القلم النقدي

 

وقع في حيص بيص

د. أيمن الصياد



 

وقع في حيص بيص   

                                                         

 

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                     د.أيمن الصــياد 

أستاذ الأدب العربي المساعد بكلية المجتمع

aymanelsayyad@hotmail.com

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

عندما يضطرب الإنسان في أمر من الأمور ، أو يقع في مشكلة ما فسرعان ما يتردد على ألسنة كثيرين عبارة ( وقع في حيص بيص ) ، وفي اللغة وقع في حيص بيص أي في شدة واضطراب ، ولكن العجيب وراء هذا الاسم عندما نعلم أن حيص بيص لم يكن مجرد اسم يُطلق عل حدث ، أو مشكلة ما ، بل إن الاسم اقترن بشاعر من شُعراء العصر العباسي الثاني خلال القرن السادس الهجري ، والشاعر هو " أبو الفوارس شهاب الدين سعد بن محمد بن سعد الصيفي التميمي البغدادي " ينتهي نسبه إلى أكثم حكيم العرب المشهور ، درس الأدب والفقه الشافعي ، ونبغ في دراسة اللغة ، وقد أجمع مترجموه على أن بعض طلاب اللغة قرؤوها عليه، وبخاصة غريب اللغة ، فضلا عن أخذ الشعر عنه .

      والشاعر أبو الفوارس شهاب الدين سعد بن محمد الصيفي ، من الشعراء الذين غلبت ألقابهم أسماءهم ، فعُرف واشتُهر بـ "حيص بيص " فقال عنه الحموي صاحب معجم الأدباء " شهاب الدين أبو الفوارس المعروف بـ حيص بيص الفقيه الأديب الشاعر ، كان من أعلم الناس بأخبار العرب ، ولغاتهم وأشعارهم أخذ عنه أبو سعد السمعاني ، وقرأ عليه ديوان شعره ، وديوان رسائله ،  وأثنى عليه ، وأخذ الناس عنه علما وأدبا كثيرًا ، وكان لا يخاطب أحدًا إلا بكلام مُغرِبٍ ، وإنما قيل له حيص بيص لأنه رأى الناس في أمر شديد ، فقال ما للناس في حيص بيص – أي في شدة واختلاط - ، فبقى عليه هذا اللقب "

وعُرف عن حيص بيص أنه " كان فقيها شافعي المذهب ، تفقه بالرّي على القاضي محمد بن عبد الكريم الوزان – شيخ الشافعية بالري – وتكلم في مسائل الخلاف ، إلا أنه غلب عليه الأدب ، ونظم الشعر وأجاد فيه مع جزالة لفظه ، وله رسائل فصيحة وبليغة 000 ويقال أنه كان فيه تيهٌ وتعاظم ، وكان لا يخاطب أحدا إلا بالكلام العربي 000 وكان يلبس زي العرب ، ويتقلد سيفا "

            ويبدو أن شعر " حيص بيص " وهو في القرن السادس الهجري يُشابه في أسلوبه شعر أولئك الشعراء الذين عاشوا في الجاهلية والإسلام ، وما ذلك إلا رد فعل لما أحدثه عصره في نفسه من نقمة ومرارة ، لغلبة العنصر التركي على كل ما في البلاد من أمور السياسة والاقتصاد ، وما تبع ذلك من إضعاف مركز الخلافة، فوعي الشاعر ذلك كله ، وكان قصارى جهده هو إبراز الشخصية العربية ممثلة في شخصه ، فكان من ذلك عنايته بدراسة اللغة ، والتوسع في معرفة لهجاتها ، والتخصص بها ، حتى أنها كانت تقرأ عليه ، فلا تخلو قصيدة من قصائده إلا وذكر فخره بنفسه وقومه ، بلغة عربية قوية وبليغة مؤثرة ، وما كان ليهاب أحدًا من أولئك السلاطين والأمراء ممن كان يمدحهم ، فلا يتردد في مدائحهم بأن يتغنى بسجاياه الحميدة ، ومفاخر قومه وأمته 0

وكما استطاع الشاعر أن يصنع لنفسه مكانا واضحًا بين شعراء عصره ، بما ملكه من سحر البيان ، وقوة اللغة ، استطاع أيضا أن يكون له – بفضل بيانه ومعرفته بأسرار اللغة – مكانا مميزا في ساحة النثر الفني في عصره ، بل إنه كثيرًا ما وضع عديدا من الكتاب في حيرة شديدة عند محاولاتهم المستمرة في فهم جمله وتراكيبه خلال رسائله الكثيرة ، التي ذكرها السمعاني في ذيل تاريخ بغداد ، وذكر كثيرًا منها العماد الأصبهاني في كتابه خريدة القصر 0

ومن رسائله إلى أمين الدولة بن التلميذ ( الطبيب ) يطلب منه دواء يسمى ( شياف آبـار ) حيث يقول في جزء منها : "أزكنك أيها الطَب اللَب الآسي النطاسي النفيس النقريس أرجنت عندك أم خَنَوَّر ، وسكعت عنك أم هوبر إني مستأخذ شعر في حنادري رطسا ليس كلسب شبوة ، ولا كنخر المِنصحة ، ولا كنكز الخُضب ، بل كسفح الزخيخ ، فأنا من التباشير إلى الغباشير لا أعرف ابن سمير من ابن جمير 000 " *

ـــــــــــــــــــــــــ

 * شياف آبار : دواء للعين ، أزكنك : أعلمك ، الطب : الماهر ، اللب : الرجل اللازم للأمر ، الآسي : الطبيب ، النطاسي : العالم ، النقريس : الطبيب الماهر المدقق ، أرجنت : أقامت ، أم خنور : بقاء النعمة ، سكعت : ذهبت في أرض الله لا تدري أين تأخذ ، مستأخذ : المطأطئ رأسه ، حنادري ، جمع حندورة : حدقة العين ، رطسا : الحجارة فوق بعضها ، اللسب : اللسع ، شبوة : العقرب، النخر : الجرح ، المنصحة : المخيطة ، النكز : الغرز بشيء محدد الطرف ، الخضب : نوع من الحيات ، السفع : اللطم ولفح النار ، الزخيخ : البرق ، التباشير : أول الصبح ، الغباشير : ما بين الليل والنهار، ابن سمير وابن جمير : الليل والنهار  0    

 

وقد أجمعت المصادر التي ترجمت لحياته أن وفاته كانت " في ليلة الأربعاء سادس شعبان سنة أربع وسبعين وخمسمائة ببغداد ، ودفن في الغد في الجانب الغربي في مقابر قريش – رحمه الله – وكان إذا سئل عن عمره يقول : أنا أعيش في الدنيا مجازفة .

 

 

 




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home