصور المثيرة، وتكاد تنحصر معظم موادها على اهتمامات القارئ الجمالية من قوام رشيق وبشرة صحية وقدرة جنسية دائمة الشباب.

الإنترنت

أمام هذا التضييق والنمطية في الإعلام غير الرسمي في سورية، وجد الكثير من المثقفين السوريين في شبكة الإنترنت هامشاً واسعاً للوصول إلى الجماهير، بالرغم من العوائق الأخرى الكثيرة كقلة عدد المتصلين بالشبكة، وارتفاع تكلفة الاتصال مع رداءته. فظهرت بعض المواقع الجريئة مثل نشرة كلنا شركاء الإلكترونية، والتي واجه مؤسسها تهمة "العمالة" مما سبب له الكثير من التضييق، ولكنه عاد بعدها للعمل بقوة، يساعده على ذلك انتماؤه المسيحي أولاً، وفتحه الباب للعلمانيين المتصدين للعدو الأول للسلطة وهو الإسلاميون ثانياً.

ظهرت بعد ذلك مواقع أخرى كثيرة تدور في الفلك نفسه، ومنها شبكة من المواقع الإلحادية الصريحة، والتي تشترك في الهدف ذاته من معارضة مصطنعة للنظام، وتهجّم سافر على الإسلام ومقدساته، ونقد ساخر لأي مظهر من مظاهر التدين في المجتمع، ومن الطريف هنا التذكير بحادثة اعتقال نبيل فياض أحد الناشطين في هذه الحملة بسبب دعوته السافرة لتطبيق حقوق الإنسان، ثم خروجه بعد شهر واحد فقط ليقوم بمهمة الدعاية للسلطة التي انبهر بما قدمته له من معاملة لطيفة في المعتقل، وليتحول بعد هذه المسرحية إلى بطل قومي، ويعود إلى صب جام غضبه على العدو الأول وهو الإسلام الذي يتحمل مسؤولية العنف والقمع والإرهاب بكل أشكاله، مع أن الإسلاميون هم الضحية الأولى والأخيرة لهذا التطرف العلماني، علماً بأن نبيل فياض هذا سبق وأن كتب مؤخراً مقالاً يفاخر فيه بأنه لا يجد أي غضاضة في التعايش مع "إسرائيلي" يقبل الحوار مع الآخر في الوقت الذي يرفض قطعاً العيش إلى جانب داعية إسلامي إقصائي مثل الشيخ يوسف القرضاوي!

المواقع الثقافية السورية لها وجودها المميز أيضاً، وهي لم تتخل بالطبع عن دورها في مهمة الطعن في خاصرة الإسلام، بل هي أكثر المواقع جرأة لانفلاتها من قيود الأخلاق والقيم، واعتمادها على الفن والأدب بدلاً من الحوار والمنطق، إذ تستوعب بحداثتها كل مظاهر الانحلال والنقد، ويمكن لكل متابع تلمّس هذه المظاهر بسهولة.

قد يتساءل البعض هنا عن الوجود الإسلامي على الشبكة في ظل الحظر القطعي لدخوله عالم الصحافة، غير أن البحث في هذه المسألة يبدو صعباً بعض الشيء، لأن أدلة المواقع السورية تكاد تخلو من أي ذكر لمواقع إسلامية، مما يعني أن الكثير منها - إن وجد- لا يجرؤ على إظهار أصحاب تلك المواقع إلا تحت أسماء وهمية، وربما نسب بعضها إلى دول عربية أخرى، ومن الطريف حقا افتتاح أحد الشباب السوريين موقعاً مختصاً بالإعجاز العلمي في القرآن والسنة، ثم تأكيده لأكثر من مرة على أنه غير منتسب لأي جماعة إسلامية، وإلحاحه على رواد الموقع راجياً عدم الخوض في السياسة خشية تعرض موقعه للإغلاق أو الحجب، بالرغم من الصبغة العلمية الصرفة!

