القلم الفكري

 

المحظورات والانطلاق الفكري والتقدم

د. تيسير الناشف



 

المحظورات والانطلاق الفكري والتقدم

 

د. تيسير الناشف

 

   ليس من المقصود أن يكون المكان الذي يولد الإنسان فيه سجناً. لا يقصد أن يكون الوليد سجيناً. يولد الوليد لينفتح على ما حوله، على العالم الأوسع. المولد بوابة الإنفتاح على العالم المحيط. ولعله ليس أخطر على الإنسان وحياته وكيانه من الإنطواء والجمود على الصعيد الفكري. ولا يتحقق انفتاح الإنسان على العالم إلا إذا تفاعل وتحاور معه. ولا يحدث هذا التحاور إلا إذا كان حديثه وكتابته عن نفسه وحياته صريحين خاليين من التردد والخوف، معبرين عن شعوره وعاطفته الحقيقيين دون مواربة. لا يتحقق الإنفتاح الفكري بالنفاق ووضع القناع على الوجه. يتحقق الإنفتاح الفكري برؤية الأشياء كما هي، برؤيتها عارية مثل أشعة الشمس وتدفق الشذا؛ برؤيتها على حالتها الطبيعية.

   ويتنافى الانفتاح الفكري مع الزيف والغموض. ومن الطيب الخروج عن المألوف الذي يقر حالات الانغلاق الفكري والجمود الفكري وانعدام النقد الفكري ويقويها ويديمها. ومن الطيب  الخروج عن المألوف الذي يشل الانطلاق الفكري والابداع الفكري والذي لا يعي وجود تعدد الخيارات والبدائل الفكرية والعملية. ومن الطيب الخروج عن المألوف الذي قد يظن أنه توجد قراءة واحدة للأحوال والتطورات والذي يفرض قراءته الواحدة على شرائح الشعب ويطارد قراءات أخرى.

   وللرضى عن الذات مخاطر. قد يشي هذا الرضى بوجود الجهل والانغلاق. وقد يغري هذا الرضى بالانغلاق الفكري أو قد يدل عليه. والخروج عن المألوف تجل للاستقلال الفكري والانطلاق النفسي وتأكيد للذات ودلالة على حيوية البشر. الفرد الحي هو الفرد الذي يؤكد ذاته بثقة وجرأة. الشعب الذي لا يؤكد ذاته ولا يجرؤ على ذلك ولا يعرف ذلك شعب ضعيف لا قبل له بمواجهة التهديدات الخارجية. والفرد والشعب اللذان يكيفان ويخضعان فكرهما وتفسيراتهما لمستلزماتهما الحياتية لما هو مألوف فرد وشعب لا يحسنان الدفاع عن نفسيهما لأن سلوك أفراد وشعوب أخرى خارجاً عن المألوف من شأنه أن يوفر لأولئك الأفراد ولتلك الشعوب معرفة بدائل وخيارات فكرية وعملية أكثر واستعمالها، وبهذه المعرفة والاستعمال تؤكد تلك الشعوب ذاتها وتحقق إرادتها التي قد تكون على حساب الشعوب أسيرة المألوف. 

   الاكتفاء بالمألوف والرضى به ضيق فكري لأن هذا الاكتفاء والرضى يعنيان اللامبالاة برؤى أخرى موجودة غير ذلك المألوف، وعدم مراعاة الرؤى الأخرى في التفكير والعمل. والاكتفاء بالمألوف والرضى به انغلاق فكري لأن الاكتفاء والرضى هذين يعنيان بنيوياً ووظيفياً عدم تجاوز حدود ذلك الاكتفاء.

   وكثرة المحظورات في مجتمع من المجتمعات تدل على قوة اتجاه المجتمع نحو الانغلاق الفكري والعاطفي. والمجتمع الاكثر انفتاحاً أو الأقل انغلاقاً تقل فيه المحظورات. والمجتمع الذي تقل فيه المحظورات  يكون مجتمعاً أقرب إلى الحالة الطبيعية وأقرب إلى ممارسة الحرية وأقرب إلى الانفتاح الفكري وتكون فردية الإنسان فيه أقوى وأكثر أصالة، لأن روح الطبيعة ترفض الحظر ولأن الحظر مناف للحرية ومقيد للفكر، ولأن الحظر تدخل واضح في إدارة الإنسان لحياته، وبالتالي يمس بفردية الإنسان.

   وأخاف على أفكاري ومشاعري من الانغلاق والجمود الفكريين اللذين يغتالان تلك الأفكار والمشاعر. والاستعداد الذهني النفسي للخروج عن المألوف ظاهرة طيبة، حتى لو لم يؤد هذا الاستعداد إلى الخروج عنه.  

