القلم السياسي

 

الفيلق المدني

د.فضل طلال العامري



          الفيلق المدني.... وشركات الأمن الخاص في العراق

د.فضل طلال العامري

ftaali@yahoo.com

بعد أن عجزت الإدارة الأمريكية عن إثبات حجتها للحرب على العراق والتي ساقتها للشعب الأمريكي والرأي العام العالمي بامتلاك العراق لأسلحة دمار شامل.  وبعد أن عجزت كذلك عن إثبات أي علاقة لنظام صدام حسين مع تنظيم القاعدة، وهو مبررها الآخر لتهديد العراق للأمن القومي الأمريكي، وبعد أن خسرت آلا ف من أبنائها في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل....  بعد كل هذا لا زالت الإدارة الأمريكية مستمرة في تضليل الشعب الأمريكي ، والغريب إن قسم كبير من هذا الشعب لا زال يستقبل هذا التضليل برضا تام  حتى بعد أن تكشفت أمامه الحقائق في كذب الإدارة الأمريكية في مبرراتها المعلنة للحرب على العراق ، بل وان تحقيقات أمريكية في الإدارة ذاتها أكدت أن المخابرات الأمريكية قدمت للرئيس الأمريكي معلومات مظللة وغير صحيحة عن العراق من اجل شن الحرب عليه ، تنفيذا لرغبة المحافظين الجدد الذين كانوا يعتقدون أن هناك خطراً كبيراً من القوة العراقية على إسرائيل . وفي هذا السياق قال الرئيس بوش في طلبه الزيادة المالية لتغطية نفقات الحرب في العراق "بصفتي القائد الأعلى للقوات المسلحة فإن أولوياتي القصوى هي أمن البلاد وستستثمر ميزانيتي المقترحة موارد هائلة لشن الحرب الكونية ضد الإرهاب".

ما إن حل عام  2008 حتى بلغت كلفة الحرب التي قامت بها إدارة الرئيس بوش على العراق تحت مظلة مكافحة الإرهاب حوالي 525 مليار دولار. وبالطبع كان الجزء الأكبر من هذه الفاتورة قد تم صرفه من قبل وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) لتمويل عملياتها العسكرية في العراق وأفغانستان، وليس لإعادة الأعمار كما يقال بين الحين والآخر.

الحقيقة التي تغيب عن أذهان الكثير من الناس إن الاقتصاد الأمريكي تزداد  حدة تباطؤه يوما بعد، وان الديون الخارجية الأمريكية المتراكمة قد  تعدت 3000 مليار،  وهذا ما يجعل الولايات المتحدة الدولة الأكبر مديونية في العالم،  كما إنها وبفعل سياسة الاستعداء مع دول عديدة في العالم هي الدولة الأكثر عرضة للهزات المالية.

أمريكا شنت حربها في منطقة الشرق الأوسط لأهداف ومرامي هي غير تهديد الأمن القومي الأمريكي من قبل العراق وأفغانستان بكل تأكيد،لان الدولتين ببساطة ليس لديهما القدرة على تهديد أحد  فهما متهالكتان.

 