يمكن الاستشهاد هنا بموقع إسلام زيد التابع لمسجد زيد بن ثابت في دمشق، وهو يكاد يخلو من التعرض لأي قضية إسلامية تخرج عن نطاق خطب الجمعة وحلقات حفظ القرآن والأناشيد. أما المواقع الإسلامية الأكثر شهرة فهي التابعة لمدير مركز الدراسات الإسلامية د. محمد حبش والتي تمثل رؤيته الواضحة للإسلام، والمقتصرة تقريباً على التجديد والتأويل عملاً بتعاليم المدرسة الإصلاحية المصرية، وبشكل أكثر سفوراً وسطحية.

لا يفوتنا التذكير أيضاً بما تقوم به السلطة من حجب للعديد من المواقع الإسلامية الشهيرة، وعلى رأسها موقع إسلام أون لاين، بالرغم من تساهلها مع المواقع الإباحية، كما أن الحكم على أحد الشباب السوريين في عام 2005 بالسجن لمدة ثلاث سنوات بعد إرساله لعدد من المقالات التي تحمل فكر خاله جودت سعيد حول المعارضة السلمية إلى أصدقائه يعدّ بمثابة درس واضح لكل من تراوده نفسه في استخدام شبكة الإنترنت لأغراض سياسية.

 

الإذاعة:

ظهرت في منتصف عقد التسعينات من القرن الماضي موجة من الإعلام الإذاعي اللبناني الموجه نحو سورية، وكانت تلك القنوات مخصصة بطبيعتها لاستقطاب الشباب السوري والاستفادة من فرص الإعلان التجاري وذلك بالتركيز على ما تملكه من قدرة على إثارة الغرائز وإلهاب العواطف، إلى درجة تخصيص ساعات محددة لاستقبال اتصالات الشباب من الجنسين وتشجيعهم على المغازلة على الأثير، فضلاً عن الإعلانات ذات الطابع الجنسي  والترويج الرخيص لكل مجالات الانحطاط من حفلات وسهرات وأغان، فلا عجب إذن في أن تصبح أسماء هذه القنوات أكثر شيوعاً في سورية منها في لبنان، حتى كادت أسماؤها أشبه بعلامات تجارية ذائعة الصيت، وتمكنت بذلك من جذب كم هائل من المعلنين السوريين الذين وجدوا فيها منبراً جيداً للإعلان عن منتجاتهم، خصوصاً وأن معظم وسائل النقل العامة والمكتظة بالركاب تكاد تثبّت لواقطها على هذه القنوات طوال النهار.

بعد ما يقرب من عشر سنوات، تنبهت وزارة الإعلام السورية للحصة الإعلانية الكبيرة التي تحتكرها هذه القنوات من السوق السورية، فقامت بافتتاح إذاعة صوت الشباب كرديف لإذاعة دمشق، وأوكلت إليها مهمة بث الأغاني على مدار الساعة، لترسخ بذلك المقولة نفسها حول قصر اهتمام الشباب على الغناء والخلاعة دون أي شيء آخر، حتى أصبح التنافس حاداً بين هذه الإذاعة وسابقاتها، وكان الشعار المرفوع دائماً هو الاستمرار في الانحطاط الأخلاقي، وفتح الباب واسعاً للاتصالات الهاتفية الباحثة عن العلاقات بين الجنسين.

في عام 2005 مُنح الترخيص لأول إذاعة محلية خاصة، فانضمت قناة المدينة إلى جوقة الغناء الذي يملأ الأثير السوري، ثم تبعتها إذاعات أخرى، وهي لا تخرج بالطبع عن الإطار المعروف، حيث يقتصر نشاطها على بث الأغاني وتلقي الاتصالات وإذاعة الإعلانات، فضلاً عن المهمة الكبرى في إثبات الانفتاح السوري تجاه الإعلام الخاص وغير الرسمي!

