مقال

 

غزة بقعة من فردوس الحياة

سامي الأخرس



غزة بقعة من فردوس الحياة

كنت أصحو يوميا الساعة الثامنة صباحا بتكاسل شديد أراوغ في فراشي حتى تدق عقارب الساعة التاسعة ، أتحايل على الوقت وعلى نفسي، وهو طبع الإنسان وعادته في إتباع مقولة " لا أكذب ولكني أتجمل" وأنا عكستها بأنني " لا أتكاسل ولكنني متعب " وهذا للحقيقة عائد لعدة اعتبارات بأن بداية اليوم لن تأتي بجديد فالأرزاق أصبحت شحيحة وهذا ليس نقمة من رب العباد على شخصي ولكنها على بلدٍ بأكمله ، والنقمة طالت كل شيء الأرزاق وراحة البال رغم إنها نقمة بفعل فاعل إلا أن الله يُقدر ويفعل ما يشاء ، مع أن العبد مُخير وليس مُسير ويحدد مصيره بنفسه وبإرادته ضمن ضوابط عقلية أنعم بها الله علي عباده إن صدقوا النوايا وأحسنوا التصرف ، وحتى لا اشطح بعيدا وأخوض في الممنوعات والحديث مع النفس فهناك اعتبارات أخرى، وهي إنني سأضطر أن أقف على قارعة الطريق في جو خماسيني عاصف بالتراب ساعة أو أكثر منتظرا أحد السيارات (عربة) لأستقلها كي أصل مكان عملي والسبب في غاية البساطة وهو أن عدد سيارات غزة يتعدى حسب وجهة نظري الشخصية ومركز الإحصاء التلقائي يفوق عدد سكان غزة ، ولكن العلة في السولار الذي أصبح من النعم الشحيحة العزيزة التي يُنعَم بها علينا ,أصبحت تجد في رياضة المشي وسيلة إجبارية لممارستها مع بعض المتعة المتعبة، والويل لتلك المتعة الشقية إن كان مكان عملك بعيداً حينها ستمني نفسك أن تستنجد بعربة كارلو ذاتية الدفع يقودها " حمار أو حصان أو جحش حتى " إن وجدت لأن البهائم نفسها أصبحت لا تقوى على العمل بما إنها تقع تحت بند الحصار ، ولا تجد الأعلاف الغذائية التي تستطيع من خلالها العمل وعليه قرر أصحاب نقابة البهائم أن يتضامنوا مع العربات ويتركوا للفيفا أن يجرب خطته الرياضية على أهل غزة خاصة وفلسطين عامة.

ارتضينا الحصار رغماً عن أنوفنا وأنوف من لا يعجبه الكلام، والحال لأننا لا نملك أن نغير شيئا سوى الدعاء لله بالفرج القريب والصراخ أين أنتم يا عربان؟! تكثرون الكلام وتقللون من الأفعال!! .

فماذا نفعل ؟! سؤال متحشرج لا تجد له طاقة أو محور ترتكز عليه بالإجابة، فالمقاومة العفية ليست واضحة الملامح، ولا تستطيع الإمساك بخيوطها، تارة تشتد وتهدر وتارة أخرى تخضع لمسكنات التهدئة الغير مباشرة ويصبح الحلال حرام ، والحرام حلال ، وتتفرغ لجمع الضرائب وملاحقة الباعة وأصحاب المحال التجارية وسائقي السيارات لجمع الضرائب لتتمكن من دفع مستلزماتها الوظيفية الجديدة لجيش الموظفين الجدد ، ضرائب من أناس لا يجدون قوت يومهم سبحان المتعال الجبار! أما المفاوضات وزبائنها فهي أصبحت مملة ورتيبة بلا هدف أو عنوان لمجرد الترف والاستعراض يكتنفها رائحة اشمئزاز لا يمكن العيش وسطها أو في مناخها ، فهي دائما لا تملك سوى التسول من دول الاقتصاد لتدفع هي الأخرى رواتب جيش الموظفين في الشطر الآخر .

وما بين المقاومة والمفاوضات وجد المواطن الفلسطيني نفسه يقف على مَحلب كهربائي كالبقرة الحلوب يطلب منه تقديم الضرائب للحكومتين الربانية والكافرة وفق ما أسمع من ألفاظ تلفازيه وإعلامية ، وكذلك يطلب منه أن يقدم الطاعة والولاء والبراء لقيادة الشمال والجنوب والويل له إن أغضب أحدهما فعقابه الحرمان من راتب الشمال أو الوقوف في طابور الانتظار على كشوفات استرحام الجنوب للبطالة كل ست شهور مائة دولار وكابونة إن رضي عنه مسؤول منطقته وأوصى بأنه من الأتباع ، وأشك في حصوله إن لم يعلن البراء والولاء!

ما أجمل صباح فلسطين! وأنت تشاهد أساطيل من العربات تقف كل يوم من صباح الأحد أو السبت أمام محطات الوقود لتحجز لها دور لتتزود بمائة شيكل سولار لا يكفي لعمل يوم ، والسولار الذي أصبح يخضع لأجندة الأثنين والأربعاء فقط واجب حياتي، عليك الالتزام به مجبرا صاغرا .

ما أجمل صباحك فلسطين! وأن تبحث عن نوع من الفيتامينات اللحومية الحمراء حتى تخور قواك وترضى شئت أم أبيت ببروتينات طبق العدس الذي تقدمه لك ست الكل الحبيبة الوالدة أو الزوجة أو من يقوم مكانهما، ولمَ لا وهو جامع لكل البروتينات!

نعم هؤلاء الكتاب أصحاب الأقلام العبثية أمثالنا كاذبون يتحدثون عن غزة وكأنها قطعة سقطت من النار، وعن فلسطين، وكأنها باستيل عذاب أشد وطأة من أبو غريب في العراق، نشوه الحقيقة، ونحرض العقول على الثورة، فغزة أيها القارئ الكريم: نعيم وقبس من الجنة ، تعيش بها وكأنك تملك قصرا في سنغافور! بُشرنا به ونلناه، تنعم بكل المنتوجات والسلع، وأسعار في متناول الفقير، إن وجدت فقراء، فردوس سنغافوري في غاية الروعة والجمال، والأعمال متوفرة لكل من شاء أو لم يشاء ... فأين النار أيها العقلاء؟!

سامي الأخرس

 

د.أ.د




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home