   ومن الأغراض الأهم للأنظمة والمؤسسات الاجتماعية في مجالات مختلفة تمكين البشر من أن يديروا شؤون حياتهم وتسهيل هذه الإدارة. ولدى هذه الأنظمة والمؤسسات في العالم برمته نزعة إلى تجاوز أغراض وجودها. في كل المجتمعات البشرية تتجاوز فعلاً تلك الأنظمة والمؤسسات الغرضين المذكورين. تطغى تلك المؤسسات والأنظمة على مجالات لا تقع في نطاق تمكين البشر من إدارة حياتهم وتسهيل تلك الإدارة. والمجتمعات تختلف بعضها عن بعض  في مدى التزام تلك المؤسسات والأنظمة بأغراضها وفي مدى تجاوزها تلك الأغراض إلى أغراض أخرى. وفي المجتمعات البشرية كافة، وربما على وجه الخصوص في البلدان النامية، تجاوزت تلك المؤسسات والأنظمة أغراض وجودها إلى التدخل في النشاط الفكري والعملي وإلى قيامها بتكييف النظام القيمي للإنسان وإلى حظر كثير من النشاطات ووجوه السلوك على الصعيدين الفكري والعملي.

  ولا مانع في اعتقادي من أن يتمتع الإنسان بوجوه المسرة والبهجة ما دامت هذه كائنة في الإطار الذي يجيزه النظام القيمي السائد. والمبالغة في الحظر تجعل هذه المسرة والبهجة أقل مما يستلزمه وضع الأنظمة والمؤسسات الاجتماعية لتسهيل إدارة البشر لحياتهم.

   ولدى الإنسان بطبيعته نزعة إلى الحرية وإلى أن يكون سلوكه أقل تقيداً وإلى ان يحقق ذاته وفرديته. والطبيعة كما هو معروف قوية جداً. إنها أقوى من التطبع ومن القيود غير الطبيعية. وفي أحيان وحالات كثيرة لا يستطيع الإنسان بحكم طبيعته أن يتقيد بعدد من القيود الاجتماعية، وخصوصاً القيود التي لا يعتقد هو بصحتها. وبالتالي قد لا يراعي هذه القيود سراً أو علانية. وقد يوجد عدم المراعاة هذا تأنيباً للضمير لدى الإنسان. والمجتمعات التي تنشأ  فيها هذه الحالة مجتمعات تؤنب أفرادها ضمائرهم، وقد لا يكون أفرادها متماسكي الشخصية. قد يكونون منشطري الشخصية. سرهم ليس علانيتهم. هذا مجتمع كثير من أفراده محتارون وساخرون. هذه حالة قد تؤدي ببعضهم إلى الممالأة  والمجاراة الكاذبة والمسايرة والمجاملة الكاذبة.

   ولتخليص أفراد المجتمع من هذه الورطة النفسية والمعضلة السلوكية يجب تقليل المحظورات التي لا حاجة إليها اجتماعياً وقيمياً وثقافياً وتجب العودة بالأنظمة والمؤسسات الاجتماعية إلى أداء وظيفتها الأصلية وهي تسهيل إدارة البشر لشؤون حياتهم، أي يجب أن ينشأ تطابق أو على الأقل تقريب بين المحظورات وغرض الأنظمة والمؤسسات الاجتماعية.

   ومما له صلة بالانطلاق والابداع الفكريين والخروج عن المألوف تفسيرنا أو قراءتنا للمفاهيم الاجتماعية والثقافية السائدة. مما من شأنه أن يحقق سلاسة العلاقات الاجتماعية القيام بالتحديد الدقيق لتلك المفاهيم. وحتى يكون من الممكن للذين يريدون أن يراعوا مفاهيم مقبولة اجتماعياً وثقافياً وهم يريدون أن ينطلقوا فكرياً من اللازم تعريف تلك المفاهيم.

   والمحافظة الفكرية لا تتمشى مع الانفتاح والانطلاق والابداع في المجال الفكري. ومرد هذا القول هو أن المحافظة الفكرية ليست لديها نزعة إلى التحليق الفكري والخيال الفكري الجامح وارتياد الفضاء الفكري. فالمحافظة الفكرية بطبيعتها تسعى إلى المحافظة على ما هو موجود من الفكر بينما يكمن في طبيعة الانفتاح والانطلاق والابداع في المجال الفكري تجديد الفكر وتوسيع نطاقه وتغيير الفكر القائم الذي لم يعد لازماً من منظور قيم الشعب وحاجاته. ويعني ذلك أن المحافظة الفكرية تعيق عملية التغيير الفكري.

 




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home