بعد هذه الجولة السريعة على مظاهر الإعلام غير الرسمي في سورية، وخصوصاً في ظل حركة الإصلاح المزعومة والتي مضى عليها نحو خمس سنوات حتى الآن، يمكن لنا أن نجمل بعض الملامح الرئيسة لهذا الإعلام في النقاط التالية:

1-     يلاحظ أن الانفلات الأخلاقي السائد في الإعلام السوري لم يتبع منهج التدريج كما هو الحال في الدول العربية الأخرى، على الرغم مما هو شائع من أن المجتمع السوري مجتمع محافظ، فما أن فُتح الباب أمام المستثمرين والمنتفعين حتى أخرجوا كل ما في جعبتهم من حقد على الإسلام ونشر للمفاهيم الغربية وانحلال من كل الأعراف والتقاليد بدون أية قيود، متذرعين بحجتين هما: الأولى هي أن الانفتاح الإعلامي الذي جاء متأخراً قد بدأ فعلا في فترة تشهد انحلالاً أخلاقياً مشابهاً في بقية الدول العربية، فالمراحل التي مرت بها بقية الصحف العربية تعود في الأصل إلى ضرورة مسايرة الجو العام الذي نشأت فيه، أما الحجة الثانية والأهم فهي الصمت الشعبي المخزي والذي لا مثيل له في أي مجتمع عربي آخر، إذ يبدو للمتأمل أن المجتمع السوري "المحافظ" عاجز تماماً عن اتخاذ أي ردة فعل تجاه هذا الضخ الإعلامي الذي لا يخفي أهدافه وتوجهاته، وكأنه مغلوب على أمره!

2-     تتفق المؤسسات الصحفية السورية اليوم على اتباع منهج واضح مرسوم المعالم لبث رسالتها، وهو المنهج الإعلامي الدعائي المعروف في معظم دول العالم والقائم على قاعدة الابتعاد عن المبادئ والبحث في التفاصيل الصغيرة، فالقارئ لن يجد في معظم هذه المطبوعات أي نقاش موضوعي للأحكام والعقائد الإسلامية أو للتقاليد التي تعارف عليها المجتمع، بل تراه ينفد مباشرة إلى النتائج والمظاهر ويبدأ بطرح الاستبيانات بين أفراد الشعب السوري ذي الأغلبية المسلمة ليسأل بصراحة عن رأيهم في تطبيق ما جاء في القرآن بحق المرأة، وكأنه موضوع نقاش قابل للأخذ والرد.

3-     الغياب التام للدور الأول لأي وسيلة إعلامية يفترض أنها تنضوي تحت لواء السلطة الرابعة (الصحافة)، حيث يرتبط وجود الصحافة في أي دولة ذات هامش مقبول من الحرية بسلطة تقصي الأخطاء ومحاسبة الفاسدين ودعم عمليات الإصلاح على كافة الصُعد، أما الإعلام السوري الخاص فلا يكاد يتخلف قيد أنملة عن الإعلام الرسمي في استرضاء السلطة والدعاية لها، وبدلا من أن يحمل هؤلاء الإعلاميون على عاتقهم مسئولية الإصلاح الذي بات أكثر ضرورة من أي وقت مضى، نجد أن اللغة السياسية الوحيدة هي في كيل النقد لكل أعداء سورية، والذين يتسعون في نظر السلطة إلى معظم سكان الأرض، لتتحول الصحافة بذلك إلى مجال واسع للمزايدة والتنافس في ترديد الشعارات الوطنية سعياً لكسب النصيب الأكبر من رضا السلطة.

4-     باستثناء الصحافة المتخصصة كالطبية والبيئية والتكنولوجية والهندسية.. إلخ، فإن الهدف الأول للصحافة الحرة في سورية يكاد ينحصر في نشر الثقافة العلمانية بكل الوسائل الممكنة، وإحلال الليبرالية كبديل عن الأخلاق الإسلامية التي درج عليها المجتمع السوري منذ قرون، وإلصاق كافة تهم التخلف بما يسمى بالتيار الإسلامي، وهو تيار وهمي لا وجود له في سورية، علماً بأنها الدولة الوحيدة في العالم التي ما زالت تطبق قانون الطوارئ الذي يحكم بالإعدام على كل من يثبت انتسابه إلى جماعة الإخوان المسلمين.

