القلم السياسي

 

حماس والمسؤوليات الثقيلة

سوسن البرغوثي



 

حماس والمسؤوليات الثقيلة

 

سوسن البرغوتي

 

رغم أن الانتخابات التشريعية في ظروف احتلال الأرض الفلسطينية تفتقر إلى استقلالية السيادة، إلا أن احتكار القرار السياسي في السلطة الفلسطينية في المرحلة السابقة وما تأتى عنه من إبرام اتفاقيات التسوية وتنازل صاحب الحق عن كثير من حقوقه، والفلتان الأمني، والفساد، كلها كانت أسباباً قويةً لإعلان إرادة شعبية من خلال الانتخابات ممثلة في مواطني الضفة وقطاع غزة للتغيير، ورسالة واضحة من الشعب "مصدر السلطات" تدعو إلى التمسّك بالثوابت الوطنية الفلسطينية.

لم يأتِ هذا التأييد من فراغ، بل جاء نتيجة حتمية لحالة التسيّب والفوضى في ترتيب البيت الفلسطيني، وفي إمعان "الفسادويون" بممارسة القمع، والتغاضي عما تواصل فعله "إسرائيل" في بناء المزيد من المستوطنات، وفي القتل والأسر والتعذيب وبناء جدار الفصل بادعاء أنهم متمسكين باتفاقية احتضرت قبل أن ترى النور ملخّصها التفريط بالكيان العربي بأكمله. تلك الاتفاقية الجيفة التي اعتبرتها السلطة مرجعية لعملية "السلام".

لم يحقق المجلس التشريعي الفلسطيني خلال عشرة أعوام أي منجز في التقصي عن الحقائق أو في سرقة وضياع إرث الشعب الفلسطيني، بل بقي في حالة التجمد التابعة لسلطة أوسلو، متجاهلا مسؤولية موقعه الوطني في المحاسبة والرقابة. وقد ترتب عن ذلك السلوك تقوية نزعة الاستسلام لإخضاع منظمة التحرير الفلسطينية لقبول تفاوض على قاعدة الفساد، وإلى تفكك كوادرها وهيكليتها كونها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج.

لقد عبّرت أصوات جماهير الشعب الفلسطيني بالأمس وبحريّة كاملة عن أمانيها بتتويج حماس لتحمل مسؤولية وهموم المرحلة القادمة واستحقاقاتها، خاصة بعد سقوط التعاطي في المرحلة السابقة بأن القضية الفلسطينية قضية وجود ومصير.

هذا الحدث يفرض على حركة فتح أن تعيد تنظيم البيت الفتحاوي، وليس بموقف سلبي بالتخلي عن المشاركة في إدارة مما يساهم في الضغط على حركة حماس لتجريدها من أسلحتها.

بين الفرحة والذهول في نجاح حركة حماس لتسيير أعمال الحكومة، تبدو اللعبة غير بريئة...! فبالرغم من مبايعة الشعب الفلسطيني لمن يمثّل صوته وطموحاته، والتبدّل المفاجئ بالأدوار وكأنه انقلاب سلمي، تأتي تصريحات الرئيس الفلسطيني بالإصرار على  ضرورة اعتماد الحكومة الجديدة سياسة أوسلو..! وكذلك تصريحات كوندليزا رايس بأن على حماس أن تنبذ الإرهاب، فقد بات الأمر ضغطاً مباشراً على حركة المقاومة الفلسطينية.

القضية لا تكمن بالانحياز لحركة دون أخرى، ولكن بناءاً على منجزات وواقع على أرض تلك الحركة، فقد استفحل داء الاستفراد بالسلطة وفقدان التوازن الطبيعي الذي يخلق الجو الصحي لإعادة النظر في أولويات استحقاقات القضية الفلسطينية، ومدى تأثير تداعيها على الوضع العربي بأكمله.

إن بقي الحال على ما كان عليه بالأمس، ومن غير أي إصلاح على مستوى المؤسسات الوطنية، ولا تراجع عن الخلل الواضح في القيادة الفلسطينية دون متابعة ومراجعة، وموقف السلطة تجاه الجدار العازل والتمدد السرطاني للمستوطنات، وفي مجمل مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية فكيف يمكن أن ندعو بعدها إلى التغيير السلمي الشعبي..؟ إنها مظاهرة شعبية تعلن انتفاضة سلمية بعد نفاذ الصبر نتيجة حتمية لممارسات القمع والاستهتار بالأمور المصيرية التي بذل الشعب الفلسطيني لتحقيقها كل غال وخلال أكثر من نصف قرن..

