القلم النقدي

 

سؤال الشعرية بين جمالية التلقي وجاذبية المثال

أحمد طايعي



سؤال الشعرية بين جمالية التلقي

وجاذبية المثال.

 

قراءة في كتاب

" القراءة بالمماثلة في الشعرية العربية القديمة"

 للدكتور أحمد طايعي.

                                       

                                                      بقلم الدكتور عبد الله الطني

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


الاحتفاء بالكتاب يعني في دلالاته الجوهرية، الاحتفال بالإنسان، سواء كان كاتبا أو مكتوبا، وهو يتجلى بين سحر الحروف والكلمات وما بينهما من عوالم الحلم المبدع وآفاق التأويل الموسع، عبر فعل الكتابة تارة وعبر فعل القراءة تارة أخرى. إننا عندما نكتب، فإننا نحتمي بالكتابة من ضياع الوجود وتلف الحدود، وعندما نقرأ فإننا نصير بالقراءة إلى كونية الاتصال واللاحد.

أقول هذا، لأنني أعتبر التجلي صفة من صفات الكائن تضع حدا للوجود بالقوة والجوهر وتحقق الوجود بالفعل والمظهر، وهذا التجلي كما أعلمه، يقال بوجوه ثلاث:

- وجه إلهي، حيث يتجلى الخالق في مخلوقاته والكامل الجميل في صفاته.

- ووجه أنطولوجي، حيث يتجلى الوجود من حيث هو موجود في ظواهره وأشيائه.

- ووجه إبستيمولوجي، حيث يتجلى الإنسان عاقلا، فاعلا ومريدا؛ مجليا كينونته الخاصة في فعل اسمه "الكتابة"، وخبر نعته المكتوب. فبالكتابة يتوحد الإنسان بذاته وعلى أساساها يتوحد بالآخرين من أمثاله، بل إنه يتوحد بالحقيقة الكبرى، متحررا من تفاصيله، وبهذا تكون الكتابة فعلا توحيديا صوفيا بالمعنى التكاملي العالي للكلمة.

ونحن اليوم نحتفل بأثر كاتب متجل متوحد، يحيى فرحته الوجودية بمولود إبداعي اختار له من الأسماء أجملها وأحبها إلى قلوب عشاق التراث الجمالي العربي الإسلامي، والاسم هو "القراءة بالمماثلة في الشعرية العربية القديمة".

وعملا بحكمة الشيخ محيي الدين بن عربي "الظاهر دليل الباطن والباطن تجوهر الظاهر" فإن اكتشاف الأول للمظهر الخارجي للكتاب جعلني في استباق إلى الإمساك بلوحة هلامية تجمع بين العديد من المفارقات من بينها الجوهر والمظهر، الاتصال والانفصال، التشتت والوحدة، الغموض والوضوح، الكمون والانبجاس، المفارقة والمماثلة، الحقيقة والمجاز... وباختصار توهمك لوحة الكتاب بأنها تعطيك كل شيء بقدر ما تحيلك على اللاشيء، بألوانها الخرافية الممعنة في استدراجك نحو بؤرة جمال غامض غموض جمال الغابة أو البحر.

أما العنوان الذي يسيج دلاليا هذه الثنائيات، فقد رمى إلي منذ الحدس الأول بأربعة مفاهيم كانت كافية للإيقاع بي في لغمها التواصلي الإشكالي، وهي: القراءة – المماثلة – الشعرية – العربية القديمة، وهي مفاهيم ترقى لدي إلى مستوى المفاهيم التي يتقاطع فيها الفلسفي التأملي، والمعرفي الاستكشافي، والشعري التخييلي، والتاريخي التحقيبي.

- فالقراءة حدث معرفي استكشافي يستهدف فك رموز خطابات ممعنة في اختراق متلقيها، ومن جهة ثانية حدث أنطولوجي في الوقت الذي تكون فيه شرط وجود قائم على اجتراح المعنى يكون فيها وجود الذات القارئة مشروطا بمدى قدرتها على رتقها لذاتها وهي تخترق المكتوب.

- والمماثلة تبدو لي حدثا تقويميا مرتبطا بالحدث الأول ارتباطا توليديا يقوم على استنباط الوحدة من التكوثر والجوهر من الأعراض والقاعدة من الحالات والمثالات والكليات من الجزئيات؛ وإذا كنا في عالم الجماليات يمكن أن نفهم أن المماثلة حدث استنباطي تقعيدي ينشد الجمال بالاستناد إلى رفيع مثال.

- أما الشعرية فإنها حدث احتفالي، ميتالغوي، متافيزيقي: يتحرر فيه الإنسان من قيود الإمكان، تتقاطع في استقباله متعة الاندهاش عبر القراءة، ونشدان الجمال في ضوء المثال عبر المماثلة. في حين يحيلني مفهوم العربية القديمة على تراثنا الحافل كحدث متحقق في زمان تاريخي معلوم، فيه ترعرعت هويتنا بذاتها ومنه استمرت وتواترت بآثارها وامتداداتها، كشرط من شروط تاريخيتنا الثقافية وتجددنا الإبداعي؛ حيث لا بناء إلا على أصل ولا إبداع إلا بوصل.