5-     بالرغم من غياب الوجود الحركي لأي نشاط إسلامي يذكر في سورية، فإن الإعلام العلماني السوري لا يتوانى عن صب نقمته على أي مؤشر بسيط للتدين في المجتمع السوري، فتراه يبحث عن تفاصيل تافهة لا تتعدى وجود بعض المحجبات- أياً كان شكل حجابهن- في الجامعات، أو لصاقة صغيرة في مكتب سفريات يتحدث عن عذاب تارك الصلاة، أو امتناع إحدى المقاهي عن تقديم الخمور بعد توالي شكاوى سكان الحي المسلمين مئة بالمئة، أو حتى ظهور رجل يطيل لحيته ويقصر ثوبه على قارعة الطريق في قرية نائية، إذ تشكل هذه الأمثلة في نظر المثقفين السوريين مؤشرات خطيرة على صعود التيار الأصولي "الوهابي"، ويتم حشد كافة الوسائل الممكنة لاستجداء قوى التنوير الطليعية للتصدي لها قبل استفحالها، ولعل الملفت للنظر في هذه الحالة السورية الخاصة هو السير على خطى الإعلام العلماني الذي سبق إليه مثقفو الدول العربية الأخرى، والذي يمكن تفهم الكثير من دوافعه في ظل الصعود الحقيقي للتيار الإسلامي الذي يتزايد نفوذه في أوساط الشعب يوماً بعد يوم في تلك الدول، وهو أمر غير مفهوم في دولة تحكم بالإعدام على معارضيها، وتتكتم حتى الآن على مصير نحو خمسة عشر ألفاً من المعتقلين في سجونها منذ عشرات السنين، فضلاً عن الخمول العام الذي يهيمن على المجتمع السوري مقارنة بما يجري في المجتمعات العربية الأخرى.

6-     إزاء الانحطاط الإعلامي الطاغي في عالم الفضائيات والإذاعات والمطبوعات في مختلف الدول العربية، لم يتوان القائمون على الإعلام الرسمي السوري- والذي كان أكثر احتشاماً من أمثاله في دول عربية أخرى- عن ركوب هذه الموجة، حتى أن القناة الأولى للتلفزيون السوري انضمت إلى القنوات التي تبث أغاني الفيديو كليب مع رسائل sms التي تنشر في شريط على طول الشاشة لمدة ساعتين قبل موعد الافتتاح من كل يوم، فقد كانت هذه المدة مخصصة من قبل للاندماج مع الإذاعة الرسمية وبث الأغاني الكلاسيكية، ولكن إغراء المادة لم يسلم منه حتى التلفزيون الرسمي، بل إن تقليعة الميوعة التي تسعى من خلالها المذيعات ومقدمات البرامج إلى التقليد السافر لزميلاتهن اللبنانيات أصبح أشبه بالمهزلة التي أشبعها الكثير من المثقفين نقداً على صفحات الصحافة الرسمية، وهي لا تخرج عن ظاهرة الانصياع للاحتلال اللبناني للإعلام العربي عموماً، والتي باتت شرطاً لنجاح أي وسيلة إعلامية رخيصة.

7-     يحتل الليبراليون والعلمانيون قطاع الإنتاج الفني السوري أيضاً، ولا شك في أن الأعمال الدرامية السورية تلقى قبولاً ملفتاً في الفضائيات العربية، وهي أعمال تقصر اهتمامها على نشر الثقافة الليبرالية، بل ومعالجة كافة مشكلات المجتمع من خلال هذه النظرة الضيقة، فبعد أن اقتصرت نظرتها إلى المجتمع السوري على اعتباره مجتمعاً علمانياً لادينياً، امتدت جرأتها اليوم لتقحم الشريحة المتدينة من هذا المجتمع لغرض واحد فقط وهو النقد، إذ لا تُقدم الفتاة السورية في القصة على أنها محجبة- وهي كذلك غالباً على أرض الواقع- وكأنه لا حق لها في الوجود، وإنما يتم تقديمها وفق صورتين لا ثالث لهما: إما أن تكون سافرة ومتحررة وتعيش في وسط ليبرالي يقبل العلاقات بين الجنسين بكل رحابة صدر، وإما أن تكون محجبة ومكللة بأحمال التخلف الذي يقصم ظهرها.