بعيداً عن التنظير السياسي فإن صوت الشعب الفلسطيني هو البناء الحقيقي لحقه في ظل الاحتلال، فهو شعب يعيش وسط ضغوطات لا تطاق من الجانبين. وهي ليست فنتازيا سياسية بقدر ما هي ضرورة حتمية شرط أن لا تدخل في بنية السلطة وتتبع لقراراتها، وأن تكون المقاومة على رأس أجندتها.

لهذا فإن الاختيار الحرّ  للمظلومين والمكبلين بقيود الاحتلال البغيض قد يكون مرآةً لمقولة غاندي "خير لي أنا أكون عبداً أطالب بحريتي، على أن أكون حراً أُعامل كالعبيد".

لكل مرحلة نضالية أدواتها ووسائلها في التعاطي مع المستجدات المستحدثة على الساحة، بتراكم النتائج وفي التضحيات المقدمة، لتصبح هذه المرحلة نتيجة لما سبق، ومسلمات لمرحلة قادمة تبني عليها ولا تهدم نموذجاً حراً لرؤيةٍ تحريرية شاملة. وبعيداً عن المهاترات والاستفزازات فإن حماس تمثل إرادة الشارع الفلسطيني، ولها أيادٍ خضراء على الكثير من العائلات الفلسطينية على المستوى الاجتماعي، في حين أن "المتنفذين" استأثروا بأموال الشعب الفلسطيني لزيادة أرصدتهم.

إن حركة حماس اليوم أمام اختبار صعب في أن لا تناقض مسيرتها التي أوصلتها إلى مركز القرار الفلسطيني لأنها تمثّل إرادة الشعب الفلسطيني بالدخول في دهاليز سياسة التفاوض مع العدو، بأن تعمل على ترتيب وتنظيف البيت الفلسطيني من إساءات الماضي. 

إن التغيير والإصلاح مطلبان وطنيان، والمعترض الوحيد لإعادة النظر في الممارسات العبثية هو المستفيد من حالة الفوضى، وقد بدأت الأصوات المفلسة منذ الساعات الأولى تدعو إلى العودة إلى منظمة التحرير التي طالها التعفن السلطوي والتزاحم على المناصب وتجاهلت مهام المسؤولية وقد ُقلّمت أظافرها في عهد التسوية العلنية، وكتمت صوت الشعب الفلسطيني في الشتات، ولم يعد يسمع غير تصريحات وشعارات نارية فارغة من مضامينها، دون تحقيق أي تطوير لإعادة القضية الفلسطينية وإحياء ميثاق المجلس الوطني قبل تعديله من الرماد.

إن احتفال شعبنا الفلسطيني هو انتصار لصوته المخنوق لسنين مضت، مصمماً على اختيار المقاومة القوية التي فرضت انسحاب "إسرائيل" من غزة جزئياً بسبب ما تكبدته من خسائر. فالعدو لا يلتفت لطرف ضعيف يستجدي، إنما يفكر ألف مرة أمام مقاومة مسلحة.

إن المد الجماهيري يستقطب الإخلاص والانسجام التام مع مطالبه، وتتجه بوصلته إلى تنظيم الصفوف ورصها تحت مظلة المطالبة الشرعية بحقه باسترداد أرضه وكرامته، وظهوره لا يعني إلا تأكيده على المطالبة السلمية وفق أجندته الوطنية لمواجهة الفساد ورموزه. فإن تحققت عودة النضال بشكل يرتضيه، استمر يجبّ كل اتفاقيات المهانة، وإلا فالغضب والطوفان سيكون ببركان انتفاضة مسلحة، أقوى وأشد من الانتفاضتين. وسيخرج من بين صفوفه ومن باطن الأرض من يعلن أن لا خيار إلا المقاومة.

إن الدور المطلوب الآن من الشارع الفلسطيني والعربي هو تشكيل خط دفاع لا يقل أهمية  بالإصرار على الثوابت الوطنية . كما أن دور الجبهات الفلسطينية والعربية الآن يتطلب أكثر من استحقاق لدفع عجلة تجسيد مرحلة جديدة من النضال في سبيل التغيير والإصلاح دون التفريط بالبرنامج السياسي المقدم من حماس.

 مسؤوليات كثيرة، وأعباء حاسمة وثقيلة تضع حركة حماس على المحك، بين تقديم برنامج مقاوم، ودخولها دهاليز السياسة، وبين احتمالات ترويضها كوجه جديد للحكومة الفلسطينية المحلية..

 

 




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home