وباختصار شديد، لقد التقطت هذه المفاهيم الأربعة بقدر ما التقطتني بإحالاتها وسؤالاتها المركبة: فـ"التراث" أحالني على سؤال الأصل، و"الشعرية العربية" على سؤال الذات التاريخية والمغايرة الإبداعية، و"المماثلة" على سؤال الوعي بجمالية الاتصال والانفصال في نواميس الشعرية العربية القديمة وسننها، و"القراءة" على سؤال المعنى والتأويل استنادا إلى علامة أو دليل.

غير أن ثمة اعتبارات قوية سوغت للمغامر مثلي إنجاز قراءة عن هذا الكتاب والمساهمة الرمزية في الاحتفال به. من أهمها على وجه الخصوص، تقديري الخاص لصاحبه وإعجابي بأسلوب مقاربته وشجاعته الأدبية في اقتحام موضوع يجمع بين الطرافة والعواصة، ذي تقاطعات غزيرة وتشابكات كثيرة. يحيل إلى تخصصات معرفية متعددة فضلا عن عامل انتصاري،  يكمن في ضرورة دعم الصورة التي أتمناها لأكاديميتنا بوصفها مركز إشعاع ثقافي يجب الاحتفال بمنجزات مفكريها ومبدعيها وتشجيعهم على المزيد من التألق والإنتاجية. وإذا كنا نسلم بأنه لا نيابة في القراءة إلا على سبيل التسليم، صرنا إلى التسليم بأن ما نستطيعه في هذه الورقة هو فقط تسجيل مجموعة من الانطباعات الأولية حول بعض الدلالات العميقة التي تشي فيها الإشارات بين مفردات الكتاب التحليلية والاستنتاجية منتهين إلى تسجيل ملاحظات هي الشكل التالي:

في الظاهر يبدو أن العمل المنجز (القراءة بالمماثلة) ذو طبيعة نقدية يروم مقاربة إحدى آليات ومقاييس الشعرية العربية لدى بعض أسلافنا من المبدعين وفي الوقت نفسه، القراء النقاد في تقويمهم لما تلقوه وورثوه عن سابقيهم من فحول الشعراء وهذه الآلية، هي (المماثلة) وقد تمفصلت مقاربته هذه، عبر خطوتين متراكبتين مترادفتين. الأولى منهما ذات وظيفة تنظيرية تأطيرية، وهي مجال الباب الأول من البحث. والثانية ذات وظيفة تطبيقية بيانية، كانت مجال بابه الثاني. فقد تطرق إلى وضع الظاهرة الأدبية عموما بين النص كخطاب مرسل وقراءته الجمالية، فكانت مناسبة للمقابلة بين منطلقات وأوليات نظرية التلقي الجمالي وآليات إنتاج الوقع الجمالي عند كل من "ياوس" و "إيزر" بما تتضمنه هذه النظرية من مفاتيح تحليلية وأجهزة مفاهيمية إجرائية، متكئا على آليات أخرى ذات مرجعية نقدية عربية قديمة وأخرى سوسيولوجية ولسانية وسيميائية وابيستيمولوجية.

أما الخطوة الثانية فكانت مناسبة للمتابعة الميدانية لمظاهر حضور مفهوم القراءة بالمماثلة لدى علماء الشعر العربي القديم في مدرستين نقديتين: الأولى مشرقية ممثلة بأبي العلاء المعري وأبي علي المرزوقي. والثانية مغربية –بالمعنى القديم للكلمة- ممثلة بالأعلم الشنتمري؛ مبرزا الأسس اللغوية والمنطقية والبلاغية والأصولية المعتمدة لدى هذا أو ذاك، منتهيا إلى إماطة اللثام عن الآثار العميقة لآلية المماثلة في تأويل الخطاب الشعري وبناء آفاق استقباله الجمالي.

هذا باختصار ظاهر اهتمامات الدكتور أحمد طايعي في كتابه هذا، لكن ما أن نتجاوز ظاهر خطابه إلى الكشف عن إشاراته الخفية ومضمراته حتى نقف عند دلالات عميقة هي التي تشد القارئ أكثر من غيرها وأجمل بعضها في النقط التالية:

1- الدلالة التراثية: وهي دلالة حاصرتني من كل الجهات في تعاملي مع هذا الكتاب، سيما وقد وجدتني متحاقلا مع الدكتور أحمد طايعي في هم مشترك عميق هو عشق التراث والإلحاح في الدعوة إليه من أجل استكناه كنوزه المغمورة وتحيين الجوانب المضيئة فيه. وهي عودة شعارها التحصيل والتوصيل والتأصيل على غير مثال سابق؛ وهذا ما يعني ببساطة الإبداع فلا إبداع حقيقي إلا انطلاقا من الأصول   والمقومات الثقافية. إنه لا يمكن تصور نهضة ثقافية وفكرية أصيلة إلا محمولة على جذورها الثقافية والحضارية. وهذه أطروحة لا نقصد منها أن يكرر الأسلاف ما قاله الأخلاف في الفكر والإبداع، وإنما نروم إلى إبداع ثقافي ذو هوية متجددة في إطار أكبر هو التنوع والاختلاف، فلا حياة لفكر دون ارتباط بجذوره التراثية التي هي الأصل. يقول الفيلسوف المغربي الدكتور طه عبد الرحمان: "إنه لا سبيل إلى الانفكاك عن حقيقة التراث التاريخية ولو سعى المرء إلى ذلك ما سعى، لأنها وإن بدت في الظاهر حقيقة بائنة ومنفصلة بحكم ارتباطها بالزمان الماضي، فهي في جوهرها كائنة ومتصلة بنا من كل جانب ..، كما أنه لا سبيل إلى الانقطاع عن العمل بالتراث في واقعنا لأن أسبابه مشتغلة على الدوام فينا، آخذة بأفكارنا، وموجهة لأعمالنا، متحكمة في حاضرنا ومستشرفة لمستقبلنا سواء وعينا بذلك أم لا".

2- الدلالة الآلية: وأقصد بها، هنا، تقعيد الاهتمام بالأفكار والمضامين في هذا التراث على آليات إنتاجها. فالآفة التي لحقت بجل الدراسات المشتغلة على تراثنا الفكري العربي الإسلامي، تكمن في عنايتها المفرطة بمضامينه لقرون عديدة دون العناية بآليات إنتاجها. والمقصود بهذه الآليات مختلف الأسس الخطابية والحجاجية والمنطقية واللغوية والمفاهيم الخاصة والعامة، التي قامت عليها تلك المضامين المعرفية. ومن ثمة كانت أطروحة الدكتور أحمد طايعي حيث قامت على البحث في المضامين والوسائل والكيفيات فراح يحفر في الأسس المعيارية لإنتاج الأحكام الجمالية والتقويمات النقدية التي كانت تقوم عليها قراءة المتون الشعرية العربية القديمة أي أنه   كان يهتم بالمضامين في إطار علاقة منطق القول بمنطوقه والآليات المتحكمة فيه.

3- الدلالة المفاهيمية الاستراتيجية: وصفنا قراءة الباحث في الموضوع المشار إليه بكونها تحمل دلالة مفاهيمية استراتيجية مرده إلى الاعتبارات التالية:

- فهي مفاهيمية لأنها تمت بواسطة نسق من المفاهيم التحليلية أبدعها ووظفها بفعالية متميزة من أجل الكشف عن نسق بنائي أبدعه أسلافنا القدماء أثناء قراءتهم التجديدية للتراث الشعري العربي.

- وهي استراتيجية لأنها محورت مقاربتها المفاهيمية هاته حول مفهوم مركزي هو مفهوم المماثلة بوصفه يحتل مكانة جد متميزة في المنظومة الفكرية والثقافية العربية الإسلامية، يتجذر في مختلف أدبيات ومحاور هذه الثقافة من فلسفة ومنطق وبلاغة وعلم كلام وتصوف وشعر ...

4-الدلالة الجمالية: وتجلت لدى الباحث أحمد طايعي في مدى وعيه بضرورة الاهتمام بمرجعية الذوق الجمالي ومحدداته سواء عند ممارسي الصناعة الشعرية أو مميزيها من النقاد والمتلقين. كما تجلت في جمالية راقية أبانت عنها كتابته في وقت بدأت فيه –مع كامل الأسف- جمالية الكتابة العربية الأصيلة تنقرض. فكتابة الأستاذ طايعي تعلن عن جماليتها انطلاقا من منطقية صيغها الجدلية الرفيعة، مثل قوله: (وإذا كان الأمر كذلك صرنا إلى التسليم...)، وكذلك من معيار بنائيتها على مستوى التنسيق بين المداخل والمخارج، في اتجاه إنتاج معمار مفاهيمي تحليلي، يخول له الانتماء إلى سلالة المتلقين المبدعين في سلم الصيرورة الثقافية لتراثنا العربي الإسلامي، والانتماء من جهة أخرى إلى مدرسة عريقة في الكتابة هي المدرسة الطاهائية (نسبة إلى طه عبد الرحمان). فمن أفق انتظار شعراء كامرئ القيس والنابغة والمتنبي، إلى أفق انتظار متلقيهم القدماء أمثال المعري والمرزوقي والشنتمري إلى أفق متلقين معاصرين أمثال أحمد طايعي نفسه، يكمن سر واحد هو أن الإبداع بقدر ما يستطيع اجتراح عوالم لا متناهية من الفتنة والغواية الجماليتين، يستطيع بالموازاة مع ذلك أن يكون مرجعا ومثالا تعود إليه الأجيال لتدميره عن طريق عشقه والإحالة عليه، بله، بعثه من أجل خلق صورة جديدة للحياة. ذلكم هو سر مفهوم المماثلة الذي تتفاعل فيه الإحالات على الماضي كمثال والحاضر كواقع حال والمستقبل كمآل، ولعل عنوان السعي بين هذه المراحل هو "عشق الكمال"

                                              *كتاب: (القراءة بالمماثلة في الشعريــــة

                                                     العربية القديمة)، منشورات زاوية

                                                    الرباط، ط 2007.

 




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home