العجيب في الأمر هو أن معظم المسلسلات السورية تغض الطرف عن الكثير من الوقائع في سبيل تحقيق غايتها، إذ يتم تصوير العائلات التي تسكن في أحياء متواضعة ومحافظة على أنها متحررة تماماً من كل التقاليد التي تكون شائعة في ذلك الوسط، وكأن القائمين على هذه الأعمال يعيشون في عزلة تامة عن مجتمعهم الذي يسعون لتمثيله، ولا يستثنى من ذلك إلا العمل الذي ينصب اهتمامه أصلاً على تناول قضية الحجاب.

8-     خلاصة القول: يجب تحميل أقطاب النظام السوري المتحالفين مع رجال الأعمال ومثقفي الحداثة والعلمانية بكافة تشكلاتها مسئولية الانحطاط السياسي والأخلاقي الذي بات ينتشر في المجتمع السوري كانتشار النار في الهشيم، وخصوصاً في العامين الأخيرين، حيث تنشط منظمات مدنية ودور نشر ومؤسسات إعلامية لبث الثقافة العلمانية والليبرالية في تحد سافر للقاعدة الإسلامية الشعبية، بل إن بعض هذه المؤسسات يعمل بتمويل أجبني مكشوف مثل دار إيمار التي تتلقى تمويلها من منظمات هولندية مثلNederlands Literair Produktie En Vertalingen Fonds وأيضا Pax Christi Nederland، إلى جانب ما يسمى بمنظمات المجتمع المدني التي لم تكن مألوفة في الوسط السوري مثل منظمة نساء سورية وجمعية المبادرة الاجتماعية، وهي تعمل بدعم ومباركة من السيدة الأولى أسماء الأسد التي نشأت في بريطانيا ويترأس والدها مجلس الصداقة السورية البريطانية، حيث يتم من خلال هذه المنظمات بث الثقافة الليبرالية بين المجتمع عبر الاستبيانات والمؤتمرات والفعاليات الرياضية والمجلات ومواقع الإنترنت، ويكفي القول بأنها الوحيدة الموجودة على الساحة اليوم، حيث يحظر على الصوت الإسلامي التواجد فضلاً عن الاعتراض، ولعل في اعتقال ثمانين شاباً من المهتمين بأنشطة (صناع الحياة) باللاذقية خير مثال على الخلفية التي يستند إليها النظام في النظر إلى العمل التطوعي والنشاط الخيري الاجتماعي، مع أن نشاط صناع الحياة لا يخفى أثره الإيجابي والنظيف على أحد! بالمقارنة على الأقل مع النشاط الذي تُفرد له الصحف وتُفتح له قاعات الاحتفال في مكتبة الأسد والمنتدى الاجتماعي وقصر الأمويين للمؤتمرات.

كانت هذه مجرد جولة سريعة في عالم الإعلام غير الرسمي الذي يتحمل الشعب السوري منّة وجوده اليوم، فهو لا يكتفي بإقصاء آرائهم وتكميم أفواههم، بل ويسعى أيضاً إلى تدمير قيمهم وأخلاقهم، ويعبث بمقدساتهم دون رادع أو اعتراض، والأمل ما زال معقوداً على المثقفين السوريين الشرفاء للنزول إلى الساحة، وإثبات وجودهم بدلاً من الاكتفاء بالصمت والتذرع بآلة القمع والتنكيل.




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home