لكن السؤال الذي يجب أن يطرح، من هم وقود هذه الحرب ؟ ولماذا ؟

الحقيقة أن وقود الحرب في العراق هم المدنيين العراقيين الأبرياء، ومن الجانب الأمريكي هم الجنود المرتزقة، وهو ما تسميه أمريكا (الفيلق المدني) الذي يجب أن يعمل مثل الاحتياطي العسكري، للتخفيف عن القوات المسلحة في الخارج،  وقد قالت صحيفة لوس أنجلوس تايمز الأمريكية عن هذا الفيلق إنهم مرتزقة مدربين تدريبا عاليا، تستعين بهم الإدارة الأمريكية منذ زمن دون أن تعلن عن ذلك، وهم يتبعون لشركة عسكرية خاصة مقرها كارولينا الشمالية واسمها "بلاك ووتر" يملكها الملياردير الأمريكي المحافظ (ايرك برنس ) الذي يملك جيشا خاصا يتواجد معظمه الآن في العراق ، وسبق أن تردد اسم هذه الشركة في العناوين الرئيسية للصحف الأمريكية في أوائل عام 2004 عندما وقع أربعة من أفرادها في كمين في الفلوجة غرب العراق وأثيرت في حينها ضجة حول الطريقة التي قتلوا فيها. ويذكر أن عدد هؤلاء المرتزقة في العراق يبلغ حوالي مائة ألف أو يزيد، منهم 48 ألفا يعملون كجنود، والباقي في الحراسات الخاصة للأفراد والمؤسسات، وغالبية هؤلاء هم من طالبي الجنسية الأمريكية، أو ممن ينتظرون الحصول عليها، وهم  ممن يعني لهم الألف دولار الذي يحصلون عليه يوميا الشيء الكثير. والمشكلة بالنسبة الى هؤلاء أنهم إذا أراد الله ونجوا من القتل فسوف يتحقق حلمهم بالحصول على الجنسية الأمريكية   أما إذا هلكوا وهذا ما نود الإشارة إليه فلن يسأل عنهم أحد، ولن يستطيع أهلهم أن يفعلوا شيئاً من اجلهم في بلد الديمقراطية. وهذا ما يفسر قول الكثير من المتابعين للحرب الأمريكية في العراق بأن خسائر أمريكا في العراق هي أكثر بكثير من الرقم المعلن وهو أكثر من(4000) قتيلاً ، إذ أن هذا الرقم كما يقال هو للأمريكيين ممن يحملون الجنسية، أما ما عدا ذلك فهم هؤلاء الذين تحدثنا عنهم (الفيلق المدني) .

وتجدر الإشارة هنا الى أن صحيفة لوس انجلوس تايمز كانت قد تحدثت عن خصخصة الحرب الأمريكية في العراق،  في إشارة الى إن الخارجية الأمريكية  وقعت عقد بقيمة 300 مليون دولار مع شركة "بلاك ووتر" للقيام بحراسة الحاكم المدني الأمريكي السابق للعراق بول بريمر والسفير الأمريكي السابق في بغداد زلماي خليل زادة والمعين حاليا كمندوب دائم لبلاده في الامم المتحدة.

 

 

لا أحد يعرف من هم هؤلاء الذين يأتون من كل مكان من العالم الى العراق وما عددهم بالضبط...  يقولون أن مهمتهم الأساسية هي تقديم خدمات أمنية لكنهم في الواقع وكما يؤكد العامة من العراقيين، إنهم ينفذون الاغتيالات ويتاجرون بالمخدرات.

وتجدر الإشارة هنا الى إن من نتحدث عنهم محميون من قبل الولايات المتحدة الدولة المحتلة، حيث صدر عن الحاكم المدني السابق للعراق بول بريمر القرار رقم 17 الذي نص على أن يكون للمتعاقدين الأمنيين الحصانة من الإجراءات القانونية العراقية في ما يتعلق بالأعمال التي يقومون بها بموجب شروط عقد مباشر أو غير مباشر، ولذلك لم تتم محاسبتهم رغم الإعلان عن ذلك ، حينما قتلوا ثمانية عشرمدنياً عراقياً في مطلع عام 2007 في ساحة النسور في بغداد، بل وتم مكافأتهم بتجديد عقد الشركة لمدة سنة أخرى.

ذكرت صحيفة السفير اللبنانية عن مصادر موثوقة إن الشركات الأمنية العاملة في العراق، وبحسب مدير عام رابطة شركات الأمن الخاصة أندرو بيريارك، يبلغ عددها المئات، وهي تمثل عشرات أضعاف ما كانت عليه إبان فترة حرب الخليج الثانية. وبهذا الصدد  ذكر تقرير مكتب المحاسبة الحكومية الأميركية أن هناك أكثر من( 100) ألف متعهد في العراق يعملون دون أي مراقبة أو قيود قانونية. وقد أكدت الأمم المتحدة ذلك في تقرير أصدرته مؤخرا، اعتبرت فيه أن هؤلاء المرتزقة أصبحوا يشكلون القوة العسكرية الثانية بعد الجنود النظاميين الأميركيين. وأضاف التقرير بان هؤلاء المجندين المدنيين يبلغ عددهم أربعة أضعاف الجنود الأمريكيين. كما ذكرت مجموعة العمل التابعة للأمم المتحدة أن 160 شركة أمنية في العراق على الأقل تعاقدت مع حوالي 30 -50 ألف رجل اغلبهم من أمريكا اللاتينية للقيام بمهمات أمنية محفوفة بالمخاطر في العراق.

