القلم السياسي

 

خمس سنوات احتلال ... خمس سنوات من التضليل والكذب

زياد ابوشاويش



خمس سنوات احتلال ... خمس سنوات من التضليل والكذب

بقلم : زياد ابوشاويش

يصادف يوم التاسع من نيسان ابريل هذا العام الذكرى الخامسة لسقوط بغداد بيد الغزاة الأمريكيين وهي ذات المناسبة لسقوط  الذرائع والأكاذيب التي سيقت لتبرير الغزو ، وبمعنى أكثر دقة هي مناسبة السقوط الأخلاقي للولايات المتحدة الأمريكية بقبولها هذا السلوك الهمجي لإدارتها وهي تعلم يقيناً خطأ وكذب كل المبررات التي عممتها هذه الإدارة في داخل أمريكا وعلى العالم كله من أجل تصوير مغلوط وفاضح لقرصنة حاولت هذه الإدارة أن تلبسها ثوب العفة والحرية والعمل الإنساني . ولذلك فإنها مناسبة للعمل الجاد من أجل كشف كل هذه الأضاليل وتعرية أصحابها والعمل لتحرير العراق ومنع تكرار مثل هذا العمل المنافي لكل الشرائع والقوانين والأخلاق .

الغزو وما قام به تدميراً وقتلاً وإذلالاً لشعبنا العراقي قد فعل ذات الأمر بهؤلاء الغزاة حين افتضح أمرهم فما كان منهم سوى اللجوء لمزيد من الكذب والخداع للتغطية على حجم الجريمة التي ارتكبوها باحتلال بلد عربي كالعراق وتدمير مقدراته الاقتصادية والبشرية والعلمية وحتى الحضارية عبر سياسة ممنهجة وخطوات مدروسة ظهرت في كل خطوة قام بها الاحتلال على مدار السنوات الخمس المنصرمة ، بدءً من حل الجيش العراقي و حظر نشاط حزب البعث العربي الاشتراكي هناك مروراً بقتل العلماء وتدمير المتحف الوطني ونهبه، وانتهاءً بتقسيمه إلى دويلات طائفية تحت عنوان الفدرالية وتسعير التناقضات ، وغير ذلك في عشرات الإجراءات والممارسات التي استهدفت القضاء على قوة عربية ذات وزن هام في معادلة الصراع العربي الصهيوني خدمة لإسرائيل ودرءً لخطر القوة العراقية المتنامية .

لقد جهدت سلطات الاحتلال في تسويق نفسها باعتبارها قوة خير وحرية للشعب العراقي بطريقة ممجوجة ولا تنطلي على أحد ، لأن قوة احتلال غاشم لا يمكن أن تتحول عبر الدعاية أياً تكن وسائلها إلى قوة خيرة تقدم الحرية والتقدم للشعب المحتل ، وقد شاهد العالم بأم العين كيف انكشف كذب هؤلاء في معاملة الأسرى والمعتقلين العراقيين من المجاهدين والمقاومين سواء في سجن أبو غريب أو غيره من السجون الأخرى ناهيك عن المعاملة الوحشية والاعتداء على الأعراض وانتهاك الحرمات للقيام بإجراءات روتينية يمكن القيام بها بشكل مختلف تماماً لو كان هناك ولو نسبة بسيطة من الصدق في ادعاءات هذه السلطات والتي فرضت بالحديد والنار على الشعب العراقي الشقيق . كما قامت قوات الغزو بقصف غير مبرر عشرات المرات لمدن وقرى عراقية بعد إعلان الرئيس الأمريكي عن انتهاء العمليات القتالية وتحقيق النصر المزعوم ، وهو ما أوضح بجلاء كذب الإدارة الأمريكية في هذا الأمر كما في مبررات الغزو . وربما لو كان القصف بالمدفعية فقط أو بالدبابات فقط لما انكشفت الأمور على حقيقتها ، أما أن يشمل القصف كل الأسلحة بما فيها الطيران الحربي فان ذلك يكشف كل شيء ويعري هذه الإدارة تماماً .

وفي سياق المزاعم والأكاذيب حاولت هذه الإدارة ومنذ بداية غزوتها الفاشلة للعراق تبرير هزائمها وانحسار قدرتها على السيطرة عبر اتهام دول الجوار وعلى وجه الخصوص سوريا بأنها تقف وراء المقاومة وتدعمها ... إلى آخر المزاعم التي باتت مكشوفة وغير قابلة للتسويق .

وحتى في مجال الخسائر الناجمة عن حماقتها بغزو العراق فقد استمرت هذه الإدارة في تقديم المعلومات الكاذبة وغير الصحيحة للشعب الأمريكي نفسه سواء كان هذا في عدد القتلى أو الجرحى أو حجم الخسائر في المعدات وغيرها من المؤشرات الدقيقة على دقة ما نقول .