تذكر المصادر المطلعة أن عملية التعاقد مع الشركات الأمنية تخضع الى سلسلة من الخطوات، أولها تعاقد هذه الشركات مع البنتاغون، ثم تقوم  شركات الحماية الأمنية بدورها بتكليف وكلاء ثانويين لتجنيد أشخاص تتم مقابلتهم ويدربون من قبل شركات متخصصة قبل نقلهم إلى العراق، ومن أهم شروط التعاقد موافقة المجند على التخلي عن حق الحياة.

ويتقاضى القادة من هؤلاء ما بين 1000 - 1500 دولار في اليوم الواحد أما المجند العادي فيتقاضى ما بين 300 - 500 دولار في اليوم، وقد يصل أجره اليومي في حال التعاقدات قصيرة الأمد أو المهمات في المناطق الصعبة إلى 1000 دولار يوميا.

يؤدي هؤلاء  مهمات مختلفة ، منها انتزاع الاعترافات من العراقيين باستخدام أنواع التعذيب، أو حماية الشخصيات العراقية والأجنبية المهمة أو تنفيذ اغتيالات ضد شخصيات معينة، أو تقديم خدمات قتالية مساندة الى جيش الاحتلال في الأماكن الساخنة.

 يعتقد الكثير من المراقبين أن هذه الشركات ساهمت بشكل مباشر في انهيار الأمن في العراق، بسبب تورطها في جرائم مختلفة. كالقيام بعمليات الاغتيال المتبادلة بين المذاهب والقوى العراقية المختلفة من اجل إشاعة الفرقة، كما يشتبه بان هؤلاء وراء المجازر التي تقيد ضد مجهول وتنسب للمقاومة العراقية أو للقاعدة.

ومن ابرز شركات الأمن الخاصة، الشركات البريطانية مثل (ريسك إستراتيجي غلو بال) ، التي تقوم بتأمين مقرات سلطات الاحتلال. و( شركة اجيس للخدمات الدفاعية) التي تقوم بدور التنسيق بين شركات ألأمن خاصة  التي تعمل في العراق. وهناك الشركات الأمريكية مثل (شوفان) و(هاليبرتون) و(واكنهات) و(بلاك ووتر يو أس إيه) . وهناك شركة من جنوب أفريقيا هي(ميتي يوريك تاكتيكيل سوليوشنز) الخاصة بحماية السفارات.

وتشير التقديرات الأولية الى إن هذه الشركات تحصل على أموال طائلة وبهذا الصدد قال مدير شركة جان وسيان الأمنية البريطانية، ديفيد كلاريدج في تصريحات صحفية أن الشركات البريطانية لوحدها حققت حوالي المليار ونصف المليار دولار أرباحا بعد عام ونصف عام فقط من غزو العراق.

وخلف هذه الواجهات يقتل أبناء العراق وتهدر ثروتهم، وتغذى النعرة الطائفية والاثنية، ويُغدر الأبرياء لتأصيل الأحقاد، كي يبقى العراق في فوضى دائمة وفرقة ووهن اقتصادي، ويحتاج الوجود الأجنبي باستمرار ذلك خوفاً من الحرب الأهلية المزعومة.

ولا ننسى هنا أن نذكر أن المهنة الرائجة اليوم في العراق هي أن تعمل في أفراد الحمايات الخاصة، فالمسئولين العراقيين من مستوى رئيس قسم فاعل وحتى رئيس الجمهورية لديهم حمايات، وإعداد هذه الحمايات غفيرة لدى الوزراء والوكلاء وأعضاء مجلس النواب والقيادات الحزبية والسياسية وما أكثر عددهم، ويقدر عدد العاملين في هذه الحمايات بأكثر من مليوني شخص.

هذا هو قدر العراق.. تختزل كل المهن الشريفة بالحمايات الأمنية والشركات الأمنية، وما عدى ذلك بطالة.

 

 

 

 

 

 




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home