تقول الإدارة الأمريكية على سبيل المثال أن الخسائر البشرية لا تتجاوز أربعة آلاف وأضعاف هذا الرقم من الجرحى ، ولا تقول أن هناك أعداداً أخرى لا يتم احتسابها ممن لا يحملون الجنسية الأمريكية أو من شركات الأمن الخاصة العاملة في العراق والمرتزقة الذين يربو مجموعهم عن عدد الجيش الأمريكي نفسه في العراق ، كما لا تقوم بنشر العدد الدقيق للجرحى والمعوقين من جيشها وكذلك حالات الإعاقة العقلية والنفسية وغير هذا مما خلفته هذه الحرب المجنونة داخل أمريكا ذاتها ولعل الأزمة الخانقة التي يمر بها الاقتصاد الأمريكي وانخفاض سعر الدولار إلى هذا الحد والعجز في ميزان المدفوعات للدولة وغير هذا من مظاهر الخلل يكشف كذب الادعاءات الأمريكية حول نتائج الغزو ومبرراته . ومن الطبيعي أن أي مواطن عربي يتمنى المزيد من الخسائر لهذا العدو الذي لا يرحم ويعمل كل ما بوسعه لخدمة العدو الإسرائيلي ، غير أننا هنا نحاول كشف مسلسل الكذب والخداع الذي تقوم به إدارة بوش الابن منذ ادعائها انتهاء عملياتها في العراق وتقديم كشف متواضع لخسائرها فيه .

إن خمس سنوات مضت منذ سقوط بغداد ، لكنها كانت سنوات النهوض مجدداً لعاصمة العزة والشموخ العربي ، والمقاومة الباسلة التي يخوضها الشعب العراقي في كل مكان من أرض العراق العربي الأبي . إن شريطاً من الذكريات والأحداث العالقة في الذهن تؤكد مصداقية هذه المقاومة وحقيقة بغداد العروبة في تناقض كامل مع زيف المحتل وأكاذيبه المستمرة .

الصدق والأصالة في مواجهة الكذب والتزييف ، العروبة والكرامة ووحدة المجتمع العراقي بكل أطيافه في مواجهة التقسيم ومحاولات الإذلال ، الشجاعة والإقدام وابتداع الجديد والناجح في مقاومة الغزو في مواجهة الذعر والهروب والانحسار وانكشاف هشاشة الأساس الأخلاقي الذي تقوم عليه مؤسسة الجيش الأمريكي وقادته المخادعين .

لقد كرر الرئيس الأمريكي في خطابه الأخير حول غزو العراق أضاليله ورؤيته المزيفة لنتائج هذا الغزو مما أثار سخرية العالم والمراقبين السياسيين والمحللين في أمريكا نفسها .

إن مقارنة بسيطة وأخرى معمقة لكل دعاوى البيت الأبيض حول الدوافع والأهداف من وراء غزو العراق تثبت فشل إدارة بوش والمسوقين لها ، وليس هناك أدل على ذلك من عملية ربط مباشرة بين هذه الأهداف والنتائج المحققة حيث لن نجد أي هدف قد تحقق باستثناء إزاحة الرئيس العراقي السابق صدام حسين من الصورة وهو هدف لا يقدم أي شيء حقيقي للشعب العراقي لأن البديل وحسب رأي الشارع العراقي ذاته ليس أفضل من نظام صدام حسين بل أسوأ بكثير وفي كل الاتجاهات وليس في عنوان واحد .

من المؤكد وعلى ضوء فهمنا لعقلية المحافظين الجدد وكذلك تطور الاتجاه الإمبراطوري في العقلية الأمريكية سواء لدى الجمهوريين أو الديمقراطيين أن هذه الإدارة ومن سيأتي بعدها سيستمر في مسلسل الكذب والخداع لتزييف حقيقة الغزو وما أنتجه من خراب داخل أمريكا سواء على الصعيد الاقتصادي أو الاجتماعي ، لكن درس التاريخ الذي ربما لا يستوعبه هؤلاء بحكم انعدام تاريخ لهم يقول أن الكذب حباله قصيرة ، وأن التحولات الحقيقية في الاتجاه الصاعد للتاريخ لا تبنى على الخداع ولا على احتلال أرض الغير ، كما لا يمكن لعمل همجي وبشع كالغزو الأمريكي للعراق أن ينتج أي قيمة إنسانية ، وليس أمام الولايات المتحدة الأمريكية اليوم سوى الانسحاب من العراق وترك بغداد الرشيد ، بغداد الحضارة والثقافة لأهلها ، وهذا أفضل ما تفعله أمريكا في ذكرى الاحتلال الخامسة ، وتقف أمام ذاتها لترى كم ابتعدت عن تلك القيم والمعاني الإنسانية التي طالما تغنت بها ، وتراجع ذاكرتها التي ثقبها هؤلاء المجانين ممن وضعوا بلدهم في هذا المكان الغريب.

إننا لا نرغب في إثارة عقدة الذنب لدى الشعب الأمريكي لكن عليهم أن يتذكروا أن ابادة الهنود الحمر في بلدهم يجب أن لا تتكرر في أي مكان .

زياد ابوشاويش

Zead51@hotmail.com

 




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home